عودة الأسد فوق أشلائنا؟!

عودة الأسد فوق أشلائنا؟!

الصورة
رجل فقد أحد أطرافه إثر قصف النظام على مدينة دوما(رويترز)
10 كانون الثاني 2019

منير الربيع

كاتب وصحفي لبناني

وكأن لبنان يعود إلى ما قبل العام 2005. لا يمكن قراءة مشهدية إعادة تعويم بشار الأسد عربياً، بدون استذكار العبر لبنانياً في العلاقة مع هذا النظام، الذي لا يمكن توقّع ما قد يفعله، أو أي انقلاب قد يقترفه. في لبنان، يلوح مشهد الوصاية العائدة من أبواب متعددة. يمكن النظر إليها في سياقات مختلفة، وعند محطات متنوعة.

بصريح العبارة، أصبح من الواجب تهيئة الأنفس، لاحتمالات متعددة. في أية لحظة العلاقات اللبنانية السورية ستعود إلى طبيعتها، وكأن شيئاً لم يكن. غالباً ما تحتم سياسات الدول ومصالحها، القفز فوق الكثير من العوائق. تذوب التفاصيل، وتتحول الناس إلى أرقام والحدود إلى أوهام. تتقدّم المصالح على ما عداها، فتقفز العلاقات فوق أجساد وقبور، وتتخذ من المسحوقين جسورا للقاء المتقاطعين.
 

في أية لحظة أيضاً قد يحطّ بشار الأسد زائراً على بيروت، وبلا شك لن يكتفي بدخولها لمناسبة قمّة عربية، ربما يترك الفرصة المنتهزة لمناسبة أخرى

في أية لحظة أيضاً قد يحطّ بشار الأسد زائراً على بيروت، وبلا شك لن يكتفي بدخولها لمناسبة قمّة عربية، ربما يترك الفرصة المنتهزة لمناسبة أخرى، لدخول حديقته الخلفية وفق خلفية رأسه، دخول الفاتحين. لن يعبر الأسد عند زيارته بيروت أو أي من العواصم العربية، حدوداً أو معابر رسمية. إلى لبنان سيدخل في سيارة تشبه سيارة ميشال سماحة، وربما سيكون برفقته علي مملوك، سيدخل على أشلاء أهل عرسال، واللاجئين السوريين فيها، وعلى دماء أهل طرابلس الذين سيتركون بلا تقوى أو سلام. سيدخل على غرار غورو إلى دمشق في مشهديته الشهيرة المقززة عند قبر صلاح الدين الأيوبي وهو يقول:" ها قد عدنا يا صلاح الدين." 

في بيروت، وربما خلال جولة على المقرات الرسمية ومروراً في ساحة الشهداء، سيمرّ على رموز أمر بسحقها ورميها تحت التراب، وقد يقف في حضرة الأضرحة متوجهاً إلى ساكنيها بالقول:" فاجأتكم". سيقف مزهواً ليقول إلى رفيق الحريري، جورج حاوي، سمير قصير، جبران تويني وغيرهم "ها قد عدت." سيدخل لبنان ببذلته البيضاء ربّما، المغبّرة بركام سوريا، والمحاكة بخيطان جغرافيتها الممزقة. ليس بعيداً عن بشار العودة إلى نموذج غورو، وهو الذي أعاد سوريا إلى زمن التفتت والقبلية. غورو أنشأ في سوريا خمس دويلات، دولة دمشق، دولة للدروز، أخرى للعلوين، دولة حلب، والخامسة كانت من نصيب لبنان الكبير.

في حربه الشرسة على الثورة السورية، عاد بشار الأسد بسوريا إلى صيغ الانتداب، وهو الذي يتهم الثوار بالحنين إلى ذلك الزمن استناداً إلى رفعهم علم الثورة، أو ما يعرف بعلم الاستقلال. وفيما تتهم الثورة برفع علم الانتداب، فإن الأسد قد غرس سكّين ذلك الانتداب في الجسد السوري الواحد، وعمل على تمزيقه، وجرح ابن البلد أقسى من جرح الغريب. حزّ السكين رقاب السوريين، ونحر سوريا شكري القوتلي، وفارس الخوري، وصالح العلي، وسلطان باشا الأطرش. مات قلب العروبة النابض، وتأسست على ركامه، جزر برعايات دولية وإقليمية، تعود بالذاكرة على دويلات غورو، سوريا المفيدة التي سعى باكراً إلى اجتزائها والسيطرة عليها بأغلبية العلوية والبرجوازية الموالية وبعض الأقليات التي يدّعي حمايتها تحت رعاية روسية. مقابل، جزيرة سنّية في الشمال والشرق، فيها مختلف أنواع التنظيمات الإرهابية وغير الإرهابية، ودور في بعض المناطق لتركيا. وجزيرة كردية صريعة ولا تزال تصارع، بوجود الأميركيين وبانسحابهم.

 

في حربه الشرسة على الثورة السورية، عاد بشار الأسد بسوريا إلى صيغ الانتداب، وهو الذي يتهم الثوار بالحنين إلى ذلك الزمن استناداً إلى رفعهم علم الثورة

أما دولة الوسط فللإيرانيين من حمص وريف دمشق وصولاً إلى البادية باتجاه العراق، حيث تم تغيير كل معالم هذه المنطقة وصولاً إلى مشارف الجنوب مروراً بالغوطة، التي أصبحت معالم التشيّع واضحة فيها، من خلال تشييد المزارات لزوم الصبغة المذهبية على منطقة دفن فيها خالد بن الوليد. فيما تبقى السويداء وحيدة، ومنعزلة، خاضعة دوماً لتحديات التطويع وتقديم فروض الطاعة للنظام، وإلا ستكون مهددة بمجازر واجتياحات داعشية.
 
سيعود الأسد إلى لبنان، وإن لم يستعد سوريا كاملة. لبنان يعنيه أكثر، الصورة فيه نكهتها مختلفة، كمن يطل من حديقة منزله على العالم، وربما سيقف على إحدى الشرفات البيروتية، منتزعاً مشهدية الحبر الأعظم في الفاتيكان، يرمي السلام على المؤمنين في ساحة القديس بطرس. لا يمكن التنبؤ بما سيلقيه الأسد على العالم من بيروت. بيروت وحدها تعرف ما كان يلقيه رأس النظام، فيما السوريون خبروا إلقاء البراميل المتفجرة عليهم من سماء أفقدها الأسد طابع الرحمة ونزع منها خير الشتاء، الذي تحوّل إلى كابوس المهجرين في خيم الشتات. سيرفع الأسد راية النصر، وخصومه من العرب سيرفعون الراية عينها أيضاً، لكن النصر ضائع في بلاد العرب، قد مات من أيام السموءل والمهلهل، ومن سخريات أقدارهم أن يدّعي النصر، نظام متهلهل. 

 

شارك برأيك