أحدث صدور ديوان «صرخة قلم» للشاعر نضال السماوي ضجةً كبيرةً بين النقاد والأوساط الإعلامية المناوئة لنظام الطاغية. فيما قرأتُ وسمعتُ في الإعلام، يضم الديوان قصائد نارية تهاجم القمع والاستبداد والفساد في البلاد. ومما زاد في شعبية السماوي وديوانه هو أنه مؤسس منتدى الإنصاف، وهو أحد منتديات المجتمع المدني التي انبثقت في البلاد يوم توهَّم الحالمون أن وريث العرش لن يقتفي أثر أبيه في الحكم. هرب السماوي، كما هرب كثيرون غيره، إلى المنفى، فأتاح له هذا الوضع حريةً في التعبير ما كان يحلم بها لو بقي حبيسًا في بلاده.
كنت قد التقيت شاعرنا في منزل خاله يوسف قبل سنوات في منفانا الاختياري، ولم تُتح لنا فرصة لقاء آخر، ولكنه كان يعرف نشاطي في مجال الترجمة الأدبية. كان خاله صديقًا قديمًا لي وزميل دراسة أيضًا. من جهتي لم أطلع على الديوان بالرغم من الضجة التي أحدثها.
في رحلتي الأخيرة إلى إسطنبول، كنت أتناول الغداء في مطعم عربي وحين اتجهت إلى الصندوق لدفع الحساب، وجدت شخصًا يضع قبضتيه الثقيلتين على كتفيَّ من الخلف ويشدهما كأنه يريد تثبيتهما. أنا لا أجيد المصارعة، فما الذي يمكن أن يريده هذا المصارع المتنمِّر على رجل ضعيف مثلي؟ التفتُّ مرعوبًا فإذا هو الشاعر المشهور نضال السماوي. قبل أن أسلِّم عليه، خطر ببالي: كيف لشاعر أن تكون له مثل هاتين القبضتين اللتين لم أنتبه إلى حجمهما حين التقيته في المرة الأولى في بيت خاله؟
سألني بدهشة وفرح ظاهرين، "إذن أنت من زبائن مطعمنا! مرحبًا بك مرحبًا!"
سألته بسذاجةٍ باديةٍ على مُحَيّاي، "مطعمكم؟"
كنت قد نسيت أن خاله قبل أن يموت بالجلطة ومضاعفات الفشل الكلوي قد أخبرني أن ابن أخته قد افتتح مطعمًا فاخرًا في إسطنبول. والحقيقة أن ما جذبني إلى هذا المطعم الذي وجدته مصادفةً لم يكن فخامة الديكورات ولا قائمة الطعام المعروضة عند مدخله باللغات العربية والتركية والإنجليزية، بل الفضول لمعرفة تسميته الطريفة: بوز القلم!
منعني السماوي من دفع المئة ليرة وهو يقول، "عيبٌ، يا رجل. هذه إهانة لي. أنت ضيفي في ’بوز القلم‘ ما دمت في إسطنبول."
قادني إلى زاوية خاصة بكبار الزبائن في المطعم وطلب لي فنجان قهوة "سُكَّر زيادة."
قال لي، "كان خالي، رحمه الله، يحدثني عنك كثيرًا منذ كنتما طالبين في الجامعة."
قلت له، "وقد حدثني عنك كثيرًا أيضًا، لكن قبيل وفاته، رحمه الله."
تشكلت على مُحَيَّاه سُحُبٌ داكنةٌ مفاجئةٌ، فراح يفرك رقبته بنزق.
جاءت القهوة التي طلبها، فدفعت الفنجان نحوه. سألني باستغراب، "ألا تشرب القهوة؟ هذا الفنجان لك!"
قلت له، "أنت طلبت القهوة على ذوقك، لا على ذوقي، ولذلك أرى أنك أولى بهذا الفنجان مني."
أحس بشيء من الحرج بسبب هذه الهفوة الدبلوماسية من جانبه وبسبب صراحتي الجارحة. طلب لي هذه المرة فنجان قهوة على ذوقي أنا.
قال لي، "تعجبني صراحتك – ربما لهذا أحبّك خالي. وأنا أريد أن أصارحك بفكرة تشغلني منذ فترة، ولكن موت خالي المفاجئ قطع وسيلة التواصل معك، وحال دون تحقيقها."
قلت له، "تفضل."
"ما رأيك بديواني «صرخة قلم» الذي صدر منذ ثلاث سنوات؟"
"لم أقرأه، لكن قرأت جذاذتٍ عنه."
