بالنسبة إلى آلاف العائلات السورية التي عاشت سنوات طويلة خارج البلاد، لا تبدأ العودة إلى سوريا عند الحدود، ولا تنتهي بمجرد فتح باب منزل قديم أو استئجار بيت جديد.
فبينما يرى الآباء في العودة طريقاً إلى وطن تركوه مضطرين، ينظر كثير من الأبناء إليها بطريقة مختلفة؛ فبعضهم غادر سوريا طفلاً لا يتذكر منها إلا صوراً متفرقة، وبعضهم وُلد أساساً في بلد اللجوء، وذهب هناك إلى المدرسة للمرة الأولى، وتعرف إلى أصدقائه، واكتسب لهجة المكان وعاداته، وبنى فيه أولى تصوراته عن الحياة والمستقبل.
وهكذا أصبحت كلمة "العودة" تحمل معنيين داخل الأسرة الواحدة: أب وأم يعودان إلى بلد يعرفانه ويحملان ذاكرته، وأبناء يغادرون البلد الوحيد الذي عرفوه باتجاه وطن يعرفونه من حكايات الأسرة أكثر مما يعرفونه من التجربة.
من مصر إلى تركيا والأردن، تكشف قصص عائلات سورية أن قرار العودة قد يكون بداية اختبار جديد، لا سيما بالنسبة إلى جيل نشأ خارج سوريا ويجد نفسه مطالباً بإعادة بناء حياته التعليمية والاجتماعية من الصفر.
"لماذا نترك بلدنا؟"
حين وصلت "أم محمد"، إلى مصر قبل سنوات برفقة أطفالها الستة، كان ابنها الأكبر لا يزال في المرحلة الابتدائية. اليوم كبر الأبناء، وأنهى بعضهم المدرسة والتحقوا بالجامعات، وأصبحت مصر بالنسبة إليهم أكثر من بلد إقامة مؤقتة؛ فهي المكان الذي تعلموا فيه، وكوّنوا فيه صداقاتهم وذكرياتهم الأولى.
يتحدث الأبناء باللهجة المصرية، ويعرفون تفاصيل الأحياء والشوارع ووسائل المواصلات التي عاشوا معها سنوات، في حين أن معرفتهم بسوريا جاءت في معظمها من الصور والحكايات العائلية.
تقول الأم لموقع تلفزيون سوريا إن أبناءها لا يستوعبون بسهولة فكرة العودة، وتضيف: "حين جئنا إلى مصر، كان ابني الأكبر في المرحلة الابتدائية. اليوم كبر الأولاد، ودخل بعضهم الجامعات، وكل أصدقائهم مصريون (..) يتحدثون باللهجة المصرية، وحتى طريقة لباسهم وتفاصيل حياتهم مصرية. عندما نحدثهم عن العودة يقولون لنا: لماذا نترك بلدنا ونذهب إلى بلد لا نعرفه؟".
بالنسبة إلى الأم، لا تتمثل الصعوبة في بيع الأثاث أو توضيب الحقائب، بل في إقناع أبنائها بأن المكان الذي لم يعش بعضهم فيه هو الوطن الذي يفترض أن يعودوا إليه.
حين يختلف معنى الوطن بين جيلين
لسنوات، ظل كثير من السوريين في دول الجوار يتعاملون مع الإقامة خارج البلاد باعتبارها مرحلة مؤقتة. بقيت سوريا حاضرة في البيوت من خلال الطعام واللهجة والصور والأغاني وحكايات الأقارب والمنازل القديمة.
لكن السنوات طالت وكبر الأطفال، وصار لهم أصدقاء ومدارس وجامعات وعلاقات يومية لا ترتبط بسوريا، وتحول البلد المضيف من مكان لجوء إلى مساحة كاملة للطفولة والمراهقة وبدايات الشباب.
وحين اقترب احتمال العودة، ظهر اختلاف لم يكن واضحاً في السابق.
فالوالدان ينظران إلى سوريا بوصفها المكان الذي أُجبرا على مغادرته، بينما يشعر الابن بأنه مطالب بمغادرة المكان الذي نشأ فيه إلى مجتمع جديد عليه.
لا يعني ذلك بالضرورة رفض سوريا أو التخلي عن الانتماء إليها، بقدر ما يعكس اختلاف التجربة بين جيل عاش حياته الأولى فيها، وجيل عرفها من ذاكرة الآخرين.
تدرس علياء الطب في القاهرة، وتقول إن ذكرياتها عن سوريا ليست سوى "مقتطفات صغيرة ومتباعدة".
مصر بالنسبة إليها هي المكان الذي كبرت ودرست فيه، وتعرفت داخله إلى أصدقائها واكتشفت الحياة الجامعية. لذلك لا ترى الانتقال إلى سوريا عودة إلى حياة سابقة، بل انتقالاً إلى حياة جديدة بالكامل.
وتقول: "لا أستطيع أن أتخيل أنني سأترك مصر (..) هنا كبرت ودرست، وهنا كل أصدقائي وذكرياتي. أتذكر من سوريا بعض الصور والمواقف الصغيرة فقط، لكنني لا أتذكر الحياة هناك".
حتى اللهجة أصبحت جزءاً من تجربتها. ففي سنواتها الأولى لم يكن حولها كثير من السوريين، فاعتادت الكلمات المصرية، وحين وصل أقاربها لاحقاً كانت تسألهم أحياناً عن معاني تعبيرات سورية لم تسمع بها من قبل.
وتزداد صعوبة العودة لدى الطلاب الجامعيين، إذ لا يرتبط القرار بالمكان وحده، بل بمصير التخصص الدراسي وسنوات الجامعة وإمكان متابعة التعليم من دون خسارة ما أُنجز.
