غليون: خسرنا جولة أولى لكننا لم نخسر الحرب ولا ينبغي أن نخسرها

تاريخ النشر: 05.03.2018 | 17:03 دمشق

آخر تحديث: 25.04.2018 | 13:31 دمشق

حاوره: غسان الياسين

الدكتور برهان غليون قامة فكرية وثقافية مؤلف للعديد من الكتب وله بحوث كثيرة. وعلى عكس أغلبية النخب الثقافية العربية انحاز غليون منذ البداية لخيارات الشعوب حين انطلقت الثورات في المنطقة العربية. دافع الدكتور برهان عن مطالب الشعوب العربية وحقها في التغيير، وانخرط في العمل السياسي المباشر بعد انطلاق الثورة السورية حين ترأس أول كيان سياسي يمثل المعارضة وقوى الثورة.

موقع تلفزيون سوريا حاور الدكتور برهان عن مآلات الديمقراطية في دول الثورات وعن خيارات المعارضة السورية وأسئلة كثيرة.
 

د.برهان.. وأنت جالس الآن ونحن على أبواب السنة الثامنة للثورة السورية ، بماذا تفكر؟

أفكر في الكارثة الكبرى التي نعيشها في البلاد العربية وليس في سورية وحدها. كيف انتهى الأمر بأمة من 400 مليون إنسان، بما تملكه من تاريخ وحضارة عالمية وتراث إنساني عظيم، إلى أن تتفتت كما هي عليه اليوم وأن يتحكم بها أجهل أبنائها، وأقلهم شعوراً بالمسؤولية، وأكثرهم فساداً وانحطاطاً سياسياً وأخلاقياً معاً.

بالنسبة لسورية، يعيد سؤالك إلى ذهني الرسالة التي وجهتها لشباب الثورة في نوفمبر تشرين الثاني 2011 وقلت فيها "نحن على مفترق طرق. أحد هذه الطرق يؤدي بنا إلى الحرية والكرامة، وآخر يؤدي بنا إلى الهاوية والانجراف نحو حرب أهلية لم يكف النظام عن محاولة إشعالها ليجهض ثورتنا المباركة منذ أشهر. واجبنا في هذه اللحظات الحساسة أن لا ننجرف وراء مشاعر سلبية بغيضة  لن تجلب لنا إلا الهزيمة والدمار  .

من الواضح أننا مع العديد من الدول العربية التي شهدت انتفاضات شعبية من أجل تغيير شروط الحياة السياسية ومن ورائها الحياة الاجتماعية، قد سرنا نحو الهاوية. ولا نزال بعيدين عن أن نصل إلى نهايتها. وتعني الهاوية الحرب بكل أنواعها، الأهلية والسياسية والاستعمارية وبكل أبعادها الفكرية والدينية والديمغرافية والاقتصادية والعسكرية.  والسبب في ذلك أنَّ ائتلافاً غير مسبوق بين قوى داخلية مستكلبة السلطة وفاسدة وقوى أجنبية،  إما طامعة في تحقيق مكاسب استراتيجية سريعة على حساب دمار مجتمعاتنا أو راغبة في تحييد شعبنا في المعادلة الإقليمية وتحطيم دولنا ومستقبل أجيالنا وحرماننا من  إمكانية التقدم والازدهار،قد تأسس  في مواجهة الشعوب العربية الممزقة والمشتتة والمعزولة عن بعضها كما لو كانت في زنازين كبرى انفرادية.
 

كتابك بيان من أجل الديمقراطية، كتبته عام ١٩٧٨ واعتبر في حينها ثورة، وقد أعيدت طباعته خمس مرات وفي كل مرة كتبت مقدمة جديدة للطبعة، اليوم، إذا أردت كتابة مقدمة طبعة سادسة ماذا ستقول فيها؟

لم يكن الخيار الديمقراطي في نظري خياراً أخلاقياً يتعلق بتعميم روح الحرية والسيادة والاستقلال الفكري عند الفرد العربي فحسب، وإنما كان الخيار السياسي الوحيد لقطع الطريق على الانهيار الشامل، ونزع فتيل الحرب، بل الحروب الكامنة في أوضاع المشرق العربي المكلوم والمهدد بانفجار أكثر من لغم.وهي الألغام التي وضعتها النخب الحاكمة منذ نصف

 "الديكتاتورية هي نفسها فقدت مقوماتها وشرعيتها وأصبحت أقرب إلى نظم الاحتلال والاغتصاب، ولم تعد ترد على أي حاجة من حاجات البناء المجتمعي."

