icon
التغطية الحية

غسان كنفاني في ذكرى اغتياله: التلازم بين الفن وقضية الإنسان

2022.07.08 | 13:34 دمشق

كنفاني
+A
حجم الخط
-A

شكّل اغتيال غسان كنفاني في الثامن من تموز قبل خمسين عاماً؛ صدمة كبيرة للثقافة الإنسانية عموماً، والعربية الفلسطينية خصوصاً، لخسارة مناضل استثنائي حجز مكانة مرموقة وراسخة في الأدبين العربيّ والعالميّ. وقد مثّل غسّان أيضاً أنموذجاً عربيّاً فريداً لشخصيّة "المثقّف العضوي" المشتبك بمجتمعه والمؤثّر والمتأثّر به إلى الحدّ الكامل. 

ويكفي أن نقرأ تعليق "غولدا مائير" رئيسة وزراء الكيان الصهيوني آنذاك على عمليّة اغتيال غسان كنفاني لندرك الأثر الكبير والخطير الذي شكّله فكره على الكيان الغاصب: "تخلّصنا اليوم من لواء فكري مسلّح، كان يشكّل خطراً على إسرائيل أكثر ممّا يشكّله ألف فدائي مسلّح".

 اللافت في أعمال غسان وكتاباته ذلك التلازم الواضح والجليّ بين الفنّ وقضيّة الإنسان؛ فغسّان لم يكن يكتب عن فلسطين كموضوع في الحقيقة، بل كان يكتشف فلسطين من خلال أحداث حياته اليوميّة، لم يكتب من أجل تمجيد التجربة الفلسطينيّة، وإنّما للكشف عن تناقضات تلك التجربة الصعبة، وقد امتلك قدرةً فريدة من نوعها على تأدية تلك المهمّة الثورية؛ لأنّه عاش فعلاً ذلك التناقض والصراع بشكلٍ يوميّ وكتب عنه بشجاعة وصدق وتصميم، معتمداً في كتابته تلك الأسلوب المتوهّج الذي يمنحك الصدق والصدمة، أمّا أعماله الروائيّة والقصصية فقد حملت إضافات نوعيّة لصورة الفلسطينيّ الجديد الخارج من رماد النكبة؛ إذ يلجأ غسان إلى رفع الستار عن الجمال الكامن في شخصياته الشعبية البسيطة والتلقائيّة، ويكشف الغنى الذي تتّصف به شخصيات أولئك اللاجئين الذين خسروا وطنهم ولم يخسروا إنسانيّتهم.

يلفتنا أيضاً في أعمال غسان كنفاني ذلك التداخل بين الشخصي والوطني، وبين الخاص والعام، والذي منح أدبه قيمته الخالدة، إنّ عظمة أدب كنفاني تكمن في حدسه المبكّر الذي استطاع من خلاله استشراف النكبات القوميّة الكبيرة من خلال رصده عيوب الأفراد في الحياة اليومية، ولعلّ أبرز ما يميّز غساناً عالمه الإنسانيّ الداخليّ الغنيّ، وقدراته الفنيّة التي تجلّت في مختلف ألوان نشاطه ونتاجه الإبداعيّ المتعدد والمتدفّق: من المقالة السياسية، والتعليق الثقافي، والنقد الأدبي في سياق عمله الصحفيّ اليوميّ المتعب، إلى القصّة القصيرة المتدرّجة بين الشكل الواقعي والشكل الرمزيّ للواقعيّة، إلى الرواية وتحوّلات أشكالها البنائيّة الحديثة بين رواية وأخرى، إلى المسرحيات التي تتراوح فيها الشخوص بين الواقع والرمز والنمذجة، وكذلك لوحاته الفنيّة وتصاميم الملصقات، بالإضافة إلى دراساته الريادية عن الأدب الصهيوني والأدب الفلسطيني المقاوم في فلسطين المحتلة عام 1948.

