عن قلقنا على مستقبل أوروبا والعالم

عن قلقنا على مستقبل أوروبا والعالم

الصورة
28 أيار 2019

هوشنك أوسي

شاعر وكاتب وصحافي كردي سوري

وفق النتائج الأوليّة للانتخابات الإقليميّة والفيدراليّة والأوروبيّة التي شهدتها بلجيكا يوم 26/5/2019، جاء الحزب اليميني المتطرّف (Vlaams Belang) في المرتبة الثانية بعد حزب التحالف الفلاماني الجديد (N-VA)، وهو أيضاً حزب قومي يميني فلاماني، فاق حتّى تصوّرات زعيم (Vlaams Belang)؛ توم فان خريكين. هذا الصعود كان على حساب تراجع الأحزاب التقليديّة؛ الديمقراطيين المسيحيين، الاشتراكيين، الليبراليين، والخضر، ويعطي مؤشّراً أن المزاج العام للشارع البلجيكي، بخاصّة في إقليم فلاندرز؛ بات يميل أكثر وبشكل أوضح نحو الارتداد عن التوجّه الوطني المنفتح إلى الذات والهويّة بشكل متنام ومتصاعد، إن لم نقل؛ متسارع.

هذه الردّة نحو التزمّت، أتت كنتيجة طبيعيّة ضمن المزاج الهويّاتي الخاص (ألماني، فرنسي، هولندي...) المتقاطع مع المزاج الهويّاتي العام (الأوروبي) الذي يخيّم على أوروبا في السنوات الأخيرة. هذا التحوّل النكوصي إن جاز التعبير، له أسبابه الكثيرة التي كانت وما زالت تشغل مراكز الاستطلاع والبحوث والدراسات ووسائل الإعلام وصناعة الرأي العام. وما هو ملاحظ أنه بالتوازي مع صعود التيّارات والأفكار اليمينيّة القوميّة والوطنيّة، هناك قلق وخشية وخوف متصاعد لدى أطراف سياسيّة ومجتمعيّة أخرى من مخاطر وتبعات استئثار اليمين والأفكار اليمينيّة بالقرار السياسي والاقتصادي في الاتحاد الأوروبي بشكل عام وفي كل بلد من بلدان أوروبا بشكل خاص. والحق أن خطاب الأحزاب

المزاج الأوروبي، ليس كأمزجتنا الآبدة؛ فالبعثي بعثي للأبد، والناصري ناصري للأبد، والإخواني إخواني للأبد، والسلفي سلفي للأبد، والأسدي أسدي للأبد، والسيساوي سيساوي للأبد...!

اليمينيّة وشعاراتها أيضاً مركّزة على القلق ومزاعم الخوف من المخاطر التي تتهدد المجتمعات الأوروبيّة وهويّاتها. وعليه، هناك حالة قلق وقلق مضاد تعيشه أوروبا. بكل تأكيد، هذان القلقان سيصلان إلى منطقة وسط، يتنازل فيها كل طرف للطرف الآخر عن بعض شعاراته ومخاوفه، حتّى تبقى مراكب البلاد والمجتمعات عائمة وعجلة الدولة والحياة تدور. من دون أن نسهو عن فكرة أن المزاج الأوروبي، بشكل أو بآخر، يشبه المناخ الأوروبي المتقلّب. فالناخب أراد معاقبة الأحزاب التقليديّة، بأن صوّت للأحزاب اليمينيّة الأكثر تقليديّة. والناخب نفسه، يمكن أن يخرج من المزاج اليميني الكئيب، ويمنح فرصة أخرى للديمقراطيين المسيحيين أو الليبراليين أو الاشتراكيين أو الخضر...الخ. بمعنى آخر، المزاج الأوروبي، ليس كأمزجتنا الآبدة؛ فالبعثي بعثي للأبد، والناصري ناصري للآبد، والإخواني إخواني للأبد، والسلفي سلفي للأبد، والأسدي أسدي للأبد، والسيساوي سيساوي للأبد...! وأعني، هناك حركيّة اجتماعيّة - سياسيّة تقود خيارات الناخب الأوروبي وفق ما تؤمّنه السلطة له من خدمات على صعيد العمل والصحة والضمان الاجتماعي والبيئة. زد على هذا وذاك، الأحزاب التقليديّة لا ولن ترهب الناخب - المواطن بأن تقول له: إما نحن وإمّا اليمين المتطرّف، كما يفعل نظام الأسد في سوريا، والأنظمة العربيّة في بلدان عدّة.