قرن بموازاة إخفاق تجربة التحرر الوطني، بما تعنيه من تحرر من التبعية وتكوين لدولة القانون، وإطلاق لدينامية تنمية اقتصادية واجتماعية فعلية، في سبيل تقويض أي مقاومة أو حركة احتجاج أو ضغوط اجتماعية من أي نوع على الحاكمين لإجبارهم على احترام حقوق عموم الشعب ومنعهم من اختطاف الدولة وتحويلها إلى أداة لبسط سيطرتهم المطلقة وتحويل البلاد إلى مزارع عبودية حقيقية تعيث فيها جميع الطفيليات الاجتماعية أعظم فساد.

بمعنى آخر لم يكن  المطروح على مجتمعاتنا منذ بداية الثمانينيات الاختيار بين الديمقراطية والديكتاتورية كنظم حكم، فالديكتاتورية هي نفسها فقدت مقوماتها وشرعيتها وأصبحت أقرب إلى نظم الاحتلال والاغتصاب، ولم تعد ترد على أي حاجة من حاجات البناء المجتمعي. لقد كان الخيار بين فوضى تزداد تفاقماً وتجر وراءها فساد الدولة وتجويف القانون، ومبادرة لفتح حوار بناء بين الأطراف الاجتماعية لإعادة بناء النظام الاجتماعي، أي نظام. أي في العمق، الاختيار بين هدفين متناقضين تماما :  تفكيك قنبلة الثورة القادمة وإعادة ترميم النظام الاجتماعي بفتح الحقل السياسي وقبول  الحوار واللجوء إلى التفاوض البناء، والتسويات اللازمة والضرورية لحفظ التوازن والاستمرار في أدنى شكل للحياة السياسية والقانونية، من جهة أو الاستمرار في شحن المجتمعات وتوتيرها والنفخ في نار الأحقاد والتناقضات والاختلافات داخل أوساط المجتمعات ووضعها أمام تحدي الموت أو الانتحار.

إن رفض الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه والمراهنة على الإخضاع الدموي للمجتمعات ونكران وجودها السياسي والاستثمار في التنكيل بها حتى الرمق الأخير  ماكان يعني سوى الرهان على الحرب والذهاب مباشرة نحو الدمار والخراب.وهو الحل الذي لا يرحم أحدا اليوم ولن يستفيد منه أحد. الأنانية المطلقة التي تعكس الروح البدائية التي تحرك الحاكمين، وتحرمهم من الأخذ بأي شكل من أشكال السياسة،التي هي قوام  أي حكم، ومن دونها لا تقوم دولة ولا تتقدم أمة،  ما كان يمكن إلا أن تحول الحاكمين إلى أكثر من أعداء لشعوبهم، وتقودهم إلى الهلاك مع من أرادوا لهم  الهلاك، أي إلى الانتحار الجماعي.

فلم يعد التحدي الأكبر  اليوم، كما كان في بداية الثورة  تفكيك أزمة المجتمعات وإعادة إصلاح النظام السياسي وقواعد ممارسة الحكم والسلطة، وإنما إعادة بناء المجتمع نفسه الذي دمرته الحرب العلنية الوحشية والناعمة ومزقته أشلاء : أي بناء الشعب والدولة والاقتصاد وكل شيء، ووقف السقوط أكثر في الهاوية.
 

