فرص ضائعة وخيارات محدودة.. موقف إسرائيل من "الاتفاق النووي" (1)

تاريخ النشر: 13.04.2021 | 06:58 دمشق

آخر تحديث: 13.04.2021 | 13:57 دمشق

إسطنبول - خالد خليل

في الوقت الذي كان يجلس فيه نواب وزراء خارجية القوى الخمس العظمى وألمانيا مع الإيرانيين، في العاصمة النمساوية "فيينا" لإطلاق مسار محادثات لإحياء "الاتفاق النووي الإيراني"، كانت أخبار تَعرُض سفينة تابعة للحرس الثوري قبالة سواحل اليمن في البحر الأحمر لهجوم إسرائيلي، تتصدر وسائل الإعلام الدولية، في محاولة من تل أبيب للفت انتباه المجتمعين إلى مطالبها الرافضة لعودة واشنطن إلى الاتفاق المبرم في 2015.

ولم يمضِ يومان على اختتام اجتماع "فيينا"، الذي يمر بمخاضات الولادة، حتى تصدرت أخبار هجوم استهدف منشأة "نطنز" النووية، أهم موقع إيراني لتخصيب اليورانيوم، يوم الأحد الماضي، واتهمت طهران رسمياً إسرائيل بالمسؤولية والأخيرة كعادتها تترك عملياتها "غامضة" من دون أن تتبنى أو تنفي، ولكن كما جرت العادة مؤخراً يأتي تأكيد مسؤولية إسرائيل من الصحافة الأميركية.

إسرائيل المستاءة من هذا المسار والمفلسة – لأنها ترى مخاوفها خارج الحسابات- لم تجد طريقة للمشاركة أو لفرض شروطها وسماع مطالبها إلا عبر القنابل والألغام البحرية في مياه أهم مضيق بحري في الملاحة العالمية.

في هذا الملف يحاول موقع تلفزيون سوريا الإحاطة بموقف إسرائيل من الاتفاق النووي الإيراني ومحاولاتها للتأثير على الإدارة الأميركية الحالية الساعية للتراجع عن الانسحاب الأحادي من الاتفاق الذي نفذته الإدارة السابقة قبل ثلاثة أعوام، وما هي الفرص والخيارات التي تملكها تل أبيب في هذا الموضوع؟ وهل ستفعّل الخيار العسكري المطروح على الطاولة؟ إضافة إلى استعراض أبرز محطات البرنامج النووي الإيراني منذ التأسيس وصولاً إلى اجتماع "فيينا".

وينشر موقع تلفزيون سوريا الملف في جزأين منفصلين على التتابع.

ما بين "استثنائية" ترامب و"دبلوماسية" بايدن

في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حدث ما لم تتمناه تل أبيب في الانتخابات الأميركية الأخيرة، الأمر لا يتعلق فقط بخسارتها لصديقها ترامب صاحب "الهبات الجليلة"، الذي طوّع سياسة واشنطن الخارجية لخدمة إسرائيل، وإنما فوز بايدن الذي قرأته تل أبيب مبكراً على أنه "عودة لإدارة أوباما" صاحب "الاتفاق النووي" الإيراني.

الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، أعلن منذ الأيام الأولى لحملته الانتخابية عزمه العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني -إرث أوباما المزعج لإسرائيل- الذي انسحب منه سلفه ترامب في 2018 من طرف واحد.

ليس خافياً حجم المعارضة التي يبديها حلفاء واشنطن في منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسهم إسرائيل، لمساعي إدارة بايدن في إحياء الاتفاق، في ظل إصرار الأخير وفريقه على المضي نحو استراتيجيته في هذا الملف، وفي تجاهل واضح لصخب الاعتراض الإسرائيلي.

إدارة بايدن التي ترفع شعار "عودة أميركا"، أي عودة الدبلوماسية الأميركية لأخذ مكانتها العالمية، على خلاف شعار الإدارة السابقة "أميركا أولاً"، التي خلطت الأوراق في العديد من القضايا الدولية، وترغب الإدارة الجديدة بإعادة ترتيبها وفقاً لسياسات أكثر تأنياً ودبلوماسيةً.

من أهم قضايا السياسة الخارجية لواشنطن في المنطقة هي رغبتها المعلنة بالعودة إلى الاتفاق النووي، لإعادة إيران إلى الحظيرة الدولية (القفص) عبر تفعيل الدبلوماسية وسياسة الاحتواء، وقد قالها صراحة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، إن الدبلوماسية هي أفضل طريق لضمان عدم امتلاك إيران للسلاح النووي.

 

وقد أثمرت دبلوماسية بايدن، الثلاثاء الماضي، 6 من نيسان/أبريل 2021، في إطلاق مسار المحادثات في فيينا لإعادة طهران إلى طاولة المفاوضات "النووية"، وإن كانت البداية متعثرة نوعاً ما، ولكن التحليلات الإسرائيلية تبدو متخوفة وتشير إلى أن النهاية ستكون لصالح إيران وتصبح دولة نووية.

