أثارت التسويات المالية الأخيرة مع شخصيات اقتصادية مرتبطة بالنظام المخلوع ردود فعل غاضبة في صفوف السوريين المتضررين، حيث اعتبر كثيرون أن هذه الخطوات تعمّق شعور الظلم وتعيد إنتاج سلطة الفساد والقمع السابقة. ويرى المحتجون أن أي تسوية تجري من دون مساءلة حقيقية للمتورطين تقوض فرص تحقيق العدالة للضحايا وتزيد من فقدان الثقة وتأتي بمثابة "غسل للفساد".
وفد المحتجين ينتقد تسويات اللجنة ويؤكد متابعة التحرك
أوضحت شام العبار لموقع تلفزيون سوريا، وهي ناشطة وإحدى منظمات الوقفة الاحتجاجية، أنها توجّهت برفقة عدد من الناشطين من مدينة داريا، بصفتهم ممثلين عن أهالي المدن المتضررة من أعمال محمد حمشو، للقاء رئيس لجنة الكسب غير المشروع بهدف الاستفسار عن آلية التسوية المعلنة.
وبيّنت العبار أنهم لم يلتقوا برئيس اللجنة، بل استقبلهم أحد مستشاريها، الذي تجاهل طلبهم بتحديد موعد رسمي، وركّز في حديثه حصريا على مسألة استرداد الأموال، متعاملًا معها وكأنها أموال خاصة تعود لحمشو، لا أموال عامة منهوبة.
وأضافت أن الحديث خلا من أي تعاطف مع معاناة الضحايا، وطرح تصورا لما سُمّي بـ“النهضة” قائما، بحسب وصفها، على أموال ارتبطت في وعي المتضررين بسنوات من العنف والألم والمعاناة.
وأشارت العبار إلى أن اللقاء كشف أن مسار "التسويات" جارٍ بالفعل مع شخصيات بارزة من رموز الفساد في النظام المخلوع، مثل وسيم قطان وسامر فوز، لافتةً إلى أن وجود خالد زبيدي، المعروف بقربه من رامي مخلوف، في أثناء وجودهم في مقر اللجنة، عزّز مخاوفهم من غياب الشفافية في هذا المسار.
وأكدت أنهم لم يحصلوا على أي إجابات واضحة عن تساؤلاتهم، بل وجدوا أنفسهم أمام عملية غامضة قد تؤدي، برأيها، إلى إعادة إدماج شخصيات متهمة بالفساد بدلًا من تحقيق عدالة حقيقية.
ووالجدير بالذكر أن سامر فوز أدرج في قائمة العقوبات الأميركية ضمن بند أشخاص تصرفوا نيابة عن مسؤولين سابقين في نظام الأسد بموجب المادة 1(أ) (1) (ب) من الأمر التنفيذي 13894 بصيغته المعدّلة الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية في تموز الماضي، لتصرفه نيابة عن مسؤول سابق في النظام المخلوع.
إجراءات معقدة للوقفة
وفي الحديث عن الوقفة الاحتجاجية، أوضحت شام العبار الصعوبات التي واجهتها للحصول على الموافقة الرسمية للوقفة الاحتجاجية، مشيرة إلى أنها برفقة صديقتها مجد شربجي توجهتا إلى عدة جهات، حيث واجهت طلبات معقدة في البداية، قبل أن يُسجل الطلب في ديوان وزارة الداخلية بعد جهد كبير ومتابعة مستمرة.
وأضافت أنهن زُرن مكتب الوزير، لكنه لم يكن موجودًا، فاجتمعن باللواء المعروف باسم أبو عبد السلام لما يقارب الساعة، موضحة أنه لم يكن متقبلًا للوقفة، مطالبًا بـ”تقبل عقلية الدولة” وأن يكنّ معها، مع بقاء كتاب الطلب بحوزته.
كما ذكرت العبار أنه طلب منهن التوجه إلى المحافظة للحصول على موافقة إضافية، مؤكدة أن الوقفة لم تنل حتى الآن الموافقة الرسمية الكاملة من الجهات المعنية.
