عن مي التي لم تدفن بعد.. ولن تدفن

عن مي التي لم تدفن بعد.. ولن تدفن

الصورة
27 تموز 2018

حلم مي سكاف لم يكن المستحيل، كان تحويل ذلك البلد/السجن، إلى وطن. وبطيبة قلب "ابنة بلد" بدأت العمل على مشروعها منذ أن استشعرت في نفسها القدرة على ذلك، بعد أن نالت بعض الشهرة، عبر نجوميتها التلفزيونية.

أو ما عمدت إليه، هو التعرف على أهلها/شعبها؛ بمقدار من يعرف مي كنجمة تلفزيونية، تعرف مي من السوريين، من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، ومن العائلات الريفية في أقصى ريف شرق سوريا إلى أهم وأشهر المثقفين والكتاب، جالستهم، وحاورتهم، وأكلت معهم على تراب الأرض. هذه حقيقة غير منظورة عن مي، وهي التي تفسر ذلك الحزن "الاجتماعي" لدى فقدها.

المبدأ التالي كان الاستقلالية، حاولت وعملت لتكون ذلك الفاعل غير المرتبط لا بأجهزة السلطة الأخطبوطيه ولا بحيتان رأس المال الذين هيمنوا على ميدان عملها/الفن. أنشأت مكاناً للتدريب المسرحي سمته "تياترو"،

كانت مي تؤمن بالعمل الجماعي، تضامن الضحايا في وجه جلاديهم. كان أكثر ما يؤلمها فرقة السوريين واتحاد إرادة وقرار خصومهم وجلاديهم.

لإطلاق طاقات شباب سورية بدون رقابة ووصاية واستغلالية أجهزة النظام، وأنفقت عليه كل ما كانت تجنيه من عملها في الدراما. وهذا يقودنا إلى المبدأ الثالث، الاستعداد للتضحية ونكران الذات، مع اليقين المسبق بإمكانية الفشل والفشل والفشل.

وعلى خلاف النزعة الفنية الإبداعية، كانت مي تؤمن بالعمل الجماعي، تضامن الضحايا في وجه جلاديهم. كان أكثر ما يؤلمها فرقة السوريين واتحاد إرادة وقرار خصومهم وجلاديهم. ومع نبرتها العالية ضد كل خطأ تعتقده في موقف الثوار، إلا أنها لم تكن تفوت فرصة للعمل مع فريق أو مجموعة، حتى ولو من موقع المشاهد المشجع. مي لم تتوان أو تتكاسل عن حضور أي مناسبة ثورية، لا في سوريا، ولا في دول الجوار، ولا في منفاها البائس في باريس الجميلة. هذه "ثورتي حتى أموت" و "لن أفقد الأمل" كانت تردد، وكان لديها إيمان عميق بصحة ما تناضل لأجله، وبأنه أهم وأبقى منها، ومنه تستمد بقاءها وراحة نفسها الحساسة النبيلة.

أبعد من الأمل، كانت مي من سلالة الحالمين الكبار، وفي الأوقات التي يخيم عليها اليأس بكلكله الثقيل، عندما كانت تقول "سأموت قريبا"، كما كانت تردد بنبوءة نقيّة، كانت في الوقت عينه تتحدث عن مشاريع يجب أن تنجزها في سوريا المستقبل، عندما "يسقط النظام". وهذه ليست هذراً، كما أن نبوءة موتها لم تكن هذراً. إنها حقائق صلبة: الموت والحياة.

وإن كان نظام الأسد بما يمثله من ذروة للظلم والإجرام، نادراً ما تم بلوغها، هو عدو مي سكاف الأول والصريح، فإن طيف خصومها أوسع من ذلك بكثير. وإن كانت لم تهدر وقتها وطاقتها في منافحتهم، إلا أنهم هم ذاتهم، لم يتورعوا عن الإعلان عن أنفسهم، وتقديم ذاتهم كغرماء لها ولما تمثله. الذين يهاجمون الراحلة في هذه اللحظة الحزينة،

بانتظار مراسم الدفن، تفكر مي سكاف ولا شك بنا جميعاً، تستعرض مصير الحلم ومصيرنا، تتألم مع كل قائمة من قوائم الشهداء تحت التعذيب.

يهاجمون ما تمثله وما ماتت لأجله، من أجل ما يمثلونه هم وما هم على استعداد لقتل الآخرين في سبيله، القمع والاستبداد والتسلط، وكل ما يرمز إليه نظام الأسد، حتى لو زعموا أنهم يعارضونه.  

اليوم، وهي تقبع في ثلاجة مشفى فرنسي، بانتظار مراسم الدفن، تفكر مي سكاف ولا شك بنا جميعاً، تستعرض مصير الحلم ومصيرنا، تتألم مع كل قائمة من قوائم الشهداء تحت التعذيب، يفرج عنها نظام الأسد بصلف وغطرسة، تسخر من جلاديه وقتلته المباهيين ولا شك بانتصاراتهم الوهمية، تقول لهم: لم يعد بإمكانكم أن تكسرونا، لقد صرنا في مأمن، في ذاكرة الشعوب وعالم الأبطال الخالدين، وهناك لن نتوقف عن العمل ضدكم، ضد من سيأتي بعدكم من سلالة القتلة والمتسلطين، وضد اللاعدالة التي تستوطن هذا العالم.   

شارك برأيك