"غرفة انتظار في عيادة نفسية" لـ أسماء الكريدي.. في الأمومة والحب والحرب

تاريخ النشر: 13.01.2022 | 12:37 دمشق

محمود أبو حامد

بكثير من التأمل وقليل من العفوية، تحاول الكاتبة السورية أسماء الكريدي أن تبحث عن خصوصيتها في ديوانها الأول "غرفة انتظار في عيادة نفسية" متكئة على ثلاثة موضوعات رئيسة متداخلة تارة ومنفصلة تارة أخرى، يمنح تكرارها في القصائد أطراً لتلك الخصوصية، لكنه لا يلامس المعاني أو نسغ الأفكار، بل يدفعها للتوالد من جديد.

فرغم أن الديوان قد يبدو بهذه الخصوصية قصيدة واحدة بأغراض متعددة، فإن ذلك يؤكد أن أسماء الكريدي تبحث عن اسمها بصياغتها لقصائدها ونصوصها من تجربتها هي.. أجواء متجانسة، لغة وجمل متقاربة متتابعة نحو اكتمال معناها ودلالاتها.. وإذا كانت تجربتها تتمحور حول الأم، والحب، والحرب، وهذا يعزز بداياتها. إلا أن التأمل بهذه الأغراض الثلاثة يدهش القارئ بتباين القصائد المعبرة عنها بأفكار متجددة وتجارب متنوعة، وإن كانت هذه السمة العامة للديوان، فثمة قصائد متفردة في شكلها ومضامينها أيضاً.

اكتمال المعنى

لحرص الكاتبة على اكتمال معاني أفكارها وجملها، في نصوصها وقصائدها، كانت هناك مفارقات في الشكل والتسطير والعناوين وتأرجح القصيدة بين الشعر والنص. وإذا اتفقنا على أن التسطير المكثف في قصيدة النثر يمنحها جنسها على الأقل، وتوزيع تلك السطور يمنحها موسيقاها الداخلية؛ فإن صاحبة الديوان لا تأبه لذلك أمام اكتمال المعنى الذي تريد، فتغدو القصيدة، رغم جمالية لغتها الموحية، أقرب إلى النص، والنص أقرب الى "الأقصوصة" كما في "نهارات أبدية" مثلاً:

"النهارات في بيتنا طويلة جداً، تكاد تكون أبدية؛/ أشغل نفسي في تنظيف الحمامات/ ومصارف المياه، التي وجدت فيها إلى الآن تسعة أقلام،/ لا أعرف بالضبط ما الذي أوصلها إلى هنا/ ساعتان من الوقت أمضيتهما وأنا أزيل ذكريات كتبها أخي على خزان الماء/ ورسومات مضحكة على جميع الأبواب..".

لا يتوقف توق الكاتبة لاكتمال معاني جملها على القصائد والنصوص، بل يظهر ذلك جلياً أيضاً في عناوينها الطويلة، سواء أكان في عنوان الديوان أو في كثير من القصائد: "الأشياء أصغر مما تبدو في القلب.. العالم مكان أقل ألماً بلا أطفال.. عظام تتحطم دونما سبب واضح..".

ومع ذلك ثمة عناوين قليلة موحية ولافتة كما في القصيدة الأولى "زهايمر" وجمالية هذا العنوان تكمن في أنه يكثف حالة الأم دون أن يشكل تناصاً مع مفردات القصيدة:

تكتنف هذا الديوان علاقة خاصة للكاتبة مع أمها، فهذه المفردة "المقدسة" التي تفتتح بها أسماء قصائد ديوانها، تتسلل بعفوية بين السطور وفي ثنايا القصائد

"أمي لا يؤلمها شيء/ فقط تذهب إلى طفولتها/ تغادرها الأشياء نحو عالم مجهول/ أمي الآن لا تعرف أين تعيش/ وتضيع بين الغرف / تسألني عن باب المنزل/ عن الظلام/ عن أبنائها البعيدين/ أمي تتعرف إليّ/ تراني لأول مرة/ كل شيء الآن يقول إنني قد أنجبتها ذات يوم/ منذ متى وأنا أم لأمي؟".

تكتنف هذا الديوان علاقة خاصة للكاتبة مع أمها، فهذه المفردة "المقدسة" التي تفتتح بها أسماء قصائد ديوانها، تتسلل بعفوية بين السطور وفي ثنايا القصائد، وفي البوح عن الحب وفي الألم عن الحرب.. ومعها في أسئلتها عن حزنها وفرحها، في بوحها ومعاناته. وليست أمها التي يقف يوم وفاتها في رأسها كطائر، ولا أمها التي تظهر في دفتر العائلة مرتعدة، ولا أمها التي تتذكر أن لابنتها جسد امرأة فتضع عصاها خلف الباب، ولا أمها التي هاجسها الأدوية.. بل أيضاً أمها الشجرة الكبيرة التي تقاسمها حب الوطن والعائلة وهواجس الحرب والعودة للبيت.. وأمها التي تشاركها لحظات حبها وتترك عندها نظراتها المشككة لوردتين من حبيب محتمل: "أشتري وردتين وأعود بهما إلى المنزل كأنهما هدية منكَ/ وأترك نظرات أمي المشككة دون تبرير"، وأمها التي تشاركها الأمومة:

"أنت وأنا عدنا وحيدتين/ نخاف من هذا اليباس/ في بيت العائلة نلتصق بالجدران/ لا نفتح أفواهنا إلا لنقول كلمات مرعبة/ الوقت هنا دائما بعد منتصف النهار/ أقول لنفسي أحيانًا/ أنا من أنجبت هؤلاء الأبناء.. كبرت على الأمومة/ لكنك ما زلت صغيرة/ تنهضين كل ليلة من سريرك/ لتنامي بجوار قدمي/ مثل قطة..".