" تزوير للواقع"
في ظل الجدل المتصاعد حول التسويات الاقتصادية مع شخصيات مرتبطة بالنظام المخلوع، تتواصل مواقف منظمي الوقفة الرافضة لأي مسار يتجاوز العدالة، ويؤكد المحتجون أن ما يجري لا يمكن فصله عن جوهر الثورة السورية ومطالب الضحايا.
وفي هذا السياق، يرى فادي زيدان، أحد منظمي الوقفة، أن مفهوم العدالة يتناقض مبدئيًا مع مفهوم التسوية، متسائلًا عمّا إذا كان الاستقرار ممكنًا من دون عدالة، محذرًا من أن أي تسوية تتجاهلها لا تؤسس إلا لظلم مؤجّل.
واعتبر أن عمل لجنة الكسب غير المشروع يفتقر للشفافية، سواء على مستوى وضوح القوانين والإجراءات أو إتاحة المعلومات العامة، إضافة إلى غياب جهة رقابية واضحة تُحاسب اللجنة على أدائها.
وأوضح زيدان أن التحركات لن تقتصر على الوقفة أو على شخص محمد حمشو، معتبرا أن ما يجري يشكّل بداية لمحاولة تعويم رموز اقتصادية أخرى من النظام المخلوع، مؤكدًا أن التحرك مستمر كامتداد لأهداف الثورة التي كان الفساد أحد أسبابها الأساسية.
زيدان أوضح أن الحراك يقوم أساسًا على دعم الأهالي في المناطق المتضررة، وأن أي خطوات قادمة ستكون منسقة معهم، ولا سيما في مناطق مثل جوبر وداريا.
وأشار إلى أن الإشكالية لا تتعلق بالدور التقني للجنة، بل بفصل عملها عن مسارات ضرورية كمسار العدالة الانتقالية والمحاكمات القضائية، مشددًا على أن المنطق يقتضي محاسبة المتورطين أولًا، ثم النظر في تسوية أوضاع من يقرر القضاء ذلك، لا العكس.
وأكد زيدان أن الحديث عن مصالحات مع رجال أعمال ارتبطوا بنظام بشار الأسد ليس شأنًا اقتصاديًا أو إداريًا، بل قضية أخلاقية وسياسية وعدلية تمس جوهر ما جرى في سوريا، معتبرًا أن توصيف هؤلاء كـ“مقاولين” أو “فاعلين اقتصاديين” هو تزوير للواقع، لأنهم كانوا جزءا أساسيا من منظومة القمع واستفادوا من الحرب ومولوا آلة القتل، على حد قوله.
وختم بالقول إن أي مصالحة مع شخصيات مثل محمد حمشو وسامر فوز ويسار إبراهيم لا تمثل تسوية ولا خطوة نحو الاستقرار، بل "إعادة إنتاج للجريمة" بثوب مختلف، مؤكدًا أن سوريا لا تحتاج إلى مقاولي حرب، بل إلى عدالة قبل الإعمار، ومحاسبة قبل المصالحة، واعتراف صريح بأن من موّل القتل شريك فيه مهما حاول الاحتماء بصفة “رجل أعمال”.
موقع تلفزيون سوريا يطلب توضيحات
أعلنت اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، في 7 من كانون الثاني، انتهاء إجراءات تسوية مع رجل الأعمال السوري محمد حمشو، المرتبط بالنظام المخلوع ، وذلك ضمن برنامج الإفصاح الطوعي الذي أطلقته اللجنة مؤخرًا.
وأوضحت اللجنة، في بيان نشرته على موقعها الرسمي، أن التسوية جاءت عقب تحقيقات موسّعة شملت فحصا شاملاً للأصول والإقرارات المالية التي قدّمها حمشو، في إطار برنامج يهدف إلى تعزيز شفافية الأصول والممتلكات وتحقيق ما وصفته بـ“العدالة الاقتصادية”، لا سيما بحق رجال أعمال يُشتبه في استفادتهم من قربهم من النظام المخلوع.
