عن وجع مرير يُصبح سينما بديعة

تاريخ النشر: 18.02.2019 | 23:02 دمشق

آخر تحديث: 18.02.2019 | 23:05 دمشق

تتحوّل صُوَر "فوضى"، الوثائقي الطويل الأول للسورية ساره فتّاحي، إلى شكلٍ من أشكال البوح والتأمّل، رغم أن المُحمَّل فيها قاسٍ وثقيل. صُوَر تقول ـ بالصمت غالبًا ـ ما لا يُتقِن الكلام قوله، إذْ تتمكّن ـ عبر تصوير مُشوّق ورهيف وعميق (فتّاحي نفسها) ـ من التوغّل في زوايا اللامرئي والمبطّن في نَفْس وروح وجسد، ومن الغوص في أحوال بيئة، مع شخصيتين نسائيتين اثنتين، ترتبط إحداهما بالأخرى في مشتركات عديدة، أبرزها انتماؤهما إلى وطن يُدمَّر، واجتماع يُفكَّك، وأناس يُهانون. ويظهر الارتباط أيضًا، وإنْ بمواربة سينمائية جميلة، في شخصية نسائية ثالثة، لراغبةٍ في الكتابة عن السلم، فالكتابة عن الحرب، بالنسبة إليها، أسهل وهي تريد تأمّلات في الحرب والمنفى والهوية، وتتجوّل في أزقة وأمكنة ومتاحف، وتروي شيئًا من انفعالها ورغباتها، وتقول بعض خرابٍ تُدركه القارة العجوز في أزمنة مختلفة.

منذ اللحظات السينمائية الأولى لمرويات رجا وهبى، وهما سيدتان سوريتان مُقيمتان في تمزّقات الروح وألم الجسد وارتباك الراهن، تؤكّد ساره فتّاحي على أولوية البصريّ على المكتوب والمروي في نصٍّ مُشبع بحكايات وحالات. هذه الحكايات والحالات ـ إذْ تتداخل مضامينها وسردياتها بعضها ببعض عبر صُوَر ومتتاليات بصرية، متماسكة في بوحها وانشغالها الانفعاليّ بوقائع العيش في مخاوف الذاكرة وأشباح الذكريات وتنانين الراهن ـ تعكس شيئًا حقيقيًا من الآنيّ في سوريا، ومن التاريخي في التشابه المخيف بين حروبٍ ومواجع تُدركها بلدان في الشرق والغرب، وفي الراهن والماضي.

فمرويات رجا وهبى، ومعهما تفتيش المرأة الأجنبية (لا اسم لها، تؤدّي دورها الممثلة النمساوية ياشكا لامّيرت) عن أجوبة أو ترجمة لتساؤلات تذهب بها إلى حدود واهية بين تناقضات العيش في وهَمِ سكينة، أو أمام الحافة الأخيرة للانكسار والخيبة؛ مرويات كهذه وتفتيش كذاك منعكسة في متانة اشتغال فني جمالي، يُصبح للسرد ـ المنطوق بكلام كثير لرجا المُهاجرة إلى السويد، وقليل لهبى المُقيمة في عزلة منزلها وحصار روحها ـ أولوية الوصف في مقاربة ماض وحاضر.

لن يتحرّر "فوضى" من وطأة الخراب الحاصل في سوريا

لن يتحرّر "فوضى" من وطأة الخراب الحاصل في سوريا، منذ بدء الحراك المدني العفوي والسلميّ، الذي تُفرض عليه لاحقًا حربٌ طاحنة. لكن الصُوَر والمعالجة والمرويات والسرد، وإنْ تبدو متأثّرة به ونابعة منه، تذهب إلى ما هو أعمق من قتل وتدمير وتهجير وموت. فرغم قسوة المنطوق به، تُثير تلك الصُوَر متعة المُشاهدة السينمائية، لما في "فوضى" من جمالية سلسة، تحمل كمًّا هائلاً من العنف والقسوة والفوضى والتمزّقات، وتطرح أسئلة جمّة عن الهوية والانتماء والهجرة والبقاء ومعنى البلد والغربة.

وإذْ تنكشف رجا، في غربتها السويدية، فتظهر مَواجعها وعطبها في سردها حكاية التمزّق العصبي والنفسي والروحي، جرّاء موتٍ وتشريد واختناق تعاني تداعياتها طويلاً، وتجتهد للخروج منها فتختار الرسم دربًا إلى شيءٍ من تنفّس وهناء؛ فإن هبى تختفي في ظلالٍ غامقة، تسمح بها كاميرا ساره فتّاحي كتعبيرٍ عن قوّة عزلتها وضيق المساحة التي تريدها هي لنفسها، داخل منزل معتم، تتجوّل فيه نادرًا، كأنّ تدخل غرفة ابنٍ لترتيبها، وهي مرتّبة أصلاً؛ أو كأن تلمس زجاجًا مشطوبًا في نافذة تطلّ على جبل، ويحاول تلصيقٌ ما أن يحميه من أن ينكسر كلّيًا؛ أو كأن تجلس صامتة ويدها تحمل مسبحة؛ وهذه كلّه دلالات تعكس شيئًا كثيرًا من واقع الحال الذي تعيشه بعيدة عن الناس والضوء. 