الحب والحرب

حقاً تدهش الشاعرة قرّاء ديوانها بتناولها لعلاقات الحب، إذ تبدو وكأنها تفصّل بتجارب حب في عوالم ومناخات متعددة، ومع هذا التنوع وهذه التفاصيل، تضيف الجديد والغريب في هذه العلاقات. فهي تلامس الغزل بسكين، وتمنح للغيرة رونقها الخاص، وللكذبة أبعاداً مغايرة، وللوهم عشقه الحقيقي...

"عني وعنك.. والحرب، أحب طريقتك في حبي، وجهك الذي يحمل السكاكين والضحك، أن تحبني كشخص بدائي، ولا أحبك لكن يغريني المستحيل".

وغيرها من القصائد التي تمنح للحب فلسفة خاصة، تصبو به نحو علاقة مغايرة للذات مع الآخر، بعيداً عن الامتلاك والغزل السخيف ولغة الجسد الجامدة برغباتها وحسب.. هل رأى أحدهم من قبل إنساناً يغمض عينيه لينام إنسان آخر.. إنها تريد حباً بعيداً عن الحرب، يمرر في صباحها صوته، ومن فرط حبه لها يتشرب ملامحها.. يكفي أن تقبل راحة يده حين يهدها التعب، تشتري عطره لعل رائحتها تصبح هو.. وهي التي علمها الحب أشياء كثيرة، وتحب رجلاً لثلاثة أيام فقط، تعرف أيضاً رجلاً يرسمها دائماً بسكين:

"أعرف رجلاً يرسمني دوماً بسكين على شجرة/ ويذوب في الظلام/ أرى في عينيه بيتاً/ وكتباً وسريراً وطفلًا يشبهه/ أعرف كيف أركض في روحه/ وكيف أوقد الحرائق/ وأرمي يدي إلى حيوان يتربص بي منذ زمن".

تكتب أسماء عن الحرب من بعيد وتعيشها أيضاً، تتوسل تداعياتها لتعيد ظلها إلى البيت، تحاكي الغياب والافتقاد، تقترب من رائحة الدمار وتناجي الأحباء دونها.. تقاسم أمها الأمومة وتصير أماً للجميع في الحرب، وتريد حباً دون حرب.. فالحرب والحرية والأحلام ابتلعت أصدقاءها.. والحرب تقف بينها وبين كل شيء وتمنعها حتى من الكتابة عن الحب:

أفعل ما يفعله اليائسون/ أنظر إلى الحياة كأنها ورقة ضخمة/ يرد فيها عدد المنازل المحطمة،/ أسماء القتلى في المقابر الجماعية،/ الأطفال الذين تحتشد الدموع بداخلهم كالحجارة،/ وتلك الأبواب التي وضعناها قاب وجعين من الهاوية".

سيرة ذاتية

في مقدمة ديوانها تقول الشاعرة: أنا أسماء الكريدي، ولدت في دمشق وآمل ألّا أموت فيها أيضاً، وها أنا ذا مع سكان هذي البلاد نتقاسم الخوف والنظرات المريبة في عيادة طبيب نفسي. تملؤنا الهواجس والأزمات، وكذلك الأمل بالشفاء من الحبّ والوطن. أكتب من بلاد يحبها الجميع ويدمرها الجميع، وكلّ قصيدة هي صرخة عن جروحي وجروحها، أو هي صورة عن ضياع الحدود بيننا، فإننا منذ زمن لم نعد نعرف أيّاً منّا الإنسان وأيّنا البلاد.

حالة التشظي هذه بين الأنا والوطن، الغياب والحنين، الافتقاد والحب.. عبرت عنها الكاتبة بديوانها، وتركت بصمة لسيرتها الذاتية عبر قصائده، نجحت في تحقيق خصوصيتها بلغتها وأسلوبها وجملها الشعرية، باستعاراتها ومجازاتها الطازجة العفوية.. وموضوعاتها المتداخلة والمتباينة والمشتركة بين الحرب والأمومة والحب.. لكن ثمة انفلاتات لقصائد ينفرد فيها شكلها ناضجاً مختلفاً، وموضوعها يبتعد عن القصائد الأخرى ببيئة مغايرة للمفردات ، رغم وجود "نَفَس" الكاتبة بها، كما في "عكاز لا يتسلقه الصدأ، ولاشك إنه أنا، ونحن، ولم أنجُ" :

"وأنت هناك أمام البحر/ يدور اسمي في رأسك/ مثل سمكة ميتة/ لا أحد يرى وحدتك/ تغمض عينيك برفق/ كي أبقى في أحلامك بعيدة عن الغرق/ أحيانًا تبللني كلماتك أيها البعيد/ بينما الملح على وجهي/ في كفي/ في ظلام فمي/ وهذا يعني أنني لم أنجُ".