عودة العسكري الضال.. الجيوش العربية تعود إلى الأرض؟

تاريخ النشر: 11.09.2021 | 06:12 دمشق

تتالى مشاهد تدخل العسكر في حياة الشعوب العربية وانفرادها في تقريرها مصيرها بأسوأ الطرق التي لم تكن تخطر على بال أحد، حتى صار العربي يشعر أنه واقع تحت جبل يجثم على صدره ويطبق على أنفاسه، حيث صارت مقارنة أنظمة العسكر مع الاحتلال الأجنبي أمراً ليس بالغريب أو النادر.. فما هو الفرق بين جيش الوطن الذي يدمر وطنه ويقتل ويهجر شعبه بلا رحمة، وبين جيش أجنبي يحتل الوطن ويعتقل أبناءه ويطلق عليهم الرصاص؟

هكذا، بطريقة فانتازية، يمكن للجماهير العربية، أن تتخيل أو تحلم، بعودة العسكري الضال أو المضلَّل إلى ارتداء ثوب الفلاحة أو بدلة العمل، فتنتهي فترة حكم العسكر التي بدأت في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي معمّدة بدماء شعوب مُفقَرة محاصرة تتوق للحرية والعدالة، لتنتهي هذه الفترة الكارثية بنكسة هائلة للجيوش العربية..

في سوريا ظهر الاصطفاف جلياً.. الجيش ضد الشعب، ولقد اكتشف السوريون في خِضَمّ ثورتهم الدامية أنهم كانوا العدو الأول لجيشهم

لقد ثبت بشكل نهائي أن الجيش في أي قطر عربي كما العسكري العربي يتحول إلى عدو لشعبه بمجرد أن يحمل بندقية ويتلقى أمرا بإطلاق النار، والجندي حتى لو لم يكن يرغب أو يقبل بإطلاق النار على مواطنيه فالأمر العسكري الصادر من الرتبة الأعلى يجب أن ينفذ مهما كان، هذا ما تقوله قوانين الجندية وما يتحتم على الجندي فعله لو كان في الجبهات وكان الهدف هو العدو ..

في سوريا ظهر الاصطفاف جلياً.. الجيش ضد الشعب، ولقد اكتشف السوريون في خِضَمّ ثورتهم الدامية أنهم كانوا العدو الأول لجيشهم، وفي الأمر بعد نفسي طبقي مذهبي يخصّ سوريا وحدها. فالشعب الذي تمرد على السلطة ليس سوى أولئك "المواطنين" الذين أدوا الخدمة العسكرية في يوم من الأيام وتعرضوا جميعا تقريبا للتمييز أثناء خدمتهم العسكرية الإجبارية فيما يشبه تمييزاً يحدد علاقة السيد بالعبد.

بالمقابل ومن جهة الشعب فهؤلاء الذين يتمرد ضدهم ليسوا سوى ضباطهم السابقين سادتهم السابقين الذين أذلوهم طائفياً وقومياً وطبقياً ونهبوهم معاشياً في سياق نمطية وتراتبية الفساد المنظم الذي بدأ أولاً في الجيش واستشرى لاحقا في كل مفاصل الدولة والمجتمع..

أما وهذا الجندي يستوطن شوارع المدن العربية بدلاً عن حراس الحدود، مستهدفاً برصاصه أخيه المواطن العربي فإن الأمر متروك لضميره، وكثير من مجندي الجيوش رفضوا إطلاق النار على مواطنيهم، قبل وبعد أن هتف الشعب: "الجيش والشعب أيد واحدة" وكلنا شاهد عبر التلفزيونات أو في ساحات الثورة كيف أن شبانا وأطفالا صعدوا إلى عربات الجنود في ساحات تونس والقاهرة وعانق بعضهم الآخر. وكلنا شاهدنا الجندي السوداني في إحدى ساحات الخرطوم وهو يبكي لفرط تأثره بمحبة الشبان المتظاهرين وتعاطفهم معه..

الأصول الفلاحية للعسكر:

جاء العسكر من الأرياف فهم في الأصل فلاحون "بالقوة"، ملتصقون بالأرض متعلقون بها لدرجة يعتبرونها شرفهم، مفطورون على استثمارها وإن بوسائل بسيطة، لقرون تعادل عمر الشعب نفسه وتعادل تاريخه، فالتاريخ ليس سوى الإنسان فاعلا في أرضه.