في كتابك المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات تقول: "ليست التعددية الدينية هي السبب في إضعاف الدولة القومية أو الوطنية، وإنما غياب الطابع الوطني والقومي الحقيقي لهذه الدولة".في سوريا على سبيل التحديد كانت المشكلة الأبرز وما زالت هي مسألة الهوية. اليوم وبعد حرب إبادة تعرض لها السوريون على يد الإيرانيين والروس تحت شعارات دينية واضحة ومعلنة (إيران الرسمية أعلنت الجهاد في سوريا وروسيا البوتينية أعلنتها حربا مقدسة). كيف نستطيع أن ننجو من فخ الانسياق إلى حرب طائفية في سوريا، وما السبيل إلى التفكير في إيجاد أرضية لهوية سورية جامعة بعد تلاشي مفهوم الوطن والمواطنة بشكل كامل؟​

لا يوجد في سورية أي حرب طائفية بالرغم من الاستخدام الواسع للطائفية في تعبئة القوى والجماعات على مختلف الجبهات. الخلاف الأول كان على قواعد ممارسة السلطة وأسلوبها، والتي انطوت بالتأكيد خلال العقود الماضية على تمييز طائفي واجتماعي وديني وقومي لصالح طبقة صغيرة فاسدة ومستبيحة لحقوق الجميع. لكن الصراع سياسي بالدرجة الأولى.

وقد ركبت على هذا الصراع السياسي لتغيير قواعد السلطة، وتحرير الشعب من حكم الأسد المؤبد، أطماع ونزاعات إقليمية ودولية كان الدافع لها بحث النظام نفسه عن حلفاء خارجيين وفتحه الأبواب أمام التدخلات العسكرية الواسعة، والتي اتخذ بعضها شكل تدخلات طائفية علنية ومقصودة لاستثارة رد فعلي طائفي مقابل، والتغطية على الحرب السياسية ضد الديكتاتورية المنحطة إلى حكم استباحة كاملة بحرب طائفية مفروضة، تساوي بين الأطراف والضحايا، وتحرم الشعوب من شرعية نضالها ضد الاستبداد والتعسف والإفقار. وهذا هو الهدف أيضا من دعم التنظميات المتطرفة اإاسلاموية ومدها بالمال والسلاح.

أما في ما يتعلق بإعادة بناء الوطنية السورية فالأمر يتعلق بما إذا كان هناك حل سياسي للكارثة التي نتجت عن العدوان المتعدد الأطراف ضد الشعب أم لا. من المؤكد أنه اذا استمرت الحرب وأصر النظام وحلفاؤه في موسكو وطهران على الحسم العسكري فلن يكون هناك أي أمل في استعادة سلطة الدولة ووحدة الشعب والبلاد. وربما كان هذا ما تسعى إليه طهران وبشكل متزايد الأطراف الدولية التي انتزعت مناطق للنفوذ خاصة بها وتريد الحفاظ عليها من خلال تغذية انقسام السوريين السياسي والطائفي والقومي.

"في حال نجحنا في قطع الطريق على الحل العسكري الذي يعني سحق الثورة ونشطائها من فصائل مسحلة وناشطين سياسيين ومدنيين فستكون تلك نقطة البداية لإعادة بناء العقد الوطني السوري وإرساء أسس دولة جديدة "

لكن في حال نجحنا في قطع الطريق على الحل العسكري الذي يعني سحق الثورة ونشطائها من فصائل مسحلة وناشطين سياسيين ومدنيين فستكون تلك نقطة البداية لإعادة بناء العقد الوطني السوري وإرساء أسس دولة جديدة على قاعدة حقوق المواطنة المتساوية ووضع حد لكل أشكال التمييز. فمن دون السلام القائم على مباديء وأسس واضحة، ومن ضمنها تحقيق العدالة، بما تعنيه من محاسبة المسؤولين وجبر الضرر والاعتراف بالأخطاء من الجميع والمصالحة العامة، لن يكون هناك حل لأزمة الهوية ولا إعادة بناء الدولة ولا استقرار المجتمع ولا إعادة إعمار اقتصادي أو سياسي ولا سيادة.
 

لم يكن لأحد أن يتصور إلى أين ستصل مآلات الثورات وتداعيات الربيع العربي على عموم المنطقة. برأيك ماهو مستقبل الديمقراطية في دول الثورات، وهل مازالت الشعوب قادرة على صناعة التغيير

الديمقراطية ليست هدفا للمجتمعات إلا لأنها وسيلة لتحقيق السلام والأمن فيها وإيجاد آلية لخفض التوترات وحل النزاعات بالطرق السلمية. هي إطار للتفاوض وآلية لتسوية النزاعات الداخلية من دون عنف. ولم تهدف الحرب الدموية التي شنتها الطبقة الحاكمة عليها في السنوات الماضية إلا لحرمانها من هذه الآلية وتعميم منطق حسم النزاعات بالعنف والقمع، وإجبار الشعوب على القبول بقاعدة الإذعان والخضوع أو الخنوع من دون سؤال.