العودة إلى إرث أوباما

يشكل تعامل إدارة بايدن مع الملف النووي الإيراني، وسعيها لإحياء الاتفاق المنهار، أحد أهم محطات الخلاف بين واشنطن وتل أبيب، الأمر الذي ترفضه إسرائيل وتكثف جهودها لمنعه.

ومنذ أيامه الأولى في البيت الأبيض باشر فريق بايدن البحث عن طرق للعودة إلى الاتفاق النووي للعام 2015، ولكن بعد توسيعه لكي يشمل مسألة الصواريخ التي تمتلكها إيران، وأيضا تدخلاتها في الشرق الأوسط.

وفي 18 من شباط/فبراير الماضي، نفذ بايدن تعهداته الانتخابية متجاهلاً كل تحفظات تل أبيب ورفضها، وأبلغ رسمياً مجلس الأمن الدولي، إلغاء العقوبات التي فرضها سلفه ترامب على إيران والمعروفة باسم "سناب باك".

في المقابل كان الرفض الإسرائيلي لإزالة العقوبات والضغوط الأميركية عن طهران واضحاً، ويكرره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في كل مناسبة، معتبراً أن عودة واشنطن إلى اتفاق 2015 "ستمهد فقط ‏الطريق أمام إيران نحو امتلاك ترسانة نووية".‏

وعشية انعقاد اجتماع فيينا، جدد نتنياهو – المنتهية ولايته والذي يملك فرصا ضئيلة بتشكيل حكومة جديدة- تهديده بعدم التزام بلاده بأي اتفاق من هذا النوع، وقال خلال حفل خاص بيوم الهولوكوست في القدس المحتلة الأربعاء الماضي، موجهاً خطابه لـ "لأصدقائنا المقربين: لا تخطئوا.. مثل هذه الاتفاق لن يُلزِمنا بأي شكل من الأشكال".

ولكن إصرار واشنطن لتنفيذ استراتيجيتها بالجلوس مع الإيرانيين، خيّب آمال تل أبيب الأمر الذي جعلها تخفض حدة صوتها الرافض، وتلجأ إلى خيار التباحث مع الأميركيين للوصول إلى تفاهمات مشتركة.

وشكلت إسرائيل لجنة متعددة الاختصاصات برئاسة مستشار الأمن القومي مائير بن شبات للتنسيق مع نظرائهم في واشنطن وتبادل المعلومات الاستخبارية حول البرنامج النووي الإيراني، وذلك رضوخاً من قبل تل أبيب لـ "دبلوماسية" بايدن وفريقه من الديمقراطيين، من دون التخلي عن أسلوب الضربات العسكرية، التي تنفذها من فترة إلى أخرى، ضد أهداف إيرانية في سوريا وخط الملاحة البحرية في الشرق الأوسط.

 

Picture1_0.jpg
وزراء خارجية الدول الموقعة على الاتفاق النووي الإيراني، فيينا 2015 (رويترز)

الرهان على الحصان الخاطئ

وأمام هذا الواقع بدأت تظهر انتقادات من داخل إسرائيل لنتنياهو ولنهجه المتهور في إدارة هذا الملف، لأنه وضع كل البيض في سلة ترامب، الأمر الذي انعكس سلبياً على إسرائيل مع قدوم الديمقراطيين إلى الحكم في البيت الأبيض.

وفي حسابات اليوم، من وجهة نظر إسرائيل، إن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، بدفعٍ من صديقه نتنياهو وحكومته اليمينية، وفرضه المزيد من العقوبات التي خنقت طهران، أدت إلى نتائج عكسية لأنها شكلت فرصة للإيرانيين للتحلل من التزاماتهم وانتهاك بنود الاتفاق، الأمر الذي مكنهم من استئناف نشاطات تخصيب اليورانيوم والنشاط في السوق السوداء من خلال تهريب النفط وبيعه إلى حلفائهم بطرق لا تطولها العقوبات الأميركية، حيث طورت طهران قنوات تصدير إلى الصين وكوريا الشمالية ونظام الأسد لإنقاذ اقتصادها المتهالك.

وفي هذا الصدد قالت طهران، التي تعاني من عقوبات اقتصادية أميركية قاسية، إنها حققت معدلات إيجابية في النمو الاقتصادي في العام الماضي رغم انتشار جائحة كورونا، كما تعكس توقعات أرقام صندوق النقد الدولي أن إيران من بين الدول المصدرة للنفط في المنطقة، ستحقق أقوى انتعاش حيث سينمو بنسبة 3.2% في عام 2021.

وبسبب انسحاب ترامب الأحادي من الاتفاق، الذي وجد فيه الإيرانيون مبرراً، استأنفت طهران بالفعل تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، بحسب متحدث باسم الحكومة الإيرانية، وهذا مخالف لما نص عليه اتفاق 2015 على ألا تزيد نسبة التخصيب على 3.67%.

