عن واقع اللاجئات السوريات العاملات في إسطنبول.. دراسة بحثية لـ منى هداية

تاريخ النشر: 14.10.2021 | 07:36 دمشق

أحمد العربي

قدمت الباحثة السورية منى هداية بحثاً لعله الأول من نوعه عن واقع اللاجئات السوريات العاملات في إسطنبول في سعيها لنيل درجة الماجستير، مثيرة موضوعاً مهماً معرفياً ومعلوماتياً بهدف إدراك واقع السوريين في إحدى أهم المدن التركية وأكثرها اكتظاظاً، حيث تختلط السوريات بمجتمع يضمّ مختلف الجنسيات والأعراق.

ومن خلال كتاب البحث التي صدر بطبعته الأولى عن دار جسور للترجمة والنشر بعنوان: "لاجئات.. عن تكيّف اللاجئات السوريات المُعيلات في إسطنبول 2011 - 2018" ومن دون أية حوامل سياسية أو عاطفية أو استخدام وظيفي لموضوع اللجوء من حيث أهميته وحساسيته؛ يأخذ الكتاب بقواعد البحث العلمي وصرامته، مليئاً بالاستشهادات والمراجع، ومعتمداً على دراسة ميدانية معمّقة، ليرصد واقع عيّنات من النساء السوريات العاملات بمختلف الميادين في هذه المدينة التي تضم أكثر من 16 مليون نسمة.

اللجوء بين المفهوم والواقع

تناولت الباحثة منى هداية تعريفات اللجوء، الذي يعني بصورة أو بأخرى فرار المرء من موطنه بسبب تهديد حياته وفقدان الأمن والأمان، إلى مكان أكثر أمناً واستقراراً، ولتأسيس مرحلة أفضل لحياة جديدة.

وتطرقت الباحثة إلى تبعات الربيع السوري وردّة فعل النظام بحق الشعب الذي تحوّل إلى ضحية مقتلة دائمة، ما أدى إلى فرار ولجوء الملايين من السوريين إلى دول الجوار والعالم.

وقدمت هداية إحصائيات معتمدة دولياً عن السوريين المنتشرين في دول الجوار، كلبنان والأردن وتركيا والعراق، والذين وصل تعدادهم إلى 5.6 ملايين إنسان، هذا غير الذين لجؤوا إلى دول أوروبا والعالم.

وأشارت إلى أن أغلب لاجئي دول الجوار يقيمون اليوم في تركيا، بعدد وصل إلى 3.6 ملايين لاجئ، أغلبهم يقيم في المدن التركية الجنوبية المحاذية للحدود مع سوريا بالإضافة إلى إسطنبول شمال غربي البلاد، مبينة أن إسطنبول وحدها يقطنها أكثر من نصف مليون لاجئ سوري رغم صعوبة المعيشة فيها.

سوريون من خلفيات اجتماعية متنوعة

وتبرز الباحثة في كتابها تنوع اللاجئين السوريين القادمين إلى تركيا، موضحة أن أغلبهم ينحدرون من المحافظات السورية المجاورة لتركيا جغرافياً، كمدن حلب وإدلب والرقة والحسكة، إلى جانب القادمين من مختلف المحافظات السورية الأخرى.

وأشارت إلى أن السماح بدخول السوريين إلى تركيا منذ السنة الأولى للثورة، بدا وكأنه استشعار لإحساس التضامن والإنصاف من الدولة التركية وشعبها بحق الشعب السوري المظلوم والمكلوم، إضافة الى التقارب والتماثل في القيم الاجتماعية بين السوريين والأتراك.

كما ساهم أيضاً العامل الديني الإسلامي المشترك بين مكونات البلدين في كثافة حركة اللجوء من أبناء المدن والأرياف السورية. وأنشأت الدولة التركية المخيمات بالقرب من الحدود بين البلدين. ومع مرور الوقت، لم يستمر بالعيش في تلك المخيمات سوى أقل من 8 في المئة من اللاجئين، بينما توزع البقية على مختلف المدن التركية للبحث عن تحصيل لقمة عيشهم بجهودهم الشخصية وبتعبٍ مضنٍ.