لا شك أن الشعوب خرجت من المواجهة محطمة سياسيا واجتماعيا. وربما لن تستطيع ان توجه مقاومة كبيرة في المرحلة الأولى لنظام القهر السياسي الذي يتحول بسرعة بعد قمعه الاحتجاجات إلى نظام إرهاب. لكن الأحوال لن تتحسن أبدا بالنسبة للحاكمين. وسيحتاجون، بعد فترة قصيرة من الهدوء النسبي، بسبب الكارثة التي تكبدتها الشعوب،إلى مضاعفة الاستثمار في أجهزة القمع والعدوان. وبعد موجات احتجاجات متتالية لا مهرب منها مع تدهور أوضاع السكان والعجز عن الإقلاع الاقتصادي وغياب الحلول المتفاوض عليها، ستصبح كلفة إعادة إنتاج هذه الأنظمة، الإنسانية والمادية معا، غير قابلة للاحتمال. إما أن تسقط تحت أقدام شعب من الجوعى والحفاة والمشردين فاقدي أي أمل أو شعور إنساني، أو تستمر الحرب ويتحصن الطغاة بتسليم أمرهم، كما حصل مع طغمة الأسد، إلى الدول الأجنبية ووضع أنفسهم تحت الحماية الخارجية لتمديد زمن بقائهم، لكن النتيجة ستكون توقيع صك نهاية الدولة ذاتها والالتحاق بغيرها على شكل مستعمرة أو مناطق نفوذ سائبة.

إن نظام الحكم الذي فشل في انتزاع الشرعية والقبول الشعبي عندما كان في أوج قوته لن يستطيع أن يكسبها بعد أن تحول إلى ركام لا يمسكه عن الانهيار سوى ائتلاف من المحتلين.

باختصار الديمقراطية ليست منة ولا هدية تقدم للشعب من قبل حكامه، إنها في عصرنا شرط وجود الدولة والمجتمع واستمرارهما. وإذا استمرت الطبقة الحاكمة في إنكارها أو إنكار الحاجة إليها فلن يكون مصيرها سوى مصير العصابات المارقة ونهايتها.
 

الحرب في سوريا صارت أشبه بحرب عالمية مصغرة...مؤخراً شهدنا أول استهداف أميركي مباشر  للقوات الروسية في ريف دير الزور. ماهي فرضية تصاعد المواجهة العسكرية بين الطرفين؟

لا نستطيع أن نقول إن هناك علاقة تفاهم بين الروس والأمريكيين في سورية على مستقبل البلاد ولا تعريف واضح لما يعتقدون أنه المصالح القومية لهؤلاء وأؤلئك وذاك. وهناك غموض مقصود وتعمية على استراتيجية كل منهما. المواجهة حقيقية تعيد ذكرى الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي. لكن ليس هناك ولن يكون هناك صدام بين الطرفين، وإنما اختلاف على توزيع المصالح على الأرض السورية وتقاسم أشلاء الضحية. ما لم يحدث خطأ غير متوقع كبير من طرف أو آخر تكاد تكون حدود اقتسام مناطق النفوذ والمصالح قد رسمت. واشنطن انتزعت منطقة سيطرة خاصة ومطلقة لها في الشرق السوري ذات أهمية استراتيجية من الدرجة الأولى تطل على جميع الجبهات الحامية في العراق والجزيرة وايران وتركيا وغيرها، وروسيا تقتسم مع إيران المنطقة الغربية والمدن الرئيسة. الخاسر الوحيد حتى الآن هي سورية والسوريين الذين لم يعد لهم أي منطقة نفوذ أو سيطرة ذاتية بعد أن وضعوا بجميع طوائفهم وقومياتهم تحت الوصاية الخارجية وأصبحت أكثر تشكيلاتهم العسكرية تعمل مرتزقة عند الدول الأجنبية.
 