لكن تحالف الجفاف والفساد مع أوهام الرفاهية في العواصم المنيرة والشهية التي سوقتها لهم أفلام الستينات، سلبهم أراضيهم وخرب طموحاتهم البسيطة بعيش كريم وبناء أسر متكاتفة متحابة تعيش فوق الأرض من الأرض وللأرض، كما لو أن هذا التحالف الشيطاني سلبهم جزءاً من شرفهم وأحالهم إلى عسكر أشبه بعبيد مرميين في ثكنات قائظة صيفا باردة شتاء، كقوة احتياط لمواجهة شعوبهم المُفقرة، وأحالهم إلى جيوش تستخدمها النخب الحاكمة حالما تشم رائحة تمرد في صفوف الشعب أو تستشعر تململ طبقة أو استعداد فئة من فئاته للانقلاب، فتنشر في العواصم هؤلاء الفلاحين الجنود الذين أصبح بعضهم ضباطاً وصف ضباط، فيستولي هؤلاء الأخيرون على أرقى أحياء العاصمة وأفضل بيوتها بعد أن يهجروا مالكيها بحجة التآمر على الثورة، أو يعتقلوهم كما جرى في القاهرة مثلا في عقدي الخمسينات والستينات وفي حالات أخرى يجبرون الأغنياء والتجار على الدخول معهم في تحالف يوفر لهم المال والإثراء السريع مقابل توفير الحماية والتسهيلات للآخيرين كما جرى في دمشق وحلب في الثمانينات والتسعينات على وجه الخصوص.

تحالف الفقر وارتفاع كلفة الزراعة والجفاف، مع سوء استخدام الأرض الذي افتعلته العسكرتارية العربية قصداً، سلب هؤلاء الفلاحين أي خيار آخر للبقاء في أراضيهم، كما لو أنهم سلبوا شرفهم أو جزءاً منه (الأرض مرادفة للعرض) مقابل إيهامهم بخدمة الوطن والدفاع عنه.

أي خدمة هذه التي تقوم على هجران الأرض؟ الأرض التي ما هي سوى الوطن الواقعي والتاريخي للفلاح العربي، الوطن الفعلي الذي أنجب الإنسان العربي العاقل والأخلاقي.

على خلاف وطن الفلاح والإنسان الأخلاقي، تكوّن وطن العسكرتارية عبر وسائل إعلامها، ووطن هؤلاء ليس سوى الزعيم الحاكم الديكتاتور المغتصب للسلطة، وأتباعه الأوفياء أو "شعبه الخاص" ليس سوى بطانته الفاسدة المنافقة.

ويوما بعد آخر تحول عسكر الأرياف إلى ما يشبه العبيد يعملون بقوت يومهم في حراسة الديكتاتور ونظامه الفاسد الفاجر مقابل بضعة ملاليم وقروش يتقاضونها آخر الشهر تكفي ثمن "بويا" الحذاء العسكري الذي يجب أن يبقى برّاقاً لاسيما بعد العودة من زيارة الأهل في الريف القريب أو البعيد، تحسباً مما يعلق عليه من طين الأرض أو غبارها.

نعم لم يعد الريف بعيدا عن ثكنات العسكر العبيد فقد نقلوا معهم من أريافهم البعيدة زوجاتهم وأولادهم طمعاً بحياة أفضل من شقاء الأرض والزراعة التي بالكاد تسد رمقهم.

سيعود هؤلاء الجنود يوماً إلى أراضيهم التي صارت بوراً، بعدما يحطمون دولة العسكرتارية التي تطبق على أنفاس شعوبهم

لقد انتقل الريف إلى المدينة أو إلى أطرافها، بعدما راح يسكنه العسكر المتطوعون والمجندون وصفّ الضباط، هؤلاء بدورهم جذبوا الباعة المتجولين وأصحاب المهن البسيطة الذين انتقلوا بدورهم من الريف إلى أطراف المدينة حيث نبتت أحياء عشوائية كالفطر تفتقد للتنظيم والخدمات المناسبة للحياة.

سيعود هؤلاء الجنود يوماً إلى أراضيهم التي صارت بوراً، بعدما يحطمون دولة العسكرتارية التي تطبق على أنفاس شعوبهم، سيعودون إلى أراضيهم في اللحظة التي سيشعرون فيها أنهم فلاحون بلا أرض ولا عرض ولا كرامة، فيتحالفون مع طلائع شعوبهم الحرة ليؤمّنوا لها الحماية، فتتفرغ لبناء أنظمة جديدة تختار العدالة والمساواة كمَصل مضاد للاستبداد والتشبيح والاحتقار، وتعتمد النزاهة كمّصل مضاد للفساد والنهب، وتحرّم نهب ملكيات الشعوب العربية كما تحرم إباحة دماء وأرواح مواطنيها.