كما تشير أحدث التقديرات الإسرائيلية بأن إيران لا يفصلها عن تخصيب اليورانيوم الكافي لصنع قنبلة نووية سوى شهرين فقط، بحسب التقرير السنوي للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "آمان".

Picture3_0.jpg
منشأة "نطنز" الإيرانية لتخصيب اليورانيوم (AP)

 

لمحة عن الاتفاق النووي الإيراني

هو إنجاز دبلوماسي للقوى العظمى لمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية بعد عشر سنوات من الخلافات على طبيعة البرنامج النووي الإيراني تخللها سلسلة من العقوبات الدولية.

في 14 من تموز/يونيو 2015 وقعت القوى الخمس العظمى (الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا) إضافة إلى ألمانيا مع الإيرانيين على "خطة العمل الشاملة المشتركة  (JCPOA)، في فيينا بعد 20 شهراً من المفاوضات.

وتقضي الخطة، المعروفة إعلامياً باسم "الاتفاق النووي الإيراني"،  برفع العقوبات الدولية عن طهران مقابل تفكيكها لبرنامجها النووي.

ودخلت الخطة حيز التنفيذ في كانون الثاني/ يناير 2016 تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبذلك استفادت إيران في الإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات من أصولها المجمدة، كما لم تمنع الخطة إيران من مواصلة برنامجها النووي لأغراض مدنية.

 

20207613393595A2.jpg
 

أهم بنود الاتفاق تشترط على إيران لإزالة العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة عليها بأن تتعهد بـ

  • استخدام أجهزة الطرد المركزي قديمة من طراز (IR-1) لتخصيب اليورانيوم لعشر سنوات.
  • تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي إلى 5060 جهازاً، والأجهزة الزائدة تكون تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
  • تحديد اليورانيوم المخضب في الـ 15 عاماً المقبلة، بـ 300 كيلوغرام، على ألا تتجاوز نسبة التخصيب عن 3.67% في موقع نطنز فقط.
  • تشرف روسيا على تأمين الوقود النووي، ويسمح لإيران باستخدام اليورانيوم المخضب بنسبة 20% في المفاعلات المخصصة للأبحاث العلمية.

في العامين 2016 و2017، سارت الأمور وفق ما هو مخطط لها، وكانت تقارير الوكالة الدولية تشير إلى التزام طهران بالاتفاق، وسط تشكيك المخابرات الأميركية بأن الإيرانيين يمتلكون من قبل التوقيع على الاتفاق مواد انشطارية تخولهم صنع سلاح نووي.

ولكن هذه الفترة شهدت تحركاً إسرائيلياً -غير مسبوق- لعرقلة الاتفاق تمثل بعمليات هجومية ضد البرنامج النووي الإيراني، يصفها جزء من الإسرائيليين أنفسهم بأنها كانت "مغامرات جنونية" قام بها نتنياهو المتعطش للبقاء في السلطة معتمداً على جهاز الموساد.

إسرائيل التي لم تكن راضية عن الاتفاق منذ البداية ورأته "طعنة" من إدارة أوباما، قادت بعد وصول ترامب إلى إدارة البيت الأبيض "معركة تعطيل الاتفاق" على عدة مستويات، عسكريا وإعلاميا واستخباراتيا ودبلوماسيا، وصلت ذروتها في عملية سرقة الموساد للأرشيف النووي الإيراني في31 من كانون الثاني/يناير 2018 عبر عملية إنزال داخل الأراضي الإيرانية وعرض نتنياهو جزءاً من الملفات على وسائل الإعلام بمؤتمر تفاعلي استعراضي لتأجيج الرأي الدولي العام ضد إيران وبرنامجها النووي.

في 2018 أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق، من طرف واحد، وفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية على طهران، الأمر الذي جعل الاتفاق يترنح فقد أفضى هذا الانسحاب إلى تقليص الإيرانيين تدريجياً لتعهداتهم، ولكن الاتفاق لم يسقط نهائياً وبقي معلقاً لتمسك الأوروبيين به كأساس للتفاهم مع إيران لضبط برنامجها النووي.

في نيسان/أبريل 2021 جلس الأميركيون والإيرانيون بوساطة أوروبية على طاولة المباحثات للعودة إلى الاتفاق، رافق الاجتماع تسجيل إسرائيل اعتراضاتها عبر هجمات "غامضة" على أهداف إيرانية كان أبرزها الهجوم على منشأة "نظنز" النووية.

 

يتبع..

 

وزير دفاع النظام من درعا: من لا يقبل بالتسوية عليه مغادرة المنطقة
درعا تفرض مساراً جديداً
"النظام" يقنص طفلة في درعا البلد ويرسل تعزيزات إلى الريف
ارتفاع معدل الإصابات بفيروس كورونا في عموم سوريا
عشرات الآلاف يحتجون على توسيع شهادة كورونا الصحية في فرنسا
منظمة الصحة: موجة رابعة من كورونا تضرب 15 دولة