تركيا كانت حليفاً قوياً للمعارضة بداية الثورة،واليوم اختلفت الأولويات التركية وباتت مسألة تحجيم دور حزب العمال الكردستاني مُقدَّمَةً على أي شأن آخر. ماهي توقعاتك لعملية غصن الزيتون في عفرين وماهي حدود التدخل التركي العسكري في سوريا ؟

 "نحن في حقل رمال متحركة، وبشكل أوضح بالنسبة لتركيا التي لا تملك هامش مبادرة كبير وتسعى إلى انتزاعه بالقوة والتحايل على القوتين الرئيسيتين، الروسية والأمريكية."

بالمقارنة مع وضع موسكو وواشنطن وإسرائيل إلى حد كبير في سورية لا أحد يستطيع أن يقول أو يتوقع حجم المصالح التي سوف تستطيع كل من القوى الإقليمية، إيران وتركيا أساسا، أن تطمح إلى تحقيقها أو الحفاظ عليها. هنا نحن في حقل رمال متحركة، وبشكل أوضح بالنسبة لتركيا التي لا تملك هامش مبادرة كبير وتسعى إلى انتزاعه بالقوة والتحايل على القوتين الرئيسيتين، الروسية والأمريكية. وهذا يعني أن حدود مصالح الإيرانيين والأتراك لم ترسم بعد وهي موضوع مساومات وشد وجذب ونزاع دائم، يعتمد على حجم المخاطر التي تستعد لقبولها الدولتان في سورية وقوة التحالفات العميقة التي تنجح في ترسيخها مع موسكو وواشنطن. هذا يعني أن مواقع إيران وتركيا الراهنة في سورية ليست نهائية ولا تزال عرضة للتغير، توسعا او تراجعا. ما نجح في تحقيقه الأتراك هو فرض وجود عسكري لهم في سورية، بصرف النظر عن الذرائع، وهو الوجود الذي يسمح لهم بالاحتفاظ بدور لهم في الصراع على تحديد مستقبل سورية ومستقبل الجماعات القومية والدينية التي تعيش على أرضها، في الوقت الذي كانت فيه إيران تحتل مواقع حيوية وواسعة في كل الميادين العسكرية والسياسية والإدارية، وتكاد تشكل البطانة الحقيقية المباشرة لنظام الاسد ودولته إن لم تشكلها بالفعل.
 

النظام يعيش حالة الوهم، وهم الانتصار على المعارضة ووأد الثورة،وروسيا تعيش وهم الانتصار العسكري وتحاول تجييره سياسياً لكنها فشلت حتى الآن، وماحدث في سوتشي أكبر دليل. إيران أيضا تتوهم أنها تملك القرار الرئيسي لماتبقى للنظام . برأيك متى سيبدأ تضارب المصالح بين روسيا وإيران ليتطور لاحقاً إلى مايشبه الصراع بينهما؟.

تضارب المصالح قائم منذ الآن. طهران تعتبر أن سورية هي الفريسة التي انتزعتها بقوتها الخاصة، وهي التي تسيطر سيطرة عميقة عليها، وتتحكم بأجهزتها، وتقدم لها القوة العسكرية الرئيسية التي تحافظ على نظامها الذي تضمن بقاءه وحده مصالح الروس أيضا. وروسيا تنظر إلى نفسها كقوة عظمى لا يمكن أن تقارن إيران نفسها بها، وهي بالتالي التي تتحكم باللعبة أو المواجهة الدولية وتتحمل أعباءها السياسية ومخاطرها الاستراتيجية، بالإضافة إلى الدور الحاسم الذي لعبه طيرانها في حسم المعركة العسكرية لصالح طهران والنظام.

