عن جريمة قلة الشرف...

تاريخ النشر: 27.09.2018 | 00:09 دمشق

ليست المرة الأولى التي تحمل بها النساء والفتيات شرف العائلة بمفهومه المغلوط المرتبط حصرا بجسدها، فقد اعتادت شعوبنا في شرقنا المقيد بعادات وتقاليد ظالمة أن تكون الأنثى فيه الضحية الدائمة لمنظومة مغلوطة من الأفكار البالية والمجرمة والقائمة على انتقاص قيمتها الإنسانية ووضعها في مرتبة أدنى من الرجل، في أن تعتبر تلك الأنثى كائناً مباح قتله، لتزهو الرجولة بقيمة شرفها المغلوطة وترقص القبيلة وتهلل فوق جسدها المسجى بالدماء المسفوكة ليسمو شرف العائلة.

شرف العائلة الذي أتكلم عنه هو الذي يدمر في أن تتأخر تلك الفتاة بالعودة من المدرسة مثلاً ليهدر دمها، في أن تتزوج من تحب من خارج الطائفة أو حتى من نفس ملتها ولكن باختيارها حين يرفض "الوصي" حبيبها المتقدم إليها "للزواج"، أو من أجل علاقة حب يراد أن تنتهي بالزواج بين الحبيبين سمع بها ذكور العائلة من أحد أفراد القبيلة، أو حين تتم مباغتتها تتكلم خلسة على الموبايل.

لن تمنح تلك الأنثى فرصة للتفسير، ولن يمنحها القانون حقها بعد قتلها من خلال الاقتصاص من القاتل،

اعتادت النساء في شرقنا ذلك على أن يكن تحت الوصاية، وصاية الأب والأخ والابن، وابن العم، والجار، وأي ذكر في القبيلة لكنها لم تكن أبداً وصية على نفسها إلا بإذن القاضي "الذكر غالبا".

فالقاتل ينقذ شرف العائلة، والقبيلة والأوطان التي اعتادت الظلم لن تمنحها حتى جنازة تليق بإنسان عبر بأحاسيسه ولحظات نموه لحظة لحظة بينهم في نفس المنزل والحي ومن نفس العائلة، إنسان ضحك وبكى وأحب وكره أصاب وأخطأ ككل البشر يا مجمع الملائكة المعصومون عن الخطأ..

وسينسى الأب القاتل أو الأخ أو الذكر المرتبط بتلك الأنثى كل تلك اللحظات الإنسانية التي جعلت قلبه يخفق بمحبة فرد من أفراد العائلة تشارك وإياه الطعام والهواء والمسكن والمشاعر والأفكار والنمو. فما يقوله الجيران أهم من ذلك بكثير، وما يقوله مدرس أحمق عن تربية ذلك الذكر أهم بكثير من حياة تلك الأنثى.

اعتادت النساء في شرقنا ذلك على أن يكن تحت الوصاية، وصاية الأب والأخ والابن، وابن العم، والجار، وأي ذكر في القبيلة لكنها لم تكن أبداً وصية على نفسها إلا بإذن القاضي "الذكر غالبا"، ليأتي قاض آخر ويحكم بإطلاق سراح القاتل أو منحه عقوبة مخففة يستطيع أن يقضيها واقفاً على قدم واحدة بينما دماء تلك الفتاة ما تزال تصرخ طلبا للعدالة.

في شرقنا يا سادة يا أصحاب الشرف تزغرد بعض النساء اللواتي يحملن نفس المفهوم للشرف الموبوء بالغباء ليس فرحا بعرس الابنة بل فوق جسدها المقتول وعينيها الجاحظتين دهشة من هول بشاعة الصدمة فقاتلها هو ذاته من كانت ترى فيه القدوة والهيبة، هو ذاته من أحبته وحدثت عنه صديقاتها في المدرسة.

وسيعود الشرف لتلك العائلة ما أن تسفك تلك الدماء بالشبهة، ولكنه ليس مطلوباً أبداً حين تنكثون العهود، وحين تكذبون، وحين تسرقون، وحين ترشون وترتشون، أو حتى حين تنتشون بعلاقاتكم المخلة بالشرف وتخونون زوجاتكم، فالذكور معصومون عن النقد ويحق لهم الخيانة كما يحق لهم أن يفعلوا ما يشاؤون في مجتمع يقول بكل وقاحة (عيب الرجل على صباطه).

جريمة قتل ديانا في السويداء ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، فالقانون ما زال قاصراً بوجود العذر المخفف للعقوبة لمن يقتل بذريعة الشرف، والمجتمع ما زال دائخاً في أن يعتبر الجريمة جريمة، أو أن يعتبرها قضية قابلة للتداول والنقاش على أساس أنها خلاف في الرأي فقط يحتمل الخلاف في وجهات النظر بين رأيين: إحداها يقول اذبحوها، والآخر يحاول الدفع عما تبقى من
إنسانية مسفوحة على مذبح أوطاننا الظالمة بشتى الأشكال والصور.

وسيدوخ الكثيرون في البحث عن مسوغات دينية للجريمة،

لا يختلف القاتل في جريمة قتل ديانا بالأمس عمن ينفذ الرجم بفتاه في شمال البلاد بلحية طويلة مكبراً مهللاً.

أو موانع دينية لها، ليختلف الفقهاء كالعادة في وسم الجريمة باسمها الحقيقي "جريمة قلة شرف" قلة شرف من القاتل والمجتمع والقانون والمشرع الذي وضع ذلك القانون.

بعد كل ذلك الدوار سنهدأ لنصحو مجددا على وقع جريمة أخرى لا تقل بشاعة عن سابقتها، ما لم تتحرر مجتمعاتنا من وباء التخلف والانتقاص من قيمة البشر والحياة.

لا يختلف القاتل في جريمة قتل ديانا بالأمس عمن ينفذ الرجم بفتاه في شمال البلاد بلحية طويلة مكبراً مهللاً، ولا يختلف أيضا عن جريمة ما تزال حية في ذاكرتي لقتل فتاة أخرى كان ذنبها أنها تزوجت من خارج الطائفة منذ سنوات طويلة فالقتل قتل والمجرم مدان أياً كان.

وبالمناسبة ولكل محيي جريمة قتل النساء بذريعة الشرف أقول: تباً لكم ولشرفكم الممهور بالدماء يا كل الموافقين على جرائم الشرف الرحمة على روحك ديانا، هدى وسناء وغيرهن والقائمة تطول.

كلمات مفتاحية