عن ثورة أجبرت خامنئي أن يتحسس رقبة زمنه

تاريخ النشر: 31.10.2019 | 15:52 دمشق

آخر تحديث: 31.10.2019 | 23:03 دمشق

شاء المرشد الأعلى الإيراني التعامل مع ثورة لبنان على المنوال نفسه الذي أطلق مساره في العراق، أي الحل الأمني. أطلق رسائل تدعو إلى الحفاظ على الأمن ورفض الإخلال به داعيا إلى قمع المحتجين بالقوة. رد رئيس البلاد على رسالة الخامنئي بوسيلة بدائية حيث حرص على أن يفرض على القنوات التلفزيونية اللبنانية حالة من التعتيم الإعلامي، ومنع البث المباشر للاحتجاجات، تمهيدا لتدبير شؤون الحل الأمني التي نادى بها خامنئي، وتطبيقها على الثورة اللبنانية.

من هنا يبدو السؤال عن خوف خامنئي من ثورة لبنان شديد الوجاهة في هذه اللحظة، فبعد أن كان المشهد العام في البلاد قد أقفل تماما على لحظة الاعتراف الكامل والمطلق بسلطة الحزب الإلهي الموالي له على كل شيء، انقلبت الأمور بشكل تام خلال أيام قليلة، وظهر هذا الحزب وكأنه بلا حيل ولا أدوات، والأخطر بالنسبة له أنه ظهر في هيئة الفاقد للخطاب والكلام.

يمكن القول إن لبنان وليس العراق على الرغم من أهميته الإستراتيجية الفائقة هو من يشكل درة تاج النفوذ الإيراني في لحظة حزب الله، وذلك لأسباب عديدة أهمها أن لبنان كان يمثل في روحه وفي معناه الشكل الأكثر تناقضا مع كامل البنية الإلهية ومفرداتها ومعالمها.

 انتصار إيران عليه لم يكن بالسطوة الأمنية والعسكرية وحسب، بل لم تتأكد إيران من أنها قد أحكمت فعلا قبضتها عليه إلا حين نجحت في مصادرة الخطاب والكلام والثقافة والأمل، وجعلها تردد أصداء لغتها وكلامها وفعلها، وهكذا أمّنت انتقالا آمنا وسلسا ومريحا، اعتقدته نهائيا من السطوة الخارجية إلى السكن في بنية الأفكار والأحلام والمعتقدات، أو هكذا خيّل لها.

الأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى. تكفي متابعة كلام جُل السياسيين لا بل مفردات الفن والثقافة في الفترة الأخيرة، لنعثر على موجة عارمة من التصلب وفقدان الصلة بالزمن، اعتبرها المرشد الأعلى وجماعته اللبنانية إيذانا بنشوء زمن الأبد الإيراني في لبنان.

ما يحدث حاليا في الساحات ليس احتجاجا على هذا الزمن أو رفضا له

يكتب اللبنانيون على صفحاتهم على صفحات التواصل الاجتماعي حاليا تعريفات جديدة لأنفسهم. لا أحد يقول إنه من مكان محدد أو بيئة محددة

بل يمثل نفيا تاما ونهائيا له، وقطيعة حادة وراديكالية مع كل مظاهره وعناوينه، ولغته وصفاته، وأخلاقه وإعلامه.

فجأة تحول كل ما يتصل بهذا الزمن إلى سبة وعار، وانفجرت عناوين شرعية جديدة تم تثبيتها بقوة الساحات ولا مركزيتها وخروجها من العناوين الذي اعتقد المرشد أنه باق طالما بقيت قائمة وموجودة، ألا وهي العناوين الطائفية المناطقية.

يكتب اللبنانيون على صفحاتهم على صفحات التواصل الاجتماعي حاليا تعريفات جديدة لأنفسهم. لا أحد يقول إنه من مكان محدد أو بيئة محددة، فالكل يقول أنا من صيدا، وبيروت، وصور، وطرابلس والنبطية، والعبدة، وعكار وبعلبك وكل زاوية في لبنان.

كل هذه السياقات من شأنها أن تصيب منظومة المرشد بمقتل في لبنان، لأن حلولها التي طالما أثبتت جدواها لم تعد ممكنة. بعد أن كانت سطوة نصرالله عبارة عن ظل أسود ضخم مفلوش على امتداد مساحة البلاد، ويكفيه الإيحاء يما يريد حتى تصبح كل آلات الإعلام والسياسة والجيش وغيرها مسخّرة لتفيذ فحوى إيحاءاته، بات الآن مضطرا أن يرسل شبيحته إلى وسط البلد، دفاعا ليس عن سيطرته المزعومة على عدة عواصم عربية، ولكن للذود عن شخصه ضد شتيمة حولت ظلال قداسته إلى كاريكاتور.