لا خلاف على أن نتائج الانتخابات في بلجيكا، ستفتح الأبواب أمام أزمات داخليّة، غير مسبوقة. ذلك أن القوى السياسيّة، في مطلع التسعينات، كانت متفقة على فرض نوع من الحصار على اليمين المتطرّف على أنه لن يحصل أي شكل من أشكال التحالف معه، مهما بلغت شعبيّته وحضوره في البرلمان الإقليمي والاتحادي البلجيكيين. لكن الصحيح أيضاً أن هذه الأزمات التي أفرزتها نتائج الانتخابات الأخيرة ستدفع الأطراف المشاركة والضالعة فيها إلى البحث عن حلول، وليس التضحية بالبلاد والمصالح العليا للمواطن والمجتمع على طريقة "الأسد أو نحرق البلد"!

هناك قلق من نوع آخر، يعبّر عن نفسه حيال تصاعد الأفكار والتيّارات اليمنيّة في أوروبا، هو قلق المهاجرين والأجانب الموجودين في هذه البلدان، حتّى الذين يحملون جنسيّات أوروبيّة! وهو قلق مشروع على مستقبل المواطن الأجنبي اللاجئ أو المهاجر أو الحاصل على الجنسيّة في هذه البلدان. قلق ربما يدفعه للاندماج أكثر، ليس فقط على مستوى حمل الجنسيّة واللغة والعمل، بل المشاركة في صنع مستقبل هذه البلدان، ليس على طريقة الإخوان والتيّارات الإسلاميّة المعتدلة والمتطرّفة (أسلمة أوروبا والعالم) أو على طريقة الأحزاب القوميّة (تعريب أو تكريد العالم) أو على طريقة الأحزاب الشيوعيّة، بل على طريقة القانون والحق والواجب الأوروبي، وإعلان الطلاق التام مع الموروث اليميني الذي نحمله من بلداننا ونريد فرضه أو الترويج له في بلداننا الجديدة. وحتّى اليسار أيضاً، بحركاته وتنويعاته، صار شكلاً من أشكال اليمين، حين أصبح يدافع عن النظم الاستبداديّة الفاسدة، ويناهض التغيير، واستمات في الدفاع عن الوضع الراهن لتلك النظم. بمعنى آخر، هذا القلق يجب أن يدفع المرء ليس نحو الانكفاء على الذات والهويّة على أننا كائنات على وشك الانقراض، أو أن هناك من يتحيّن الفرص للانقضاض علينا وافتراسنا وقلعنا وتدميرنا، بل أن يكون قلقاً منتجاً ومجدياً ومحفّزاً نحو الاندماج أكثر، فعلاً وليس قولاً وتفاخراً وتبجّحاً.

ربما ليس كشفاً القول: إن المشاريع القوميّة - الفاشيّة والنازيّة حين كانت تتعرّض لضربات قوميّة وشديدة وعميقة في أوروبا، بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانيّة، بدأت المشاريع القوميّة في الشرق بنسختها البعثيّة - الفاشيّة التي أنتجت (الأسديّة والصدّاميّة)، ثم الناصريّة التي أنتجت وأفرزت (القذّافيّة) و(البوتفليقيّة). وهذه المشاريع، كانت وما زالت تحكم حصارها على وعي ومزاج وذهنيّات المجتمعات الشرق أوسطيّة، ومتحكّمة بخطاب ووعي معارضات الأنظمة في هذه البلدان. كذلك المشروع الإخواني (القومي - الإسلامي) بدأ مع صعود النازيّة في ألمانيا، هذا المشروع الشرق أوسطي، فرّخ مشاريع أخرى، لعلّ أبرزها السلفيّة الجهاديّة. ثم أتت الخمينيّة كمشروع قومي (فارسي) طائفي - ديني - فاشي، يرتدي لبوس الثوريّة ومناهضة الإمبرياليّة والاستكبار العالمي، لكي تشارك في صنع الفاشيات المتصارعة في الشرق الأوسط.