"معقولة يا أستاذ؟ إني عاتبٌ عليك."
"حالت ظروف كثيرة دون ذلك."
"لا بأس. أريد أن أطرح عليك فكرة ترجمة الديوان إلى اللغة الإنجليزية."
لم أُبْدِ أي استجابة.
"فهل عندك رغبة في ذلك؟"
"هذا يعتمد على توصلنا إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف."
"ممتاز. كم تتقاضى على ترجمة الصفحة الواحدة عادةً؟"
"أتقاضى ثلاثين دولارًا عن الصفحة الواحدة بغض النظر عن عدد الأسطر فيها."
أجرى حساباتٍ سريعةً في ذهنه، ثم سألني، "ألا تُراعي ابن أخت أعزِّ صديقٍ لديك؟"
"بلى، وكيف لا؟ كم عدد صفحات الديوان؟"
"مَائة وخمسةٌ وخمسون صفحة."
"تقصد: مئةٌ وخمسٌ وخمسون صفحة."
"ما الفرق بين ما قلت أنا وما تفضلتَ به؟"
"أولا، الرقم 100 يُكتَب ’مِئة‘ وليس ’مَائة.‘ وحتى لو كتبتَها بالألف، فهي تُلفظ بكسر الميم وليس بفتحها. ثانيًا، الرقم 5 يخالف المعدود ’صفحة‘ في التذكير والتأنيث. أليس كذلك، يا نابغتَنا السماوي؟"
"الآن أدركتُ أكثر لماذا كان خالي معجبًا بك."
"رحمه الله، ارتاح من نكد الدنيا وأهلها."
"لم تقل لي: كم تريد أجرًا للصفحة الواحدة؟"
"سأخصم لك أجر خمس صفحات، إكرامًا لذكرى خالك يوسف."
أجرى حساباتٍ سريعةً في ذهنه من جديد، وقال، "يعني تريد مني مبلغ 4500 دولار؟"
"لا، هذا الأجر الذي كنت سأطلبه من زبون لا أعرفه. أما أنت فلأني أعرفك جيدًا فلا يمكنني إلا أن أُكْرِم ذكرى صديقي – خالك يوسف."
"بارك الله، بك، أنا بالفعل عاجز عن شكرك."
نظر إلي والفضول يأكل رأسه.
قلت له، "لا أريد منك أيها الشاعر السماوي سوى مئة وخمسين ألف دولار!"
"لم يذكر لي خالي قط أنك صاحبُ نكتةٍ أيضًا."
"صحيح، وأنا بالفعل لا أمزح. واللهِ لستُ أمازحك."
عقدت الصدمة لسانه مدةً قبل أن يجده من جديد.
"هل يُعقَل أن يطلب مترجمٌ مبلغ مَائة – أقصد مِئة – وخمسين ألف دولار من أجل ترجمة ديوان شعري بائس؟"
"أنا لم أقل إن هذا المبلغ هو أجر ترجمتي لديوانك."
"أنا لا أفهمك. أنت تتكلم بالأحاجي والألغاز. أرجوك، كلمني بصراحة!"
"بصراحة، أنا مستعد لترجمة ديوانك – البائس كما أسميته أنت – بلا مقابل، ولكني لن أتنازل عن مبلغ المئة وخمسين ألف دولار الذي ذكرتُه لك قبل قليل."
"يا إلهي، أنت ما زلت تتكلم بالألغاز."
"لا أريد المئة وخمسين ألف دولار لنفسي، بل أريد أن آخذها منك لأردها إلى أيتام خالك الذي اقترضت منه هذا المبلغ لتفتتح به بوز قلمك هذا، ولم ترأف لحاله وهو يناشدك أن ترد إليه مبلغًا قليلًا لإجراء عملية تفتيت لحُصَيّات الكلى التي نزلت في الحالبين وسدت مجرى البول، ولم يعد يقوى على التبول إلا بالقسطرة، وظل يتألم عدة أشهر حتى أُصيبت كليتاه بالفشل. وحين رحتَ لا ترد على مكالماته، بل غيرتَ رقمك، مات بالجلطة من شدة القهر وهو يراك على شاشات التلفزة تناضل باسم المقهورين."
"يبدو أنني أخطأت العنوان."
"يبدو؟ بل يقين."
تركتُه فاغرَ الفمِ ونهضت. عند مدخل المطعم وجدت طفلةً – بعمر ابنة يوسف – تشحذ. ناولتها المئة ليرة تركية وقلت لها، "عن روح يوسف."