في شوارع وأسواق أزقة مدينتي اللاذقية وطرطوس، تتدلى حبال البضاعة التي تتنوع بين ثياب وأحذية لأعمار مختلفة، ومقتنيات منزلية ومواد غذائية، وتفوح رائحة الزعتر البلدي والمنتجات المحلية والفواكه والخضار الجبلية.
وبين ازدحام الشارع وازدحام المارة والسيارات والدراجات النارية والهوائية، تتعالى أصوات الباعة الجوالين والثابتين، منادين برخص وتنوع وجودة البضائع التي تئن تحت عيون المتفرجين والراغبين بالشراء من دون أن يمتلكوا السيولة.
مشهد يتكرر مع بداية كل يوم في أسواق الساحل السوري الشعبية، حالها حال الأسواق في معظم محافظات سوريا، التي ما زالت تنبض بالحياة رغم تبدل ملامحها وارتفاع كلفة المعيشة وضعف القدرات الشرائية.
لماذا يختلف الساحل عن غيره من مناطق سوريا؟
لا يخفى على أحد أن تركيبة الساحل السوري مختلفة كليا عن تركيبة باقي المناطق في سوريا، خاصة فيما يتعلق بالأحوال المادية والمعيشية. وكما يعلم الجميع، فالساحل كان مختطفا من قبل نظام الأسد البائد، وخاليا من أي مشروع حيوي واقتصادي، حتى فيما يخص الاستثمارات والأماكن السياحية على الشريط الساحلي بالقرب من الشاطئ البحري.
فإفقار الناس كان سياسة حكومية على مدار عقود، مع ترك بوابة التطوع في الجيش كأمل وحيد لتأمين راتب شهري يعين العائلات على عبء الحياة، ما جعل أبناء الساحل في حالة فقر شديد خلال السنوات الماضية عامة، وبعد سقوط النظام المخلوع بشكل خاص.
وفي ظل انقطاع رواتب العساكر السابقين وعدد كبير من الموظفين، وتردي الأوضاع الأمنية، بات المشهد أكثر قساوة فيما يخص الأوضاع المعيشية، وأصبحت الأسواق في الساحل تشهد فوضى كبيرة يتخللها غياب القدرة الشرائية وغلاء نوعيا في الأسعار.
بجولة بسيطة على المحلات والبسطات، يتضح أن الأسواق في الساحل ليست لبيع السلع كما هو مفروض، بل باتت مكانا للقاء والمساومة والذكريات وتضييع الوقت، وأصبح محطة للصمود في وجه الغلاء المستمر.
ومع أن تلك الأسواق تغيرت كثيرا، إلا أنها ما زالت تحمل شيئا من دفء الأمس وروح البساطة، لتغدو مكانا للاجتماع والتسلية والتفرج على البضائع المتنوعة، لإجراء حسابات معقدة بغية شراء ما اشتدت أهميته وضرورته لدى العائلات.
"أبو محمد"، بائع على بسطة كبيرة في وسط مدينة جبلة، يشير إلى أن البضائع تتنقل يوميا من بيته إلى الشارع ومن الشارع إلى بيته من دون أن يطرأ عليها تغير، مؤكدا لموقع تلفزيون سوريا، أن من يشاهد عدد المتجمهرين حول بسطته يعتقد أنه يبيع بمئات الآلاف في اليوم، في حين لا يتعدى عدد المشترين العشرات فقط، في حين ينصرف المئات بعد أن يلقوا نظرة على الأسعار والبضائع.
سوق شعبي بـ "الاسم" فقط
كانت الأسواق الشعبية في الساحل السوري وجهة للفقراء ومن ليست لديهم قدرة مادية، وشكلت عبر عقود ملاذا لكل من يبحث عن جودة مقبولة وسعر معقول.
المئات والآلاف كانون يقصدون سوق الجمعة في اللاذقية وجبلة، أو سوق الدوار في طرطوس، حيث كان متوسطو ومنخفضو الدخل يقصدون السوق لشراء حاجيات ضرورية بأسعار قليلة جدا.
تقول "أم يوسف"، وهي سيدة ستينية تقطن في ريف مدينة جبلة: "قبل عام 2011، كنا نعتبر الذهاب إلى السوق أشبه بنزهة، نشتري خلالها الخضار والفواكه والبهارات والأحذية والألبسة من البالة، ونجلس لنحتسي قهوة العربيات في الحديقة، أو على الكورنيش البحري، ونعود سعداء".
وتضيف لموقع تلفزيون سوريا: "اليوم بات السوق الشعبي بعيدا جدا عن تفكيرنا، حاله حال باقي الأسواق، حتى محلات الجملة باتت كغيرها من المحلات، أصبحنا نشتري أقل كميات ممكنة من كل شيء، حتى بعد زيادة الرواتب إلى نحو مليون ليرة شهريا، لا زلنا نحتاج راتبا كاملا ثمن خبز ومواصلات".