أسّس غسّان لفكرة المقاومة في الأدب ورسّخها في فترة سعى فيها العالم جاهداً إلى القضاء على "عاطفة المقاومة" في العالم العربيّ واستبدالها بـ "عاطفة العمّ توم" من خلال خلق مناخ سياسي ـ ثقافي عربي يكرّس المقولة التي تؤكّد أنّ استعادة الحقوق المغتصبة لا تنجح بأسلوب مقاومة المغتصب، ولكن بأسلوب استرضاء المغتصب؛ المغتصب الذي أدرك في وقتٍ مبكّر أنّ كلمات غسّان أمضى من أيّ سلاح يستخدمه الفلسطينيون في صراعهم ضدّه، وفي مثل هذا الصراع يُستهدف المثقّفون الملتزمون أوّلاً؛ لأنّهم لا يقبلون المساومة، ومبادئهم لا يمكن أن يعروها الانحراف، فهم رمزٌ للحقيقة وجزءٌ منها؛ ولذلك كان لا بدّ لكيانٍ غاصب أن يعمد إلى زعزعة ما تبقّى من أركان الحقيقة باغتياله أحد أصواتها الصادحة التي لطالما أقضّت مضجعه، ورفضت الحوار معه ووصفته بأنّه حوار بين السيف والرقبة.

رسائل غسّان كنفاني إلى غادة السّمان، تكشف عن صورة أخرى لغسّان الإنسان لا تخلو من ذلك التلازم بين الفنّ وقضيّة الإنسان؛ صورة العاشق الهشّ الذي هزمه الحبّ وكسره

أمّا غسّان فلم يكن يرى في كلماته سوى محاولاتٍ هزيلة لتعويض غياب السلاح ومواجهة المحتلّ، وقد ذكر ذلك في إحدى رسائله إلى الكاتبة السوريّة غادة السّمان: "إنّني أشعر أكثر من أيّ وقتٍ مضى أنّ قيمة كلماتي كانت في أنّها تعويضٌ تافهٌ لغياب السلاح، وأنّها تنحدر الآن أمام شروط الرجال الحقيقيين الذين يموتون كلّ يوم في سبيل شيءٍ أحترمه، إنّ قضيّة الموت ليست على الإطلاق قضيّة الميّت إنّها قضيّة الباقيين، الثورة وحدها هي المؤهّلة لاستقطاب الموت، الثورة وحدها هي التي توجّه الموت، وتستخدمه لتشقّ سبل الحياة".

وفي هذا المقام لا بدّ لنا أن نذكر أنّ رسائل غسّان كنفاني إلى غادة السّمان، تكشف عن صورة أخرى لغسّان الإنسان لا تخلو من ذلك التلازم بين الفنّ وقضيّة الإنسان؛ صورة العاشق الهشّ الذي هزمه الحبّ وكسره، وقد أثارت تلك الرسائل منذ لحظة ظهورها موجة صاخبة من الاحتجاجات والانتقادات لدى كثيرين، إذ رأوا فيها إساءة لصورة غسان بوصفه القائد الشهيد والشخصية الرمزية التي لا يجوز أن تشوب صورته تلك شائبة، بالرغم من أنّ قضايا الحبّ وما يرتبط بها ليست سوى أمور شخصيّة لا تأثير لها على جوهر شخصيّة إنسانيّة فذّة كغسّان كما ترى غادة؛ ولذلك صرّحت في تقديمها لرسائل غسان عن دافعها لنشر هذه الرسائل التي كانت وفاءً لعهدٍ كانت قد قطعته يوماً هي وغسان، إضافةً إلى رغبتها في أن يطّلع الروائيين الشباب على صورة إنسانيّة حيّة لحياة شهيدٍ حقيقيّ بعيداً عن أقنعة التزوير، كما أنّها تعتقد أنّ أنسنة فكرة الشهيد لا تؤذي القضيّة بل على العكس من ذلك؛ تساعد كلّ إنسان على اكتشاف العملاق الذي يقطنه مهما بدا لنفسه أو للذين حوله مريضاً وضعيفاً ـ بالمفاهيم التقليدية ـ وعاشقاً مهزوماً كسره الحبّ حيناً، وملأه بالزهو والاعتداد أحياناً.

