غيبية الوطن

تاريخ النشر: 06.05.2021 | 06:01 دمشق

كلمة معرفة بذاتها، غير قابلة للتأويل والشرح والإضافة، جامعة مانعة مقدسة غير قابلة للمساس بها أو نكرانها، كل هذه المفردات قابلة أن تكون من مواصفات الوطن، غير أن الوطن يمكن أن يكون من أصعب الأشياء تعريفاً، وأبعدها عن الوصف.

إن حقيقة الحال ليست كذلك، فالوطن كلمة معرفة بشكل مسبق لدى كثيرين، وعلى الرغم من غموض ذلك التعريف  فإن من يرفض ذلك التعريف يعد كافراً ومارقاً.

تشبه معارضة فكرة الوطن أمراً محرّماً يُمنع على الفرد مناقشته والمحاججة في وصفه وتعريفه، أو المجاهرة في نقض الحجج التي يسوقها المتطرفون في ذلك الاتجاه، أو حتى الاختلاف على ماهيته المبهمة، بحيث يصبح كل شخص ينكر وجود مثل هذا الشعور محارَباً ومنبوذاً لأنه كفر بإحدى المقدسات غير القابلة للنقاش وإعمال العقل لتبين سبب حبنا ومشاعرنا تجاهه.

حدث أن حضرت خلافاً وصل إلى حد الشقاق بين مواطني دولتين متجاورتين، بخصوص انتماء المدن الحدودية إلى بلد كل منهم، كان كل منهم متعصباً إلى فكرته ومستميتاً في الدفاع عن أحقية بلاده في السيطرة على تلك البقعة من الأرض لأنها عائدة لهم وفق الوضع السياسي المستقر حالياً.

سواء كانت تلك المدينة محل الخلاف عائدة لأي دولة تاريخياً أو جغرافياً أو عقائدياً، فإن كلا المختلفَين كان يدافع عن قدسية حدود لم يصنعها أي منهم، بل صنعتها الاتفاقيات الدولية التي حرصت على حفظ مصالح الدول الأكثر قوة في ذلك الوقت، ما جعلها تبسط سيطرتها على مدن ليست لها، بل وتمتد سيطرتها إلى دول أخرى فيما قد يعتبر غزواً واحتلالاً.

إن فكرة الوطن تجبرنا على التفكير بالحدود التي يتوقف لديها الانتماء وتمنع الإنسان من التجاوز بمشاعره إلى بلاد ليست ضمن حدوده السياسية الحالية، ويقاس ذلك على الولاء والتعاطف

إن فكرة الوطن تجبرنا على التفكير بالحدود التي يتوقف لديها الانتماء وتمنع الإنسان من التجاوز بمشاعره إلى بلاد ليست ضمن حدوده السياسية الحالية، ويقاس ذلك على الولاء والتعاطف، فإذا خُلقتُ هندياً أو سوريّاً أو أميركياً فإنني أدين بالولاء والحب لتلك الحدود بينما ينحسر موضوع التعاطف والمشاعر الإنسانية فلا يخرج عن تلك الحدود، فيصبح الدفاع عن الوطن هو دفاع عن حدود سياسية تغيرت عبر التاريخ مرات عديدة وكثيرة وما زالت قابلة للتغيير مع تغير الحسابات.

يشبه الأمر أننا مبرمجون بشكل مسبق على حبس مشاعرنا ضمن صندوق لا تتعدى فيه الحواجز، وأن كل ما يحدث خارج هذه الحدود لا يمكن أن يحرك فينا حسّاً إنسانياً.

لا يمكن فصل فكرة الوطن عن فكرة الحدود فهما متماشيان بشكل لصيق، فيما يتعارض مفهوم القوميات والانتماء مع فكرة الإنسانية العالمية، ويحمل في طياته بعداً عنصرياً متعالياً على بقية الأقوام والانتماءات، فالانتماء إلى الوطن هو انتماء سياسي أكثر منه عاطفي يقوم بتغذيته الأهل والمجتمع والمدرسة، فينشأ الإنسان معبأً بأفكار متوارثة من دون تفكّر، يشعر فيها بالفخر من أحداث لم يساهم فيها، ويكنّ مشاعر مليئة بالولاء تجاه وطن ربما لم يقدم له شيئا في مقابل مواطنته، بل سلبه حق الحياة وأبسط مقومات الحياة الإنسانية في بعض الأحيان.