يعلم الخامنئي ومعه نصرالله أن ما أُسِّسَ في ميادين الثورة لا رجوع عنه، فبعد تحويل هالتَيهما إلى كاريكاتور فإن ما يلي ذلك هو أن تسحب منهما القدرة على تأويل أي شيء أو امتلاك الحق في خلق المعاني، وهذا الأمر أصاب حاليا كل الطبقة السياسية في لبنان.

استقال الحريري ولكنه لم يكن قادرا على منح استقالته أي معنى يريده. الناس تعرف أمرا واحدا هو أنه استقال لأنها تريده أن يستقيل، وربما من هنا يمكن أن نفهم أن استعمال كلمات والده الشهيد رفيق الحريري في سياق الاستقالة لم يعد مفيدا أو ربما لم يعد في صالحه. "ما في حدا أكبر من بلدو"، وهي كلمة شهيرة للشهيد رفيق الحريري، تكتسب حاليا معنى لا يستطيع سعد الحريري التحكم به، وهو في أبسط تجلياته يعني أنه لا أحد وأولهم هو شخصيا يستطيع أن يتجاهل الناس ومطالبهم، وأن عليه الآن أن يخرس ويتعلم.

لا يجيد الخامنئي قمع ثورة لبنان بنصرالله ولا بالرئيس المترهل ميشال عون ولا بأي جهاز أمني رسمي أو غير رسمي، لأنه ببساطة يجهل ماذا عليه أن يقمع، لذا يحرص على فرض بنية محددة للثورة كي يمكنه قمعها.

بنيته المتحجرة لا تستطيع فهم ماذا يجري ولا التعامل مع بنية ثورة تتألف من حشد دائم التوسع من العناصر المتناهية في الصغر والدائمة التوالد والتوسع.

ماذا ستفعل آلة القمع الإيرانية بأيديها اللبنانية أمام ثورة تعمل من خلال حد أقصى من التجريد على مستوى تحديد المطالب والقيادة والتنظيم، وفي الوقت نفسه تحرص على خلق مشهد ميداني مباشر ومتجدد وحيّ.

يحب القمع والاختزال لذلك يُصرّ نصرالله على محاولة التحديد والتكثيف، يريد قيادة، يريد أبطالا أو مشاريع شهداء أو خونة، ولكنه لا يجد أمامه سوى الراقصين والساخرين والمدخنين وشاربي الكحول والغاضبين.

تلعب منظومة القمع على التخويف من المجهول من دون أن تدري أنها تقدم للثائرين

نحن هنا في ساحات ثورة لبنان نعلن أننا أجبرنا المرشد الأعلى على تحسس رقبة زمنه لأننا لا نمثل خطابا سياسيا يمكنه بسهولة تسفيهه والرد عليه

عليها الحجة الأكثر بلاغة ووجاهة، والتي تقول ببساطة إن الفرق بين ما هو مؤكد والممثل بحتمية استحالة العيش والوجود في ظلالها يجعل من كل مجهول أملا يجب الدفاع عنه حتى الموت، وإن هذا المجهول هو المنتظر والمنشود والمشتهى.

أي قمع سيحدث أمام سيرورة متواصلة تتجه بكامل حركتها نحو المستقبل لن يصيب هدفه، وذلك لأنه لن يمكنه سوى أن يؤثرعلى لحظة سابقة من عمر ثورة تتسم بقدرتها على خلق تسارع شديد في أدواتها، وعقلها، وخطابها وحركتها.

نحن هنا في ساحات ثورة لبنان نعلن أننا أجبرنا المرشد الأعلى على تحسس رقبة زمنه لأننا لا نمثل خطابا سياسيا يمكنه بسهولة تسفيهه والرد عليه، بل لأننا نمثل شكل حياة يشتهيه الشعب الإيراني وكل شعوب المنطقة، وقد شاهدونا نمارسه ونحياه على الرغم من وجود الحزب الإلهي بكامل سطوته الأمنية ونزعاته الدموية.

شاهدتنا شعوب المنطقة ننتصر بمجرد أن توقفنا عن السكن في حياة كان يعدها لنا بالقمصان السود والدم والبؤس والترهل.

دخلنا إلى الساحات نقبّل ونرقص ونغني ونشتم فبات زمنه غابرا وسحيقا، وباتت لغته معجمية قاموسية، وبات كل ما يمثله متجمدا أمام نهر الخفة الدائم الجريان الذي يحول العصا الغليظة إلى بالون، والخيار الأمني الى فعل بائس ويائس، يقع خارج الزمن.

درعا.. ملازم في جيش النظام يهين لؤي العلي رئيس "الأمن العسكري"
تنفيذاً للاتفاق.. النظام يدخل تل شهاب غربي درعا ويفتتح مركزاً "للتسويات"
مع تسارع التطبيع.. هل ينجح الأردن في إعادة تعويم الأسد؟
تركيا.. عدد متلقي جرعتين من لقاح كورونا يتجاوز 68 في المئة
"محافظة حماة" تغلق صالات التعازي حتى إشعار آخـر
"الإنقاذ" تغلق المدارس وأماكن التجمعات في إدلب بسبب انتشار كورونا