وتختم: "نتمنى من الحكومة أن تنظر إلى حال الطبقات الفقيرة في المجتمع، وأن تعمل على إعادة الدعم للمواد التموينية، وأن ترتفع الرواتب إلى مستوى يكفل حياة كريمة خاصة للمتقاعدين".
يشير "أبو لؤي"، بائع خضار في سوق القلعة في مدينة اللاذقية، إلى أن صعوبة التنقل بين الأرياف والمدن، وحتى ضمن المدينة الواحدة، أدى إلى عزوف كثيرين عن التوجه إلى الأسواق.
ويضيف: "كنا نبيع كيلو البندورة بـ300 ليرة، وأبيع نحو مئتي كيلو في اليوم، أما اليوم فأصبحت الناس تتردد قبل أن تدفع بالكيلو 3000 أو 5000.. صدقوني الناس أصبحت تشتري بالحبة!"
ويوضح: "عندما تنخفض كمية البيع، يصبح لدينا خسائر كبيرة في الخضار التالفة، ما يدفعنا لرفع الأسعار لتعويض الخسائر، ولو أن الناس تقبل على الشراء كما السابق، لتراجعت الأسعار إلى النصف تقريبا".
مرونة السوق.. مقصد سياحي وسلع للمقايضة
رغم استمرار هذه التحديات، إلا أن الأسواق لم تختفِ، بل تحولت من حيث الشكل، ففي بعض أحياء جبلة مثلا، تنتشر ظاهرة البيع من السيارات أو على الأرصفة، فيعرض المزارعون منتجاتهم الطازجة بأسعار معقولة ومن دون تكاليف إضافية.
ومن جهة أخرى، ومع إقبال الناس الشديد على بيع ممتلكاتهم من أدوات منزلية وثياب وغيرها، ارتفعت شعبية المنتجات المستعملة، في أسواق مثل سوق الجمعة في بانياس وجبلة، أو سوق المستعمل في طرطوس، فأصبح من الطبيعي أن تجد أحيانا حذاء مستعملا إلى جانب كتاب قديم، أو لعبة بلاستيكية مكسورة قليلا تجذب من يبحث عن صفقة مقبولة.
مفهوم المقايضة عاد أيضا، فمن المألوف أن تجد أحدا ما يعرض بضائع مستعملة أو جديدة مقابل الحصول على مواد غذائية، أو خدمة معينة.
"ريم"، طالبة جامعية من محافظة طرطوس، تقول إنها تحب أن تتمشى في السوق، وتستنشق رائحة التوابل وسط ضجيج أصوات الناس، مؤكدة أن الفوضى تشعرها بأن الحياة مستمرة من حولها.
وتتابع: "بات السوق بالنسبة لي منتزها مليئا بالناس، تعارفات جديدة وأحاديث شيقة وممتعة، تبادل بالخدمات والمساعدة، أصبح السوق مكانا للتكافل الاجتماعي، ومرآة تعكس الحياة اليومية بخيرها وشرها، وحزنها وفرحها".
الأسواق الشعبية باقية.. لكن ما مستقبلها؟
تبقى الأسواق الشعبية، في ظل هذه الظروف الاقتصادية المتقلبة وغير المستقرة، واحدة من آخر المساحات، إن لم تكن الأخيرة، التي تعكس نبض المجتمع.
فالأسواق ليست فقط أماكن للشراء والبيع والتبضع، بل مساحات اجتماعية شاهدة على قدرة الناس وإجبارهم لأنفسهم على التكيف مع الواقع المرير، والتشبث بالحياة مهما كانت الظروف صعبة.
لكن السؤال الأبرز هنا: "إلى متى تستطيع تلك الأسواق الصغيرة أن تحافظ على دورها الاقتصادي والاجتماعي والخدمي؟ وهل ستبقى مساحة تنفس للفقراء، أم أنها ستخضع تدريجيا للواقع، وتزول نتيجة لقوانين التجارة والربح"؟
مهما تقدم الزمن، سيبقى السوق الشعبي موجودا، وسيستمر شاهدا على صورة البائع الذي يصر على ابتسامته رغم قلة البيع والركود، وعلى صورة الزبون الذي يفاوض البائع، كأبرز ملامح المشهد في الساحل السوري اليوم.
لكن الأسواق الشعبية، التي كانت ملاذ الفقراء، لن تستمر كمكان فيه أقل الأسعار، بل ستحمل في قادم الأيام عبء المفارقة العجيبة، التي عنوانها الغلاء الواضح، في مكان يفترض به أن يكون بديلا عن الأسواق الرسمية والمتاجر الكبرى.