فخري البارودي في الغوطة

تاريخ النشر: 28.03.2018 | 10:03 دمشق

تلفزيون سوريا - خطيب بدلة

لا توجد علاقة لهذا الحديث بما يجري في غوطة دمشق اليوم من مذابح، فالكلام عن المذابح التي يرتكبها الإيرانيون والروس بالتعاون مع ابن حافظ الأسد بحق الشعب السوري أصبح رتيباً، مملاً، فاقداً للإثارة.. إنما سأتكلم عن أغنية شهيرة يرددها السوريون في شعورهم، ولا شعورهم، هي أغنية "عَ الغوطة".. لاعتقادي بأن الكثير من السوريين لا يعرفون أصلها وفصلها. 

كتب كلمات أغنية "عَ الغوطة" فخري بيك البارودي (1886- 1966) الذي كان رجل سياسة، وفن، وعلم، وضحك، ومرح، وانتخب عضواً في المجلس النيابي سنة 1932، وهو أول من أسس صحيفة هزلية ساخرة في سورية تحمل اسم (حط في الخرج).. وكان يلقب بـ "شيخ الشباب".. 
وبسبب نزوعه القومي كتب فخري بيك البارودي نشيد "بلاد العرب أوطاني" الذي لحنه الأخوان فليفل وأصبح مشهوراً في طول البلاد العربية وعرضها.. ولكن، قبل أن يعهد البارودي للأخوين فليفل بتلحين النشيد، وتحديداً في سنة 1928، حصل موقف مضحك بينه وبين موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، بوجود أمير الشعراء أحمد شوقي، إذ حضر الاثنان لزيارته في بيته، وأثناء الزيارة عرض البارودي النشيد على عبد الوهاب ليلحنه، وقد جاء في مقدمته:
بلادُ العرب أوطاني، من الشام لبغدانِ
ومن نجد إلى يمن، إلى مصرَ فتطوانِ

فلما طلب منه عبد الوهاب تغيير كلمة (تَطْوان) لثقلها، أبدى البارودي إصراراً عليها، موضحاً أن "تطوان" هي بعضُ حدود الوطن العربي، فقال عبد الوهاب:
- يا فخري بيه أنت فاكرني ملحن جغرافيا، وَلَّا أيه؟

المطرب الشعبي الشهير معن دندشي كان من ملوك الطرب في تلك الأيام، هو الذي لحن أغنية "ع الغوطة"، وغناها بصوته العذب، وللعلم أن معن دندشي هو ابن مدينة تلكلخ، ولد سنة 1927 وتوفي سنة 2011، وبلغ عدد ألحانه ثمانين، وكان لديه اهتمام خاص بإحياء الفولكلور الغنائي السوري. ومن أغانيه الذائعة "سمعت عنين الناعورة"، و"يا طير سلملي ع سورية" التي كتب كلماتها الراحل عيسى أيوب ولحنها سليم سروة، ولوحي بمنديلك لوحي. 

في سنة 1953 حضر الفريق الرحباني إلى الشام، وكانوا بصدد تسجيل بعض أغاني بلاد الشام الفولكلورية بصوت نجمة الألفيتين السيدة فيروز، ووقتها كلف الأستاذ أحمد عسة مدير إذاعة دمشق معن دندشي بلقاء الفريق الرحباني والمساهمة في تحفيظ السيدة فيروز كلمات الأغاني وألحانها، وكان منها أغنيتا ع اللالا اللالا، وبردا برداني بردا.. 

لجأ فخري البارودي في تأليف هذه الأغنية إلى المنهج الرومانسي، وبظني أن الرومانسية هي الأكثر ملاءمة للحديث عن الغوطة، باعتبارها الرئة النظيفة لمدينة دمشق التي تحيط بها إحاطة السوار بالمعصم، الغوطة التي تشبه "جنات على مد النظر"، طوال التاريخ وهي تُؤَمِّنُ لأهل الشام ملاذاً صالحاً للنزهات والسيارين، وبالأخص النزهات قليلة التكلفة، فربة المنزل الشامية هي الأكثر براعة في تحضير المأكولات والمشروبات التي تكفي لنزهة تنتهي مع غروب الشمس في ظلال الأشجار السامقة، وخرير الأنهار والجداول، بأقل ما يمكن من المال. وأما سكان الغوطة فكانوا هم الأكثر سعادة حينما يرون أهل الشام وقد جاؤوا ليشموا النسيم العليل في ديارهم.

تقول كلمات الأغنية:
ع الغوطة يلا نْرَوَّحْ، يلا ع الغوطة
عـروس الشـــــــام الحلوة بدها زلغوطة
نسيم الغوطـــة النـاعــــم لما بينَسِّمْ
شحارير الدوح الحلوة تشدي وتنَغِّــــمْ
فصل الربيــع الزاهــي لمـــا يواتيــــــها
بتقول الجنة صارت في أراضيـــها
بتشوف الزهر الزاهر ألماس يلالي
عبير المسك الفايح شَمُّه بيحلالي
صفـصاف تدلى وقَبَّلْ وجه الســواقي
الحور من طربه تْمَايَلْ لبعضُه يلاقي
أخيراً: إن هذا الكلام للتاريخ، فمن سيرى الغوطة بعدما هدمها الإيرانيون والروس وابن حافظ الأسد، قد يعتقد أننا كنا نؤلف، أو نبالغ. ولكننا، مع ذلك، نستطيع أن نهتف، مثلما كنا نهتف أيامَ الثورة السلمية: الغوطة لنا، ما هي لبيت الأسد. عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد.

كلمات مفتاحية