أنماط التكيف الاقتصادي

تعمقت الباحثة في دراسة واقع الأسر الحضرية التي استقرت في إسطنبول، مركزة على واقع الأسر التي تعيلها المرأة، وهذا كان غريباً على مجتمعاتنا السورية المحلية، حيث أغلب الأسر يعيلها رب الأسرة الأب أو الأبناء الذكور العاملون، فالعرف الاجتماعي يحتم على الرجل العمل والإنتاج وإعالة الأسرة بينما تتابع المرأة شؤون المنزل وأفراده.

هذا بشكل عام، ولكن واقع العنف والحرب الذي نتج عنه موت الكثير من الرجال المعيلين للكثير من الأسر اللاجئة؛ دفع المرأة اللاجئة الفاقدة للزوج أو الأب، للتوجّه الى سوق العمل ومزاولة مختلف الأنشطة لتعيل نفسها ومن معها من أفراد عائلتها.

ولم تكن ردود فعل النساء المعيلات واحدة في كيفية تأمين لقمة عيش عائلاتهن، إذ أكّدت الباحثة أن المرأة المتعلمة والعاملة سابقاً كانت متكيفة وقادرة على التكيف الإيجابي، ونجحت في مواجهة ظروف اللجوء وتأمين لقمة عيش عائلتها. وفرزت الباحثة أصناف النساء بحسب ردود فعلهن في العمل إلى ثلاثة أصناف:

1- النمط المنتج:

 وتمثله النساء اللواتي التحقن مباشرة بسوق العمل ووجدن لهنّ ما يناسب مهارتهنّ، حتى أن بعضهن تكيفنّ مع أعمال لم يمارسنها سابقاً.

بعضهن عملن في الخياطة وأخريات في الخدمة المنزلية في مهن أخرى عديدة، أما المتعلمات فقد نجحن في خلق أعمال  منتجة ناجحة في وقت مبكر ودخلن سوق العمل بقوة.

2- النمط السلبي:

وهنا عجزت بعض النساء عن تجاوز حالاتهن الحياتية السابقة وأن تدخلْن في سوق العمل، سواء لجهل بما تريد أن تعمل، أو الخوف من الاختلاط الاجتماعي، لذلك اعتمدن على تقليل مصاريف المعيشة مما بقي بحوزتهم من مدخرات خرجن بها، أو من خلال حصولهن على بعض المساعدات الدولية ومن الدولة التركية والشعب التركي الذي تضامن أغلبه مع السوريين في مواجهة مأساتهم في تلك الفترة.

في حين اعتمدت بعض النساء على تشغيل أبنائهنّ الذكور وهم في سن الطفولة، مع ما يصاحب ذلك من ظلم اجتماعي على هؤلاء الأطفال، ومنعهم من التعلم ومن خلق فرص إيجابية مستقبلية لهم لتحقيق حياة أفضل.

كما كان من النتائج السلبية التي اعتمدتها بعض النساء المعيلات أن زوّجن بناتهن "القاصرات" من بعض الأثرياء العرب، على شكل زواج مؤقت، حصلن من خلاله على بعض المال، رغم التأثير السلبي الذي سيواجه مستقبل وحياة هؤلاء الفتيات.

واعتمدت عينة من النساء على الاستدانة وتراكم الديون غير ممكنة الإيفاء، وهذا ما أدى لنتائج سيئة انعكست على 

أسر هنّ لاحقاً.

3- النمط المعتمد على المساعدات:

وضم هذا النمط النساء اللواتي كنّ أقلهنّ شعوراً بالمسؤولية، واعتبرن أنفسهن عاجزات عن فعل أي شيء، وهنّ ينتظرّن المساعدات العينية والمالية، مثل النساء الموجودات في المخيمات. لكن المساعدات المادية المالية والعينية لم تكن يوماً تسد حاجات العائلة، لذلك كانت حياة أسرهن سيئة جداً، وكانوا في حالة استعطاء وعوز دائم.