لكن تضارب المصالح لا يستدعي بالضرورة الصدام الشامل أو تحويل محور النزاع إلى نزاع داخلي بين الحليفين. هناك دائما شد وجذب يحاول فيه أي طرف أن يفرض رأيه في قضية أو أخرى، ويمكن أن يفرضه في ملف ويتراجع في ملف آخر، ولكن المصالح المشتركة كبيرة، وهي أكبر حتى من التعاون على السيطرة على سورية، وتشمل تفاهمات حول القوقاز وآسيا الوسطى وبحر قزوين، إلى جانب التعاون النووي، وهي تدفع إلى التفاهم الاستراتيجي بين الطرفين. إيران الخامنئية مع ميليشياتها وسياساتها التوسعية المغامرة ورقة مهمة في يد الروس للضغط على المعسكر الغربي وحلفائه في العالم بما في ذلك في المشرق العربي ولن تتخلى عنها. وروسيا ورقة مهمة أيضا لإيران بما تؤمنه لها من مظلة جيواستراتيجية تجنبها العزلة الدولية وتقدم لها شبكة حماية دبلوماسية وعسكرية عظيمة القيمة في مغامراتها العسكرية الخارجية، كما هو الحال في سورية اليوم.
 

وضع المعارضة اليوم ضعيف وهش،فهي لا تملك قرارها العسكري بشكل كامل، ولا تستطيع إيجاد مخرج ما لانسداد الأفق أمام الحل السياسي بعد تخلي كل المجتمع الدولي عن مطلب رحيل الأسد.

ماهي خيارات المعارضة  وأدواتها المتبقية التي تستطيع من خلالها الحفاظ على  ثوابت الثورة ومطالب الشعب وحقه  في التغيير؟

في الوقت الراهن لا أرى سوى الصمود من أجل انتزاع تسوية تحظى بالحد الأدنى من التوازن وروح العدالة، ويقبل بها الشعب الذي ضحى بكل ما يملكه في مواجهة غير متوازنة وغير إنسانية تجمعت فيها وحوش الأرض، وجميع الدول التي كان الأسد قد استعداها ضده وابتزها ليرفع سعر خدماته لها، وكبدته خسائر لا يستطيع أحد بعد تقدير هولها.

 "الصمود مهمة قاسية وكبيرة يحتاج تحقيقها إلى معرفة أدق بموازين القوة العسكرية وتوزيع القوى والفصائل وتسليحها وقدرتها على المقاومة."

لكن الصمود مهمة قاسية وكبيرة يحتاج تحقيقها إلى معرفة أدق بموازين القوة العسكرية وتوزيع القوى والفصائل وتسليحها وقدرتها على المقاومة. وهذا ما ليس لدي، وربما لدى أحد في اعتقادي، إمكانية تقديره بدقة بسبب الغموض الذي تفرضه الفصائل وهي على حق في ذلك على أوضاعها الداخلية وتشتتها وانقساماتها وربما ضعف الكادر القيادي فيها.

يحتاج وضع استراتيجية فعالة للصمود واستمرار المقاومة، ورفع تكاليف الحرب على النظام وحلفائه إلى حد يصبح من الصعب احتماله، إلى وحدة فصائل المعارضة أولا، وإلى قيادة واحدة تملك القدرة على بناء استراتيجية طويلة المدى، ولديها السيطرة على المعلومات التي تمكنها من تقدير حدود المخاطر التي تستطيع أن تقوم بها ثانيا، ولديها السيطرة على الموارد والحق في توزيعها حسب حاجات المواجهة،ثالثا. وهذا ما نفتقر إليه بقسوة، ويشكل أعظم عامل في ضعف في مواجهتنا.

البديل عن ذلك أن يسعى كل فصيل أو مجموعة فصائل متقاربة في الجغرافية أو العقيدة إلى التنسيق في ما بينها في غرف عمليات ضعيفة وهشة، وبلورة خطط محدودة ومؤقتة أيضا خاصة بكل منها للدفاع عن موقعها الخاص أو عن جبهة أوسع تشكلها مع فصائل أخرى في منطقة محددة، كما حصل ويحصل في حلب والغوطة وإدلب وغيرها اليوم.  ومخاطر مثل هذا التنظيم الذي ساد صفوف الثورة منذ بداية انطلاق العمل المسلح أنها تقسم القوى وتثبت الجهد في مواقع ساكنة وتترك للخصم أن يجمع قوته كاملة ضدها، قبل أن ينطلق إلى الجبهات الأخرى التي تنتظر المعركة الفاصلة للنظام من دون أن يكون لديها أي خيارات بديلة.

