غزة وليس سواها من انتصر للقدس من خطر التهويد

تاريخ النشر: 18.05.2021 | 06:45 دمشق

مع دخول العدوان الإسرائيلي أسبوعه الثاني، خرجت جملة من الاعترافات الإسرائيلية التي أدركت متأخرة أن القدس قضية سياسية ودينية حساسة في الساحة الفلسطينية، وكفيلة بتحويل المنطقة إلى حالة من الانفجار الشامل، ويدفع الإسرائيليون بسببها كل ثمن باهظ، لأن سياستهم تعمدت استفزاز الفلسطينيين في أقدس مقدساتهم..

بات واضحا أن المخطط العام للسلوك الإسرائيلي في مسألة القدس يأخذهم من تصعيد تدريجي إلى التصعيد الكامل، في ظل استرخاء إسرائيلي مرده إلى قناعة لم تعد صحيحة؛ أن حماس غير مهتمة بالتصعيد، مع أن المسألة بدأت عند وضع نقاط التفتيش الخاصة بالشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود عند باب العامود في قلب المسجد الأقصى، وتكرر الأمر مع اقتحامات المستوطنين اليهود إلى الحرم القدسي، وصولا إلى تنظيمهم مسيرة الأعلام اليهودية.

في كل هذه الحالات كان هناك خياران أمام إسرائيل: أولهما أن تفهم أن هذا حدث متفجر، ويتوجب إلغاؤه مقدما للحيلولة دون الذهاب إلى التصعيد، وثانيهما أن تدرك أنه حدث متفجر، لكنها لا تلغيه مقدما، وأن تقبل العنف على أي حال، لكن صعود الشباب الفلسطيني والجرأة والاستعداد لإظهار رفضهم للسيادة الإسرائيلية في القدس، تم التعبير عنها في تحدي الشرطة، والتصدي الجامح لاستفزازات المستوطنين، وذلك في منتصف النهار، وعلى مرأى ومسمع من وسائل الإعلام وكاميرات المصورين.

تمكنت حركة حماس من ربط اسمها بشكل أساسي بأنها المدافعة عن مدينة القدس

على الصعيدين الفلسطيني والعربي، شهدنا ما يمكن أن نسميه نشوء محور غزة – القدس، فقد تمكنت حركة حماس من ربط اسمها بشكل أساسي بأنها المدافعة عن مدينة القدس، وهذا يعني أنها لجأت إلى استخدام أسلحتها لأغراض دينية ووطنية سامية، وهو في قلب الصراع مع إسرائيل، والمقصود هنا المسجد الأقصى.

أكثر من ذلك، فإن محمد الضيف رئيس أركان حماس أعطى كلمته للمقدسيين بأننا وراءكم، ليس فقط وعدا معنويا إعلاميا، بل هو أيضا منخرط جدا في إدارة الحدث، من وراء الكواليس، وهكذا تم تسمية الحرب على غزة بأنها "معركة القدس"، وتأكد للفلسطينيين أن حماس، وليس سواها، هي من انتصرت للمقدسيين، رغم أن النار في الضفة الغربية، بقيت هادئة نسبيا، وهي الأقرب جغرافياً للقدس المحتلة.

انطلق الفلسطينيون من شعارهم بأن "الأقصى في خطر"، وفي ضوء ذلك يمكن فهم العد التنازلي لإطلاق الصواريخ من غزة باتجاه إسرائيل، وهدف حماس إظهار سيطرتها على المشهد الفلسطيني، وهو ما يحمل في طياته الكثير من مشاعر الذل والإحباط العميقة لدى الإسرائيليين، رغم أن هذا ليس تفسيرا كافيا، بعد أن تأكدوا على نطاق واسع بأن قوتهم الردعية أصابها التآكل بشكل كبير.