وعلى الرغم من الجهود التركية كدولة من خلال الجمعيات الخيرية الكثيرة التي قدمت أعطيات جيدة للاجئين، لكن ذلك لم يكن ليكون كافياً أبداً. وانعكس ذلك على العائلة وأطفالها بكل المستويات، جسدياً ونفسياً واجتماعياً. حيث "أدّى تسرب الأطفال من المدارس والتحاقهم بسوق العمل إلى وقوع بعضهم ضحية للابتزاز الجنسي والأخلاقي والظلم الاجتماعي".

تحديات في وجه السورية العاملة

وتحدثت الكاتبة هداية عن التحديات التي تواجه المرأة اللاجئة العاملة، فهي ضعيفة في منافسة مثيلاتها التركيات، لذلك كان معظم السوريات ذوات أجور بخسة، وقد يتم استغلالهنّ جنسياً من خلال التحرش والابتزاز، وتكون أجورهن أقل من أجور الرجال، وهذا يعدّ تمييزاً جنسياً في العمل، رغم أن إنتاجيتهن متماثلة وأوقات العمل واحدة.

 كما أنهن لا يسجّلن في صندوق الضمان الاجتماعي، وهذا ينطبق على الرجال العاملين أيضاً في أحيان كثيرة، وسبب ذلك تخفيف التكاليف على رب العمل.

ويُفقد افتقار أغلب النساء والرجال العاملين لإذن العمل الحماية القانونية لهم، فيكون الأجر أقل من أمثالهم وقد يتم طردهم في أي وقت من دون تلك الحماية. كما أن غياب القدرة على التواصل اللغوي مع رب العمل ومع الأتراك الآخرين، يجعلهم ضحايا سوء تفاهم وسوء تعامل قد ينهي فرصة العمل بأي لحظة.

واقع صعب

بالمقابل، أشارت الكاتبة في بحثها إلى احتضانٍ مجتمعي وحكومي تركي للاجئين السوريين، ولكن رغم ذلك قد تجد الكثير من الأسر صعوبة في تأمين سكن لها نتيجة الأجرة المرتفعة، ولذلك تبحث أغلب الأسر عن سكن غير صحي ولا يتسع لجميع أفراد العائلة مقابل أجرة رخيصة، ما ينعكس سلباً على حياة اللاجئين وصحتهم و توازنهم الاجتماعي.

ويصنع عدم تعلم اللغة التركية حواجز مجتمعية بين اللاجئات والمجتمع المحيط، فبعض النساء يتعلمن عبر الدورات اللغوية المجانية والبعض يتعاملن بسلبية ولا يختلطن إلا مع السوريات ومع الأقرباء والجوار من السوريين، ما يزيد من حالة العزلة والعجز عن التكيف.

ورغم أن الدولة التركية ساعدت السوريين بمنحهم بطاقة (الحماية المؤقتة/ الكيملك) التي تضمن لهم حق التعلّم  والرعاية الصحية والعلاج المجاني والحصول على المساعدات العينية الدولية ومن الدولة التركية والجمعيات الخيرية؛ إلا أنهم في أغلب الأحيان يجهلون واجباتهم وحقوقهم وآلية الحصول على الأوراق الرسمية، وقد لا يجدون تكاليف متابعة شؤونهم مع دوائر الدولة. فشكلت تلك الحالة السلبية التي عاشتها هؤلاء النساء سابقاً، حجر عثرة في انغراسهن في المجتمع التركي الجديد.

ماذا عن المستقبل؟

وفي حديثها عن آفاق المستقبل، أكدت الباحثة أن  اللاجئات المتعلمات والمكتسبات لمهنٍ وأعمال، كنّ مكتفيات واستطعن أن يبدأن حياتهن بنجاح ويصنعن حياة أفضل.

وشددت على أن تتجاوز النساء المعيلات ما ترسخ في معتقداتهنّ التقليدية، حول عجز المرأة ودونيتها، وأن يؤمِنّ بنديّتهنّ للذكور، وأن يكن إيجابيات ويعملن بكل طاقاتهن ليصنعن لأنفسهن مستقبلهن الأفضل والأقوى.