في تركيا.. عادت العائلة وبقي عمر
في تركيا، وجد عمر، وهو شاب سوري في بداية العشرينيات، نفسه أمام قرار مشابه حيث وصل إلى تركيا صغيراً، وقضى فيها معظم سنوات مراهقته، ودرس في مدارسها وتعلم لغتها، ثم بدأ دراسته الجامعية.
عندما قررت عائلته العودة إلى حلب، رافقهم في زيارة إلى سوريا قبل اتخاذ موقفه النهائي، لكنه يقول إنه وجد واقعاً مختلفاً عما عرفه من أحاديث أهله، خصوصاً على مستوى ظروف المعيشة والعمل والخدمات.
يقول عمر: "أنا كبرت بتركيا وتعودت على الحياة فيها، ودرست وعندي أصدقاء وجامعتي هنا. لما رجعت ع حلب حسيت إني بعرف المدينة من حكي أهلي وذكرياتهم أكتر من معرفتي إلها بالحقيقة".
في النهاية، عادت أسرته إلى حلب وبقي هو في تركيا لاستكمال دراسته، وانتقل إلى السكن مع شبان سوريين يتقاسم معهم الإيجار ومصاريف الحياة.
ويقول إن أصعب ما في القرار لم يكن السكن بعيداً عن أسرته، بل أن تؤدي العودة للمرة الأولى إلى تقسيم العائلة بين بلدين.
بالنسبة إلى والديه، انتهت سنوات الانتظار بالعودة إلى حلب. أما بالنسبة إليه، فإن العودة تعني ترك الجامعة والأصدقاء واللغة والحياة التي بناها طوال سنوات.
طفل يريد "العودة" إلى بلد اللجوء
أما أماني يحيى، من ريف دمشق، فعادت إلى سوريا مع طفليها بعد سنوات من الإقامة في الأردن، بينما بقي زوجها هناك للعمل وإرسال المال إلى أسرته لاستكمال تجهيز المنزل.
لكن ابنها البالغ من العمر 14 عاماً لم يتقبل الحياة الجديدة. تقول أماني إنه يطلب منها باستمرار أن تعيده إلى الأردن، ولا يغادر المنزل الذي استأجرته الأسرة إلا للضرورة، كما يرفض العودة إلى المدرسة.
كبر الطفل في الأردن، وتعلّق بحيه وأصدقائه وحياته هناك، إلى درجة أنه يخبر والدته أن الأردن هو "وطنه"، ويستخدم بدوره كلمة العودة، لكن بالاتجاه المعاكس: والدته عادت إلى سوريا، أما هو فيريد العودة إلى الأردن.
وتقول أماني إنها تحاول مساعدته على التأقلم، لكنها تفكر في الرجوع إلى الأردن إذا استمر وضعه على حاله.
توضح قصته أن الوصول إلى سوريا لا يعني بالضرورة اكتمال العودة، فالتحدي يبدأ أحياناً بعد الوصول، حين يصطدم الطفل بمدرسة مختلفة وحي جديد وأصدقاء لم يعرفهم من قبل.
الأب يعود والابن يهاجر
تختصر هذه القصص مفارقة واحدة: أفراد الأسرة يسافرون في الاتجاه نفسه، لكنهم لا يعيشون الرحلة ذاتها.
الأب يعود إلى مدينة يتذكر شوارعها، حتى إن تغيرت، والأم تعود إلى إخوة وأقارب وذكريات قديمة.
أما الطفل الذي وُلد في القاهرة أو عمّان أو أمضى معظم طفولته في تركيا، فلا يعود فعلياً إلى حياة سابقة، بل يغادر للمرة الأولى المجتمع الذي يعرفه.
بالنسبة إليه، هناك مدرسة جديدة، ومناهج ومصطلحات ربما تختلف عما اعتاده، ولهجة اجتماعية مختلفة، وضرورة تكوين صداقات جديدة وإعادة بناء إحساسه بالمكان.
وقد يجد نفسه مطالباً أيضاً بتفسير لهجته المصرية أو التركية أو الأردنية، أو إثبات انتمائه إلى مجتمع يقول الجميع إنه وطنه رغم أنه لا يعرف تفاصيله.
لهذا، لا ينبغي التعامل مع تعلق الطفل ببلد اللجوء باعتباره رفضاً لسوريا. فالهوية لدى كثير من هؤلاء الأبناء تشكلت في أكثر من مكان: هم سوريون داخل الأسرة والذاكرة العائلية، لكن طفولتهم ومدارسهم وصداقاتهم تشكلت خارج البلاد.
في النهاية، لا يدور الخلاف داخل هذه الأسر حول حب سوريا من عدمه، وإنما حول معنى الوطن نفسه.
فالآباء يرون سوريا مكاناً أُجبروا على تركه، ويحملون ذكريات البيوت والشوارع والأقارب والحياة التي سبقت اللجوء.
أما الأبناء، فيرتبط الوطن بالنسبة إليهم أيضاً بالمكان الذي عاشوا فيه طفولتهم، وذهبوا إلى مدارسه، وكوّنوا صداقاتهم، وتعلموا كيف يعيشون داخله.
وبين رغبة جيل في استعادة الحياة التي فقدها، وخوف جيل آخر من خسارة الحياة التي بناها، تظهر واحدة من أكثر قضايا العودة تعقيداً.
فعودة السوريين من دول الجوار لا تطرح فقط سؤال عدد الأشخاص الذين سيعودون أو المدن التي سيصلون إليها، بل تطرح سؤالاً إنسانياً أبعد: كيف ستستقبل سوريا جيلاً من أبنائها يعود إليها على الورق، لكنه يحتاج في الواقع إلى التعرف إليها للمرة الأولى؟.