ومع انقضاء الأسبوع الأول من العدوان الإسرائيلي على غزة، بدأت تسمع في الأوساط السياسية والإعلامية الداخلية جملة من الانتقادات التي تشكك في جدوى هذا العدوان، وعدم تحقيقه لأهدافه، ولعل القيام بجولة في العديد من وسائل الإعلام الإسرائيلية، يمكن رصد العديد من ردود الفعل التي تحمل هذه التقديرات المتشائمة تجاه هذا العدوان على غزة.

لعل الاعتراف الإسرائيلي الأقسى أن قائد كتائب القسام محمد الضيف نجح بفرض معادلة جديدة على الاحتلال، بعد أن قرر إطلاق صواريخ على كل منطقة يمكن أن تبلغها في جميع أنحاء الكيان، وفيما بدأت تخرج الخلافات داخل الاحتلال إلى السطح، فقد أظهر المستوى السياسي توجها بمواصلة العدوان، لكن كبار الجنرالات خلف الكواليس يطالبون بوقفه، لأن استمراره قد يجرّهم إلى صراع أوسع يقتضي هجوما بريًّا، وهو أمر لا يتمنونه، والخوف لديهم من بروز مفاجأة من حماس بطريقة تتطلب ردًّا بمناورة برية.

تعتقد محافل سياسية وعسكرية إسرائيلية واسعة أن حرب غزة بلا سياسة واضحة، فإذا أنهاها الاحتلال دون نزع سلاح حماس، وإعادة الأسرى، فكل هذا الجهد سيذهب سدى، وسيصلون إلى نفس النقطة، ثم عملية عسكرية لاحقة، في ظروف أكثر صعوبة، تشكل خطرا أكبر على الإسرائيليين، فيما حماس ستخرج فيها منتصرة، لأنها كشفت عورة الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

صحيح أن إسرائيل تسعى لتحقيق انتصارات تكتيكية بهدم الأبراج السكنية على رؤوس أصحابها المدنيين، فإن حماس تحقق انتصارا استراتيجيا، وأسبقية بين الفلسطينيين والعرب، وبجانب وابل الصواريخ المتواصل في العمق الإسرائيلي، فقد حققت إنجازا غير مسبوق، مما يبعد إمكانية تحقيق نصر إسرائيلي حاسم ضدها، ولعل المؤشر الأكبر على انتصار حماس ما علقه المصلون على مدخل المسجد الأقصى من صورة النصر التي خرجت بها الحركة على شكل لوحة ضخمة يظهر فيها قادتها، وكأن القدس باتت في أيدي الحركة.

استكمالا لهذه القناعات، فإن مهاجمة جيش الاحتلال للمباني العالية في غزة، ليست رادعة للفلسطينيين، بل إن أداءه الحالي فاشل مقدما، لأننا لن نشهد هزيمة حماس، ورغم الاغتيالات والدمار في غزة، فإن حماس يدها العليا، لأنها حققت إنجازات تتباهى بها، بإطلاق الصواريخ نحو القدس؛ وتحولت بنظر الفلسطينيين مدافعة عن الأقصى.

من جانب آخر، فإن مرور الأيام السبعة الأولى على العملية العسكرية في غزة دون القدرة على وقف إطلاق الصواريخ الفلسطينية، يضع تساؤلات جادة عن مدى وجود خطة استراتيجية للحرب، مع أنه بدون دخول بري حقيقي في قلب غزة، ستكون النتيجة محدودة.

الجبهة الرئيسية للاحتلال تكمن في غزة، حيث يواجه مشكلة استمرار إطلاق الصواريخ المستمرة منذ سبعة أيام متتالية

من الناحية العملية، تخوض إسرائيل الآن معركة بأربع ساحات: أولاها في غزة يهاجم الجيش حماس وفقاً لخطة مرتبة مسبقاً، وثانيها في الداخل تسعى الشرطة لإطفاء النيران ببطء، وثالثها في الضفة الغربية يوقف الجيش وجهاز الأمن العام الاحتجاجات بمناسبة يوم النكبة، لكن يجب أن نتوقع تجدد المظاهرات الجماعية في وقت لاحق، والرابعة هي الساحة الشمالية لكن حزب الله ليس متحمسًا للانضمام لحماس، رغم بياناته الإعلامية.