غياب وحدة الفصائل، والافتقار إلى قيادة سياسية وعسكرية موحدة تدرس الموقف على المستوى الوطني، ولديها معرفة بحجم القوى من جميع الأطراف وتوزعها، وقادرة على رسم خطة واحدة للخروج من مواقع الدفاع الساكن التي تحاصر فيها الفصائل اليوم نفسها بنفسها، والانتقال نحو دفاع متحرك يستخدم القوى المتوفرة بعقلانية أكثر ومن أجل تحقيق أهداف سياسية تزيد من قوة موقف المعارضة وفرصها في فرض التسوية المطلوبة على الدول المحتلة، هو العطب الأساسي في جسم الثورة الراهن، والسبب الأول في خساراتها المتكررة. في الوضع الراهن لسياسة الفصائل واستراتيجياتها الساكنة، التي تقيد نفسها بمواقع جامدة لا تتغير وتترك للنظام حرية الحركة لتجميع قواه ومهاجمتها،يضعف كثيرا من قدرتها على الصمود ويوحي للخصم الروسي والايراني أن حسم المعركة العسكرية ليس مستحيلا من دون تسوية سياسية، ويشجعه بالعكس على الاعتقاد بأنه في متناول اليد، وأنها مسألة وقت فحسب.

وقد كان هذا من الأسباب التي جعلت الروس والإيرانيين يتراجعون عن وعودهم بالدخول في مفاوضات جدية من أجل الحل السلمي وأقنعهم بإمكانية تمرير خيار فرض الأمر الواقع على السوريين.

 

معروف عنك قربك من الشباب ومن نبض الشارع بشكل عام،كان هذا واضحًا من خلال أطروحاتك الكثيرة التي كنت فيها دائمًا تؤكد على وعي الشعوب المتقدم على نخبه التي وصفتها بالمُسْتلبة.

ماذا تقول لشباب سوريا اليوم بعد سبع سنوات على انطلاق ثورتهم.. ثورة الكرامة؟

أقول للسوريين جميعا اليوم :  خسرنا جولة أولى دامية وباهظة الكلفة، إنسانيا وعمرانيا، من دون أي شك، لكننا لم نخسر الحرب ولا ينبغي أن نخسرها، أعني الحرب على الاستبداد والفساد والاستهتار بحقوق الشعب ومن أجل الكرامة والحرية والاستقلال  ونيل الاحترام.  ولا ينبغي علينا أن نيأس من المستقبل،فقد انهارت أركان الاستبداد ولن تقوم له من جديد قائمة قصر. ولو كان لدى النظام ما يمكن أن يقدمه للسوريين غير الاستغلال والنهب والسلب والإهانة والاحتقار لما سلك طريق الحرب والتحالف مع القوى الاجنبية وتبنى خيار حرب الابادة الجماعية، ولو كان لدى المحتلين، على اختلاف أصولهم ودوافعهم، ما يقدمونه للشعب السوري، لما اصطفوا وراء قاتل لا يهمه مستقبل شعبه ولا مصير بلده. من نظام التمييز الطائفي والقتل والابادة والاحتلال لا يمكن أن ينتج سوى المزيد من النهب والقمع والنصب والتمييز العنصري والاحتيال. وهذا هو ما يعد به الروس والايرانيون وغيرهم الشعب السوري.  وهو أيضا السبب الذي سيزيد شعلة الثورة اتقادا بالرغم من الخسائر والتضحيات. فلا يمكن لنظام الحرب أن ينتج سلاما، ولا لنظام القهر أن ينتج كرامة واحتراما، ولا لنظام الاحتلال أن يبني دولة ويصون سيادة، ولا لنظام البطش أن يطلق حرية ولا لنظام الاستعباد أن يولد مواطنة وحقوقا، ولا لإرادة الشر أن تنتج خيرا من أي نوع كان.

مقالات مقترحة
وزير الصحة التركي: الحظر سيبقى في بعض الولايات بسبب كورونا
النظام يحصل على لقاح كورونا من "دولة صديقة"
بفيروس كورونا.. وفاة بهجت سليمان السفير السابق للنظام في الأردن