ثم تتابع قائلةً في تقديمها ذاك: "سنكتشف في رسائل غسان أنّ كلّاً منّا يستطيع أن يكون مهمّاً لوطنه إذا تبع صوت قلبه بلا وجلٍ حتّى النهاية وتخلّص من الازدواجيّة بين المشاعر والسلوك قدر الإمكان، فإذا أحبّ وطنه حدّ الموت مارس ذلك الحبّ سلوكاً لا خطباً رنّانة على المنابر فقط، بهذا المقياس أرى كنفاني شهيداً نموذجياً بالمعنى العالميّ والإنسانيّ للكلمة، ورسائله تجسّد هذا النقاء الثوريّ البعيد عن "التبتّل الاستعراضيّ" والفساد السرّي ولعبة الرصانة الديكوريّة والأقنعة اللا مقنعة".

ثمّ تساءلت إلى أيّ مدى تضيف رسائل غسان إلى صورته في الأذهان أو تنقصها؟ لتجد بكلّ إخلاص أنّ هذه الرسائل تمنح صورته بعداً إنسانياً جميلاً أخّاذاً يذكرها بشخصية أحبّها غسان كثيراً؛ هي شخصيّة الدكتور جيفاكو.

وبعيداً عن الكتابة الملتزمة الصارمة التي يمارسها غسّان بوصفه مثقّفاً عضوياً، وكتابة الرسائل التي أظهرت هشاشته الإنسانية، كان لغسّان محطات مع الأدب الساخر الذي كان بمنزلة الواحة التي يفيء إليها، تحت أسماء مستعارة عديدة؛ أبرزها "فارس فارس" ولعلّ غساناً كان يشعر بين أعطافها أنه أكثر حرية وانفلاتًا مما هو في مجالاته الإبداعية المتعددة الأخرى.

تشكّل تلك المقالات بحسب تقديم محمد دكروب لها: "طرازًا فريدًا في النقد الأدبي، تتناول الأعمال الأدبية والفنية والفكرية، والمفاهيم بسخرية ضاحكة، وأحيانًا جارحة، فإذا توغّلت أكثر في عمق هذه الكتابة، ستتحوّل فيك صورة الانطباع الأول فتعي: أن هذا الساخر الضاحك ينقضّ بضراوة على السّخف والتفاهة والضحالة ويدافع وبحماس عن جديد الإبداع والفن والفكر المتقدم والمسار التطوريّ في الحركة النضالية، لم يكن أدبه الساخر الذي يكتبه قتلٌ للوقت أو مجرد تسلية، ولكنه درجة عالية من النقد".

لذا لم يكن غريباً أن يدافع غسان بضراوة عن الفنّ الأصيل ضدّ ما أطلق عليه "زعيق باسم الثوريّة" فالفنّ لديه يكون ثوريّاً بقدر ما يكون فنّاً حقيقيّاً، و"الزعيق الثورجيّ" ليس معادياً للفنّ فقط، بل هو في المحصّلة معادٍ للثورة ونضال الثوريين، ومعادٍ للتقدّم على صعيديّ الفنّ والمجتمع معاً.

إنّ الأثر الإبداعي والإنساني الذي تركه غسّان لا يمكن أن يبهت أو يتلاشى بمرور الزمن، وذلك لأنّ كلماته وأدبه الذي وجّه مسيرة شعبٍ بأكمله يوماً إلى الحريّة، ما تزال تحتاجها شعوبٌ كثيرة في فلسطين والعراق وسوريا وفي كلّ بقعةٍ معتمة مليئة بالظلم في هذا العالم، ستظلّ كتابات غسان موجودة؛ لأنّها على الصعيد الجمالي تُعدّ إرثاً للإبداع الإنساني الأصيل الصادق المنغمس في الحياة بطريقة فنيّة عالية، فالروح التي كتب بها غسّان أعماله كانت روحاً إنسانيّة كونيّة، والإنسان الذي يخاطبه غسّان هو الإنسان في كلّ مكان تتواجد فيه الشرور ويغيب عنه العدل.