الجبهة الرئيسية للاحتلال تكمن في غزة، حيث يواجه مشكلة استمرار إطلاق الصواريخ المستمرة منذ سبعة أيام متتالية، وحتى الآن دون أي علامة واضحة على تراجع أو انخفاض في الكميات، ما يعني أن حماس نجحت في جني إنجاز واع من الجيش الإسرائيلي، حيث أطلقت وابلا كثيفا من عشرات الصواريخ على وسط إسرائيل، بما في ذلك تل أبيب والمنطقة المحيطة بها.

الواضح أن إسرائيل انجرت لمواجهة حادة، وحسب أسلوبها فلا يمكن أن توقفها قبل أن تتعرض حماس لضربات شديدة، رغم أن الحركة حصلت على فرصة غير عادية بربط الأقصى بالمقاومة في غزة، والدفاع عن القدس، وإيجاد قضية مشتركة يمكن حتى لفلسطينيي 48 أن يتعاطفوا معها، للاستفادة من ملف القدس.

لقد بدأت الأزمة في منتصف شهر رمضان حين تم تداول صور عمليات إخلاء واشتباكات في حي الشيخ جراح، أعقبتها احتجاجات في الحرم القدسي، وقنابل صوتية داخل المسجد الأقصى، فيما شارك عدد من أعضاء الكنيست من معسكر اليمين بعمليات الاقتحام، رغم أن الرد الإسرائيلي على ما يحصل في الحرم القدسي له حسابات جيو-استراتيجية طويلة المدى.

والنتيجة أن إسرائيل الحالية ليس لديها رافعة ردع أمام قطاع غزة، ما دفع محمد الضيف إلى شن مثل هذا الهجوم في يوم القدس، بسبب سياسات بنيامين نتنياهو، واستمراره في تجنب المواجهات العسكرية غير الضرورية، وسعيه لخلق هدوء طويل الأمد، لكن ذلك ترك آثارا سلبية من أهمها تآكل الردع، ودفنت إسرائيل رأسها في الرمال.

اليوم، وقد دخل الأسبوع الثاني من هذا العدوان، وفيما دخل الجيش الإسرائيلي حالة تأهب قصوى، فقد تمكنت حماس من وضع نفسها كدرع محصن عن الأقصى، وتعبئة فلسطينيي 48، وحرق الوعي في القدس وتل أبيب، ورغم سلسلة الاغتيالات وصور الدمار من غزة، فإن حماس اليد العليا، لأنها حققت سلسلة إنجازات يمكنها التباهي بها، من إطلاق الصواريخ نحو القدس إلى مئات الصواريخ دفعة واحدة إلى غوش دان.

على الصعيد الاستراتيجي، حصلت حماس على ما طلبته، وأصبحت في نظر المقدسيين وسكان الضفة الغربية المدافع الإسلامي عن فلسطين، وحارسة القدس، بعكس السلطة الفلسطينية وفتح، اللتين تتعاونان مع إسرائيل، وهي بذلك تعزز صورتها في هذه المناطق الفلسطينية على حساب أبي مازن.

الخلاصة.. وسواء انتهى العدوان الإسرائيلي على غزة خلال خروج هذه السطور أم لا، فقد حصلت حماس على ما تريد، خاصة لقطات استهدافها لتل أبيب، والانتقام للقدس، حيث توجد في المسجد الأقصى لافتات ضخمة تمجد الحركة وقادتها، ودفاعها عن القدس وعن شرف الفلسطينيين، وعلى المدى الطويل، سيكون انتصارًا ضمنيًا لحماس، التي تهاجم إسرائيل وتردعها!