رجا تجد في الرسم منفذًا يُتيح لها مواجهة ألمٍ يعتمل فيها، من دون منحها راحة كاملة. تروي وتتكلّم من دون تعب أو ملل، وملامح وجهها امتدادٌ لأقوالها أو منطلقٌ لها. فقسوة عيشها مرسومة في عينيها ونظراتها وحركاتها البطيئة، ومواجع ذاكرتها منفلشةٌ في أنحاءٍ تُقيم فيها أو تتمشّى فيها لاستعادة معالم أمكنة قديمة تنهش أحلامها فتحوّلها إلى كوابيس. وهذا على نقيض هبى، وإنْ تتشابه المرأتان في المواجع والآلام والكوابيس. فالمُقيمة في منزلها وعزلتها وضيق مساحاتها تُبقي الكاميرا داخل جدران عالمها المنغلق عليها، فتبدو كأنها مطمئنة إلى الكاميرا طالما أنها ملتصقة بها، أو كأنها على مسافة منها فتحمي نفسها وروحها المتعبتين بجعل الإضاءة غامقة، أو أقرب إلى العتمة.

هذه لعبة سينمائية تمارسها ساره فتّاحي مع شخصيتيّ "فوضى"، من دون أن تنزلق إلى هوّة الخلل والارتباك. فالأدوات المستخدمة في لقاءاتها مع رجا وهبى ـ كالإضاءة والكادرات والتصوير والمسافات بين العدسة والشخصيتين والتوليف ـ متينة الصُنعة، تمامًا كفعلتها مع الشخصية الأجنبية في مساراتها داخل ذاتها وفي أزقة مدينتها ومع تاريخ بلدها وراهن عيشها. والشخصية تلك، الكاتبة الباحثة عن مفاتيح تُتيح لها تأليف نصّ عن السلام، تتجوّل رفقة الكاميرا في متحف لأعمال كارفاجيو، بكلّ ما تحمله تلك الأعمال من رموز وإشارات إلى الصراع الخفي والحاد الذي يعيشه المرء مع ذاته.

لن تتداخل المسارات الثلاث في شبكة واحدة، رغم التشابه في التأمّل الذي تمارسه الشخصيات النسائية الثلاث، في مروياتها المختلفة. فالتوليف (يارا ياميشا) يُشكِّل ركيزة درامية تبني العمارة السينمائية لساره فتّاحي، والصوت (برونو بيساك) مدخلٌ إلى دواخل تضجّ بغضبٍ واضطراب ومسالك مُتعِبة وحادّة، من دونها يصعب التواصل مع الشخصيات المُقيمة في عزلاتٍ تكاد تتشابه في يومياتها. لكن العَصَب الفعليّ للجامع السينمائيّ بين تفاصيل تقنية ومسارات درامية وصُوَر جمالية، بتنوّعه البصري في مقاربة حالات وانفعالات ومرويات، كامنٌ في علاقة ساره فتّاحي بالسوريتين رجا وهبى، وفي صُنع جانب متخيّل سيكون امتدادًا لجمالية الأسئلة الإنسانية والأخلاقية والانفعالية، المطروحة في السياق الحكائيّ.

هي حربٌ سورية طاحنة، ما يؤدّي إلى موت وتغييب وتمزّقات (تنشأ أيضًا من حالات عادية يواجهها المرء صدفة أحيانًا). لكن "فوضى" ساره فتّاحي ينأى بنفسه عن الفعل المباشر للجُرم المنبثق من اندلاع حرب، لاهتمامٍ سينمائي وجمالي وذاتيّ بما هو أعمق من المباشر وأهمّ من المكشوف. الاشتغال السينمائي في مواكبة مرويات رجا وهبى، في الإضاءة وحركة الكاميرا والمسافات الواقعة بين العدسة والشخصيات، تحريضٌ جماليّ للمُشاهد كي يُشارك في إدراك المخبّأ في البوح، وفي التنبّه إلى المبطّن في المرويّ. لذا، تظهر ظلال الحرب السورية في مسام الصُوَر السينمائية، والمرويات النسائية، والتفتيش الدقيق في ثنايا الروح والانفعال عن راهنٍ مخمّض بالقلق والمتاهة، أو بـ"فوضى" العيش والسعي إلى ترتيب الذات والعلاقة بها. وإذْ تُرتِّب هبى الغرفة المرتّبة لابنها، والملابس المرتّبة لابنها، والمنزل المرتّب الذي تُقيم في مناخه الغامق، كمن يسعى إلى ترتيب شيء من روحه؛ فإن "السعي إلى ترتيب الذات والعلاقة بها"، وهذا مشترك بين الشخصيات الثلاث أيضًا، لن يُعنى بترتيب المرتَّب، بل باجتهاد ـ ربما يكون مُعطّلاً ـ لترتيب تلك الفوضى العارمة في نفوس النسوة الثلاث وأرواحهنّ وأجسادهنّ وأمكنتهنّ وعوالمهنّ.

رغم الوجع المرير، يصنع "فوضى" لساره فتّاحي صُورًا سينمائية جميلة وعميقة الحسّ الإنساني، تعكس بعض خرابٍ وألم وتمزّقات.

كلمات مفتاحية