 ومع ذلك، نحن الشرق أوسطيون، وحروبنا الأهليّة وتمزّقاتنا الاجتماعيّة، وبؤس حالنا، وركامنا وحطامنا وحضيضنا، بقضّه وقضيضهُ، نبدي قلقنا على مستقبل أوروبا مع تنامي وتصاعد اليمين المتطرّف!؟ دون أن نعي بأن التطرّف القومي والديني والحزبي والطائفي، يحكمنها منذ عقود، وبل قرون. مما لا شكّ هذا قلق مشروع. وهو في أحد أوجهه، خوف المهاجر أو اللاجئ أو حتّى المجنّس من العودة إلى بلده الأصل الذي ما زال يحكمه نظام عصبوي مافيوي وفاشي.

قصارى القول: لستُ متشائماً بخصوص مستقبل بلجيكا وأوروبا. فحتى لو وصل اليمين المتطرّف للحكم، لن يكون نسخة طبق الأصل

قضايا الهجرة وتنامي التطرّف الإسلامي والهجمات الإرهابية في أوروبا، كانت حوامل وروافع لخطاب اليمين المتطرّف في بلجيكا والعديد من البلدان الأوروبية

عن النظام النازي في ألمانيا قبل الحرب الثانية، ولا نسخة عن نظامي موسوليني وفرانكو في إيطاليا وأسبانيا أو نظام ستالين في روسيا. هذا اليمين المتطرّف سيكون أرحم من نظام الأسد، وبل أرحم من النظام اللبناني التابع لطهران ونظام الأسد. ذلك أن العنصريّة والفاشيّة في لبنان لجهة التعاطي مع اللاجئين السوريين، تجاوزت عنصريّة اليمين المتطرّف في التعاطي مع الأجانب والمسلمين في بلجيكا وأوروبا.

لا تتملّكني عقدة "اليمينوفوبيا". حاليّاً المزاج الأوروبي يتجه نحو اليمين، مثلما كان في مرحلة معيّنة نحو اليسار في الستينات... ومثلما كانت الأحزاب الليبرالية والديمقراطية الاجتماعية والاشتراكية والديمقراطية المسيحية هي السائدة حتى قبل فترة قريبة، وهي ما زالت قوية ولا ولن تنقرض، مثلما لم ينقرض الفكر اليميني، منذ 1945 وحتى قيام الساعة. طبعاً، قضايا الهجرة وتنامي التطرّف الإسلامي والهجمات الإرهابية في أوروبا، كانت حوامل وروافع لخطاب اليمين المتطرّف في بلجيكا والعديد من البلدان الأوروبية. وإذا كانت الأفكار والتيّارات اليمينيّة ظاهرة أصيلة في أوروبا، فهذه الظاهرة أصيلة وموجودة في العالم العربي والشرق أوسطي أيضاً، وتعبّر عن نفسها على شكل أنظمة وأحزاب ومشاريع ومؤسسات وأشخاص. الآخرون حاولوا تجاوزها، وخطو خطوات كبيرة وعميقة في هذا الاتجاه، لكننا لم نحاول بعد تجاوزها. وعليه، تصاعد اليمين في أوروبا، هي حالة طارئة ولن تدوم طويلاً. وإن دامت، لن تكون خطورتها بخطورة الأنظمة اليمينيّة الاستبداديّة؛ القوميّة والدينيّة والطائفيّة التي تحكم الشرق الأوسط.

شارك برأيك