إن فكرة الولاء للحدود التي صنعها غزاة سابقون وقابلة للتغيير بفعل غزاة آخرين، تجعلنا مرهونين عقائدياً وعاطفياً لإيديولوجيا عقيمة ومكررة وعنصرية، يوازيها بالضرورة مسألة تحريم نقاش فكرة الانتماء إلى الوطن ومنح بطاقات حسن سلوك للمنتمين المستبسلين عن الدفاع عن فكرة الانتماء، وسحبها من أولئك المشككين في الموروث الوطني والانتماء إليه.

إن فكرة الولاء للحدود التي صنعها غزاة سابقون وقابلة للتغيير بفعل غزاة آخرين، تجعلنا مرهونين عقائدياً وعاطفياً لإيديولوجيا عقيمة ومكررة وعنصرية، يوازيها بالضرورة مسألة تحريم نقاش فكرة الانتماء إلى الوطن

يبدو مع التدقيق أننا نتاج دروس القومية والوطنية التي ترعرعنا عليها، ذلك أنها نفخت في كثير منا روح عنصرية وعلمتنا أن إعلاء شان أمتنا على حساب أمم أخرى هو أمر مستحب وواجب، وصل بنا الأمر إلى الدفاع عن ذلك الانتماء وتلك الفكرة بطريقة لا تمتّ إلى الإنسانية وتغرس عنصرية دفينة متنكرة في شكل انتماء قومي.

لا شك أن تكويننا كأفراد يتدخل فيه مكان النشأة وعوامل متعلقة بالذاكرة والمحيط والأصدقاء، وتفاصيل الطفولة وهذه هي مقومات الوطن الحقيقية، غير أن الوطن وحده لا يعدو كونه فكرة مجردة غير قابلة لتحسس وجودها إلا عن طريق منحه مشاعر معينة مثل الأمان والاحترام، وممارسة الحقوق وما شابه من القيم التي يحتاجها كل مواطن كي يشعر بقيمة وطنه من عدمها، غير أننا لا نُخلق على حب الوطن بشكل فطريّ بقدر ما تعتاد أدمغتنا على تلك الفكرة بسبب النشأة والتربية وتلقي تعليم معين.

وما هو الوطن إذاً؟ إذا لم يكن طمأنينة وذاكرة جميلة وثقة وحياة طبيعية مستمرة، ذلك الذي لطالما فقدناه في أوطاننا الحقيقية فذهبنا إلى أقاصي الدنيا بحثاً عنه في بلاد المنافي.

لا يهمّ في ذلك شكل العلم أو لونه، ولا وجود النشيد الوطني أو عدم وجوده، فالمنزل لا يمكن أن يصبح بيتا بجدرانه ومن دون دفء العائلة الحقيقي. 

إن أول الأوطان التي يعرفها الإنسان هي جسده لكن المجتمع ما يلبث أن يقتحم تلك الفكرة أيضاً ويحاول أدلجتها في أدمغتنا وفق تفاصيل معينة فنتعامل معه وفق العقل العام الجمعي لا بحسب فكرتنا الذاتية عنه، والأمر يقاس على الوطن بفكرته العامة أيضاً ذلك أننا منجرفون تجاهه بفكرة العقل العام الجمعي لا وفقاً لمشاعرنا الخاصة ورؤيتنا الذاتية.

في حالتنا في الدول العربية يبدو أننا فاقدون للفكرة الحقيقية للوطن المفرغة سوى من شكلها الظاهري، إذ إننا وفي أحسن الأحوال نعاني من التهميش ذلك أن هناك دولا قوية ذات أذرع طويلة تنفذ مخططاتها في العالم، من دون أن يكون في تلك الخطط العمل على تحسين حياة الدول النامية، لكننا مكتفون بانتماءاتنا وفخورون بها حتى النخاع من دون أن تشكل تلك الانتماءات فارقاً حقيقياً في حياتنا العملية.

غالبا تلجأ السلطات الحاكمة إلى تغذية هذا الشعور للتغطية على الثغرات والفواحش التي تستمر في ارتكابها باسم حماية الوطن، فتملأ رؤوس الناس بهذه الأفكار وتجعل منهم جنوداً مدافعين عن سياسات الحكومة المقدسة.

يحدث هذا كله على مرأى العين في وقت تزداد فيه صعوبات الحياة ويشتدّ فيها شظف العيش، باضطراد مع ارتفاع نسبة الولاء للأوطان الخُلّبية، والاستماتة في الدفاع عن سياسات حكوماتها حتى الفاشلة منها، فنصبح مفرغين من القيمة ومملوئين بفقاعات القوميات والأوطان.