"غوبلز" رايخ الأسد الثاني

تاريخ النشر: 11.04.2018 | 09:04 دمشق

آخر تحديث: 26.04.2018 | 01:38 دمشق

لم تعلمني السنين الطويلة حتى يومي هذا، أن أصل إلى تعريف دقيق للمثقف. كنت خضت نقاشات شائكة مع أصدقاء حولَ من هو المثقف؟ وفي الكثير منها كنت مخطئاً، أو على الأقل أعترف الآن دون خجل أني تراجعت عن تعريفاتي السابقة له. حدث لديّ هذا التراجع تحت هول ما يطالعنا به مثقفون (حسب تعريفاتي الشخصية السابقة) من مواقف أقل ما يقال فيها: إنها تنزُّ انعداماً في الأخلاق.

في تراسل مكتوب، طلبتُ من أحد (المثقفين) بعد نقاش حاد وطويل، وعلى سبيل التحدي السخيف، أن يعلن أو يكتب ولو بحيادية وبرود، ودون ذكر أسماء الفاعلين، الجملة التالية: "من يقصف المدنيين العزّل بالبراميل هو مجرم حرب". طبعاً رفض الرجل (أقصد المثقف) مبرراً رفضه أنه لن يسمح لي أن أجرّه إلى موقف مجاني لن يقدم ولن يؤخر (أعرف أني كسبت قطيعته النهائية الآن). هذا الرجل ليس مقيماً في سوريا، وإلا لما سمحت لنفسي بهذا الطلب الذي قد يكون مهلكاً.

على مدى سبع سنوات خلت، اطّلعت على مواقف عشرات الأسماء ممن كرسهم الإعلام كمثقفين خلال العقود الماضية. كتاب وصحفيين وإعلاميين وفنانين في مختلف مناحي الفنون، وكان أغلبهم مُتماهياً مع روايات القتلة، وسائراً في ركاب المجرمين، ومهاجماً لضحاياهم من السوريين. وهناك من هو صامت لا يرغب في تسجيل أي موقف، وأنا لا أسمح بلوم هذه الفئة، فللمواقف أثمان باهظة في بلادنا، وكل حالة صمت لشخص في مناطق تستطيع أجهزة القمع الوصول إليها هو مبرر أو مفهوم باعتقادي.

"كان النازي غوبلز عدواً للمثقفين الألمان. وكان يخشاهم، وهو محق في تخوفه، فالمثقف عدو للسلطات الغاشمة ولكل أنواع الطغاة. هذا ما كان عليه الأمر في النصف الأول من القرن العشرين"

الأسماء الثقافية التي اتخذت مواقف أخلاقية وانحازت بصورة واضحة إلى وجع الناس وهمومها ومثلت ما يمكن تسميته ضمير المجتمع كانت قليلة نسبياً. هذه الإشكالية جعلتني أطرح على نفسي العديد من الأسئلة ليس أولها، من طوّبَ تلك الأسماء التي انحازت إلى جانب القتلة على أنها من أعلام الثقافة؟ ولم يكن آخر أسئلتي، كيف انطلى علينا نحن المساكين أن من يطوّبه نظام وحشي بمرتبة مثقف، سوف يكون بالضرورة مثقفاً حقاً، وليس دعيّاًً محسوباً على الثقافة والمثقفين؟

ما بين هذين السؤالين كانت هناك العديد من الأسئلة الفرعية المتناقضة أحياناً. للأسف لم أتمكن من إيجاد إجابات لمعظم أسئلتي. لم أستبعد أن يكون ذلك جهلاً مني، كما أنني لم أستبعد أيضاً أن لعالم الثقافة في ظل الأنظمة الوحشية مفاتيح ومداخل وكاتالوغات لا أمتلك الخبرة الكافية فيها.

في أزمنة ماضية كان المجتمع العام ومستوى المُنتَج الإبداعي للكتّاب والأدباء، إضافة إلى مجتمعات الصحافة والعلم والأدب هي من تطوِّب وجوه الثقافة، وهي السلطة المخولة بإعطائهم ألقابهم ودفعهم إلى المراتب التي يستحقونها، لكن في عصرنا الحديث بات الأمر مختلفاً، فبإمكان رئيس فرع أمني أن يطوب أي اسم وفي أي موقع. ليصبح أياً كان فناناً أو صحفياً، محللاً سياسياً واستراتيجياً، وإعلامياً يحتل الشاشات. يفعل الأمنيون ذلك بالمثقفين كما يفعلونه في حالة تأمين وظيفة لأي مخبر مرتبط بالفرع.

مضت عليّ أسابيع وأنا مشغول بهذه الأسئلة، ومع ذلك لم أصل إلى أية نتيجة أستطيع الركون إليها حين أستخدم كلمة "مثقف" هذا المصطلح الذي راح يغدو هلامياً كل يوم أكثر.

"مثقف"! قبل يأسي، رحتُ أُنوِّع وأضيف بعض الصفات إليه، كأن أقول مثقف عديم الأخلاق، أو مثقف شرير أو خبيث، مثقف سلطة. كل محاولاتي ذهبت هباء ولم أجد أن هذا الجمع للمفردات مناسب. نعم فشلت، ولكن من باب الاحتياط توصلت إلى آلية دفاع شخصي، لا تخلو من الخبث، تجعلني "غوبلزياً" ولكن بطريقة إيجابية، أعتقد أنه يمكنني وصف هذا الانتماء الرديء على هذا النحو، من باب التعاطف الذاتي.

نعم، قلت لأسر على خطا "غوبلز" وزير الرايخ للتنوير الشعبي والدعاية النازية، خصوصاً لجهة علاقته بالمثقف، هو الذي تُنقل عنه العبارة الأشهر: "كلما سمعت كلمة مثقّف تحسستُ مسدسي". أنا الذي لم أكن غوبلزياً في يوم ما بالتأكيد، ولا أنوي أن أكون، قررت، كلما قيل لي عن أحد ما إنه مثقف، أن أتحسس المنديل في جيبي لأضعه عند الضرورة على أنفي تفادياً لرائحة نتنة قد تصلني بعد قليل، فيما لو كان من مثقفي الأسد (الأسد هنا نموذجاً، ويمكن دحرجته واستبداله بأي اسم من أسماء أبطالنا في الإقليم).

كان النازي غوبلز عدواً للمثقفين الألمان. وكان يخشاهم، وهو محق في تخوفه، فالمثقف عدو للسلطات الغاشمة ولكل أنواع الطغاة. هذا ما كان عليه الأمر في النصف الأول من القرن العشرين، أما اليوم فإن متطوعين ثقافيين يقومون من أنفسهم بهذا الدور الدعائي. غوبلز كان يجهد في دعايته ليجعل الألمان جميعاً يمشون في ركب هتلر وأفكاره النازية، أما مثقفو الأسد اليوم، خونة الضمير، فإنهم يفعلون ذلك دون الحاجة لأي غوبلز. فلكل منهم غوبلز صغير تحت إبطه، وإن كان مثقفاً مبتدئاً فغوبلزه سيكون في أحد فروع الأمن.

في عموم التاريخ غالباً كان قول الحق مكلفاً، البعض من مثقفي اليوم يخشون أن يكون الصمت مكلفاً أيضاً، فيندفعون في مديح المجرم. كان عمي رحمه الله، إذا التبس عليه أمر غير مفهوم، يقول: "هالموضوع فايت عليّي تركي عربي". أنا اليوم سأدّعي (تجنباً للانفعال، الذي يمكن أن يتسبب باعتذار أية جهة عن نشر هذه المادة) أنني مثل عمي.

كلمات مفتاحية