عن عسكرة الثورة وأسلمتها

عن عسكرة الثورة وأسلمتها

الصورة
عناصر من الفصائل العسكرية المقاتلة في ريفي حماة وإدلب (تلفزيون سوريا)
06 حزيران 2019

قبل الحديث عن العسكرة والأسلمة في الثورة السورية، والتي يعدّها بعض السياسيين والمثقفين أنها بدأت مع عام 2012، وآلت إلى ما وصلت إليه الأمور كما يدعون، لابد من التفكّر في تركيبة النظام السوري من جهة والمجتمع السوري من جهة أخرى، وعلى ضوء ذلك يمكن الحديث عن العسكرة والأسلمة وسياقاتها ونتائجها، وهل كانت خياراً لجهات معينة أم مساراً طبيعياً اقتضته مسيرة الثورة؟

وصل نظام العائلة الأسدية إلى السلطة عبر انقلاب على "رفاق" له في اللجنة العسكرية للبعث، لينتقل بالبلاد من تفرد "رفاقه" وضباط اللجنة العسكرية بالبلاد إلى تفرد شخصي، يعيد من خلاله شخصياً إعادة تشكيل المفاصل الحيوية الهامة التي ترتكز إليها السلطة الدكتاتورية، وهي الجيش والمخابرات، ليحوّل في النهاية البلاد إلى مزرعة حقيقية لعائلته أولاً ولطائفته ثانياً وللزبانية المتلطين على أبوابه يتسولون الفتات مقابل الولاء.

وصل نظام العائلة الأسدية إلى السلطة عبر انقلاب على "رفاق" له في اللجنة العسكرية للبعث، لينتقل بالبلاد من تفرد "رفاقه" وضباط اللجنة العسكرية بالبلاد إلى تفرد شخصي

نقل الأسد الأب تدريجياً قيادات الفرق العسكرية، إلى ضباط مقربين من الطائفة العلوية، وخاصة الفرق ذات الثقل العسكري القوي والتسليح الجيد، مثل الفرقة الثالثة (شفيق فياض) والفرقة الأولى (إبراهيم الصافي)، ناهيك عن الحرس الجمهوري الذي أسسه عام 1976 بقيادة شقيق زوجته عدنان مخلوف، إضافة لسرايا الدفاع بقيادة شقيقه "العريف" رفعت، والذي منحته موسكو شهادة الدكتوراه الفخرية فيما بعد عن أطروحته حول الصراع الطبقي في سوريا، والوحدات الخاصة بقيادة علي حيدر، أما فروع المخابرات سيئة السمعة بمراقبتها وتعذيبها للسوريين (الجوية والعسكرية) فكانت من نصيب محمد الخولي وعلي دوبا.

بعد أزمة مرض الأسد الأب عام 1984 وتصارع الأجنحة الحاكمة داخل سلطته، وخاصة بين أخيه رفعت ومن خلفه سرايا الدفاع وما عُرف بتكتل العليين (علي دوبا وعلي حيدر وعلي أصلان) تمكن الأسد من التخلص منهم واحداً بعد الأخر، وأسس الفرقة الرابعة اعتماداً على هياكل وعناصر سرايا الدفاع بعد إبعاد قائدها رفعت، التي تُعدّ الآن من أقوى الفرق في سوريا وأكثرها قذارة بحق السوريين وخاصة بعدما آلت قيادتها مؤخراً إلى ماهر الأسد.

استطاع الأسد الأب التخلص من كل الخصوم الأقوياء الذين يمكن أن يشكل وجودهم تهديداً للوريث، وأتى بشخصيات موالية للوريث من الصفوف الثانية في الفرق وفروع المخابرات، ومعظمهم من الطائفة العلوية، وذلك بعد وفاة شقيقه الأكبر باسل، الذي كان يُعد لوراثة أبيه.

تسلم بشار الرئاسة عام 2000 وحوله قادة فرق وفروع المخابرات من شخصيات تربوا تحت رعاية والده واختبرهم في مجازر التي ارتكبوها بحق السوريين سواء في مدن حلب وحماة وسجن تدمر وغيره من الأماكن التي شهدات حركات احتجاج ضد نظامه. ولزوماً لـ "التعددية" ومشاركة الآخرين في السلطة، كان هناك ثمة ضباط من الشرائح الأخرى في سوريا، الباحثين عن الفتات مقابل ولائهم المطلق لسيد نعمتهم الذي اختبر ولاءهم في أكثر من مرة.