وفي هذا السياق، تواصل موقع تلفزيون سوريا مع لجنة الكسب غير المشروع للاستفسار عن الأساس القانوني الذي تستند إليه في إبرام تسويات مالية مع شخصيات متهمة بالاستفادة من اقتصاد الحرب أو بارتباطها بانتهاكات جسيمة، إضافة إلى الآليات المعتمدة لضمان حقوق الضحايا والمتضررين في ظل غياب الشفافية حول تفاصيل هذه التسويات وقيمتها وطرق التحقق من الثروات.
كما سأل الموقع عمّا إذا كانت اللجنة تعتبر أن هذه التسويات يمكن أن تُبرم بمعزل عن مسار العدالة الانتقالية والمساءلة الجنائية، وحدود مسؤوليتها في هذا الإطار، إلا أن اللجنة اكتفت بالرد بعدم وجود أي توضيحات أو إجابات يمكن تقديمها في الوقت الحالي.
ويذكر أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أصدرت بيانا في 8 من الشهر الجاري قالت فيه إنه "لا وجود لأي عفو ضمن مسار العدالة الانتقالية عن مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أو عن كل من شارك أو نفّذ أو موّل أو حرّض على ارتكابها"، وأضافت أن "أي إجراءات أو تسويات ذات طابع إداري أو اقتصادي يتم تداولها حاليًا هي غير مرتبطة بمسار العدالة الانتقالية، ولا تُشكّل بأي حال من الأحوال بديلاً عن المساءلة القضائية، كما أنها لا تمنح حصانة قانونية دائمة أو إعفاءً من المسؤولية" في إشارة إلى التسوية مع حمشو.
"حمشو" وقوائم العقوبات الأميركية
وضع حمشو على قوائم العقوبات الأميركية والأوروبية منذ عام 2011، وهو ما أثر في نشاطاته التجارية وأجبره على توجيه أعماله نحو قطاعات أقل تعرضا للعقوبات، مثل تجارة الحديد والخردة المعدنية.
وشملت العقوبات شخصه وشركاته، وأدرجت لاحقا زوجته وأولاده بموجب قانون قيصر في يونيو/حزيران 2020، مع تقييد أعمال "مجموعة حمشو الدولية" في القطاعات الاقتصادية المختلفة.
استهدفت العقوبات الدولية حمشو حتى عام 2025، عندما أصدرت وزارة الخزانة الأميركية في حزيران أمرا تنفيذيا أنهى برنامج العقوبات الشاملة المفروضة على سوريا، وأزالت إدارة مراقبة الأصول الأجنبية 518 شخصا وكيانا من قائمة الأشخاص والكيانات الخاصة المعاقبة، في حين استمر تطبيق العقوبات على الرئيس المخلوع الأسد وعدد من المسؤولين الآخرين.
وبحسب القرار أزال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية 518 فرداً وكياناً من "قائمة المواطنين المحددين بصورة خاصة والأشخاص المحظورين" (SDN List)، ممن كانوا مشمولين بالعقوبات بموجب برنامج العقوبات على سوريا، وذلك في خطوة تهدف إلى رفع القيود عن الأفراد والجهات الأساسية لعملية إعادة الإعمار، وتيسير عمل الحكومة الجديدة، وترميم النسيج الاجتماعي للبلاد.
وفي المقابل، صنّف المكتب 139 فرداً وكياناً مرتبطين بالنظام السابق بموجب الأمر التنفيذي 13894 (بصيغته المعدّلة)، إلى جانب جهات أخرى ضمن سلطات مرتبطة بإيران ومكافحة الإرهاب، وذلك لضمان الاستمرار في محاسبة النظام السابق على الانتهاكات المرتكبة.
وتبرز ضمن الشركات المشمولة بالعقوبات مجموعة حمشو الدولية (Hamsho International Group)، التي أردجتها وزارة الخزانة الأميركية ضمن العقوبات بموجب الأمر التنفيذي 13894 المعدّل في تموز الماضي.