لم يكتف الوريث بالهيمنة على القطاعين العسكري والمخابراتي، فالتفت تحت ضغط أصحاب الأموال الجدد من الضباط والأقرباء، بعد التحولات التي أجراها بموجب قرارته النيوليبرالية في الاقتصاد، فبرز اسم قريبه رامي مخلوف كمهيمن على كثير من القطاعات الاقتصادية وحوله مجموعة من رأسماليي المحسوبية الذين ترتبط ثروتهم بمدى ولائهم للعائلة "الكريمة"، كما ذكر اللواء علي حيدر، قائد الوحدات الخاصة ذات يوم: كل هذه الثروة والقصور، تنتهي بمجرد كلمة أو قرار من الرئيس...

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، بمظاهراتها السلمية، واعتقاداً من الشباب أنه يمكنهم من تغيير النظام، مثل ما حدث في تونس ومصر من قبل، واجههم النظام بأجهزته السرطانية بالاعتقال والرصاص، جربوا تقديم الورود والمياه له، فقابلهم بالرصاص: الدم مقابل الورود والمياه. أما الاعتقال فحكاية أخرى، حيث لم يشهد مثيلاً لها عبر التاريخ الحديث، مؤسساً لتجربة فريدة في الاعتقال والتعذيب تقوم على إهانة كل القيم البشرية، فعدا عن التعذيب الجسدي الذي فاق كل تصور (حتى ما تخيله جورج أورويل في رائعته 1984)، لجأ في كثير من الأحيان إلى الاغتصابات الجنسية للمعتقلين والمعتقلات، وعلناً، اغتصاب الزوجة أمام زوجها، أو الابنة أمام أبيها والأخت أمام أخيها، والعكس، في عملية الغاية منها قتل روح التمرد إلى الأبد في وجه الأسد.

استطاع الأسد الأب التخلص من كل الخصوم الأقوياء الذين يمكن أن يشكل وجودهم تهديداً للوريث، وأتى بشخصيات موالية للوريث من الصفوف الثانية في الفرق وفروع المخابرات

أمام كل هذا، كان من الطبيعي جداً أن تنشأ حركة مسلحة لمواجهة هذا الطغيان والإبادة التي يمارسها النظام بحق الثائرين، وأمامه أيضاً، لم يكن هناك أي فضاء رمزي ومعنوي يمكن أن يكون سنداً للبشر على تحمل كل هذا القهر غير اللجوء إلى الله، حيث عبروا عنه بشعار (ما لنا غيرك يا الله)، وخاصة في مجتمعنا ذي الأغلبية الإسلامية السنية، المضطهدة على مدار سنوات حكم العائلة الأسدية، والتي لاقت النصيب الأكبر من كل عمليات القتل والاعتقال وخبرت كل أشكال الموت في عهدها. وبالتالي كان الطابع العام للحركة المسلحة التي نشأت لمقاومة النظام هو الطابع الإسلامي.

زاد النظام في درجة المواجهة مع العسكرة، فاستخدم كل صنوف الأسلحة التقليدية والكيمياوية، لدرجة دفع البشر نحو التعصب والتطرف، وهو المناخ الذي استثمرت فيه تيارات الإسلام السياسي الجهادية مثل جبهة النصرة وداعش، حيث تمكن بعد ذلك بمساعدة داعميه خاصة الروس، وأصحاب الدعوات السلمية من "اليسار" الداخلي والعالمي على تحويل الثورة التي تنشد الكرامة والحرية إلى معركة مع الإرهاب الذي تمثله الحركات العسكرية الإسلامية، مع سكوت مطلق عن إرهاب النظام وميليشيات إيران الطائفية وروسيا الذي أباد مدن وبلدات وأحياء بالكامل وسواها مع الأرض فوق رؤوس ساكنيها.

أما ما آلت إليه الثورة اليوم، فأسبابه عديدة وأولها وأكثرها أهمية هو العنف المفرط الذي يمارسه النظام وحلفاؤه من إيران وروسيا يومياً تجاه السوريين، وثانيها الاستتباع الاقليمي والدولي لحد الارتهان، والخطاب الطائفي للتنظيمات الجهادية الإسلامية والتناحر البيني بين التيارات السياسية والفساد السياسي والمالي.

إن نسب الفشل الحالي إلى عسكرة وأسلمة الثورة يحمل في طياته نزعة تهرب من تحمل المسؤولية، كما يشير إلى عدم إدراك لطبيعة النظام من جهة، ومن جهة أخرى إلى وهم تغيير مثل هذه الأنظمة وخاصة نظامنا بالورود والمظاهرات السلمية يشابه كثيراً وهم الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية التي تعطي إحداثيات مواقع مشافيها للروس كي لا يقصفها طيرانهم.

 

    

 

شارك برأيك