شكّلت مصادقة الكنيست الإسرائيلي على قانون يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، خطراً جديداً وغير مسبوق يهدد حياة جميع الفلسطينيين المقيمين في الأراضي المحتلة وليس القابعين في السجون الإسرائيلية فقط، ما دفع بآلاف المحتجين في مدن سورية عديدة للخروج في مظاهرات رافضة للقانون، وتدعو إلى نصرة غزة وفلسطين.
وأعربت دول ومنظمات عديدة عن إدانتها للقانون الذي أقره الكنيست في 31 من آذار المنصرم، وسط تحذيرات حقوقية من خطورته البالغة على الأمن الإقليمي، ودعوات عربية وإسلامية ودولية إلى تحرك عاجل لوقفه لما يمثله من جريمة ضد الإنسانية، وانتهاكاً صارخاً لكل المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات الدولية لحماية الأسرى.
في سوريا، جاء التعبير عن السخط وحالة الغضب عبر مظاهرات حاشدة اجتاحت يوم الأربعاء العاصمة دمشق وريفها ودرعا والقنيطرة، وكذلك في حمص وحماة واللاذقية وحلب وإدلب ودير الزور، تنديداً بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، وللمطالبة بنصرة فلسطين المحتلة وقطاع غزة.
أبرز تلك التظاهرات جاءت في درعا، حيث خرجت مظاهرات ليلية في عدد واسع من مدن وبلدات المحافظة، في حين شهدت دمشق وقفات أمام مؤسسات دولية وتجمعات في عدة أحياء، بالتوازي مع احتجاجات في مخيمات فلسطينية وريف العاصمة. كما شهدت حلب وقفات داخل جامعة حلب ومناطق أخرى من المحافظة.
ورفع المحتجون علميّ سوريا وفلسطين ولافتات تطالب بإلغاء القانون وتؤكد التضامن مع قطاع غزة، وإعادة فتح المسجد الأقصى الذي أغلقته سلطات الاحتلال قبل نحو شهر.
تزامنت تلك التحركات والتظاهرات مع توتر محدود في جنوبي البلاد، على خلفية توجه مجموعات من المحتجين نحو مناطق قريبة من خطوط التماس مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، ما دفع الأخيرة إلى إطلاق قنابل مضيئة في أجواء محافظة القنيطرة، وسط مخاوف من اتساع رقعة الاحتكاك المباشر.
القضية الفلسطينية في الحراك الشعبي السوري
هذا الحراك الميداني الذي انتشر عبر مقاطع مصورة على منصات التواصل الاجتماعي، شهد تفاعلاً واسعاً بين السوريين الذين أشاد فريق منهم بالتظاهرات والاحتجاجات التي اعتادوا على تنظيمها كلما تعرّض الفلسطينيون لاعتداء سافر أو قرار جائر من سلطات الاحتلال خلال العقود الماضية.
وشكّلت انتفاضة فلسطين الأولى (انتفاضة الحجارة) بين عامي 1987- 1993، وانتفاضة فلسطين الثانية (انتفاضة الأقصى) بين 2000- 2005، والحروب الإسرائيلية المتلاحقة على غزة (بعد صعود حركة حماس ونجاحها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006) محطّات رئيسة للحراك الشعبي المناصِر للقضية الفلسطينية في سوريا، وقد حرص نظام الأسدين الأب والابن على استغلال واحتواء ذلك الحراك، لما له من قدرة "تنفيسية" على المحتجين، بينما شددت أجهزته الأمنية على حراك المشاركين داخل أحياء المخيّمات الفلسطينية بالعاصمة دمشق.
عقب اندلاع الثورة في ربيع 2011 واتساع دائرة العنف والدمار بحق المدنيين، غابت الفعاليات المتعلقة بالقضية الفلسطينية عن الساحة السورية، بالتزامن مع إغلاق مكاتب حركة حماس في دمشق وما تبعه من تدمير كامل لمخيم اليرموك، وصولاً إلى الإعلان الصريح لرئيس النظام المخلوع بشار الأسد تنصّله عن القضية الفلسطينية وفلسطين عام 2021 في كلمته الشهيرة التي قال فيها "لتذهب القضية الفلسطينية إلى الجحيم".
إلا أن مساندة القضية الفلسطينية ونصرة الشعب الفلسطيني في غزة، لم تغب عن فعاليات السوريين النازحين والمقيمين حينذاك في "المناطق المحررة" في شمال غربي سوريا، وفي درعا، وخاصة بعد بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع منذ تشرين الأول 2023.
"موقف السوريين لم يتغيّر"
ويرى الأكاديمي والخبير في الشأن الفلسطيني، مأمون أبو عامر، أن "الحراك لنصرة فلسطين ليس جديداً على الشعب السوري، إلا أن المظاهرات الأخيرة جاءت أصدق وأشجع من التي كانت تحدث خلال حقبة نظام الأسدين".
ويقول أبو عامر في حديث لموقع تلفزيون سوريا، إن الحراك في زمن النظام المخلوع "كان عبارة عن مسيرات كلاسيكية، غالبيتها من تنظيم الأجهزة الأمنية حينذاك"، أما مظاهرات الأمس فجاءت نتيجة "اندفاع عاطفي شعبي عفوي"، مؤكداً أن الشعب السوري في كلا الحالتين كان صادقاً في مشاعره إزاء القضية الفلسطينية.
ويضيف: "لا شك أن المظاهرات جاءت في وقت صعب جداً بالنسبة لسوريا التي تمر حالياً بمرحلة حساسة من بناء الدولة، والتوترات التي تشهدها المنطقة في ظل الحرب بين إسرائيل وأميركا من جهة وإيران من جهة أخرى".
وأردف: "لكن هذا الحراك منح الأمل للفلسطينيين بشكل عام ولأهل غزة بشكل خاص، الذين يشعرون اليوم بأنهم متروكون في هذه الحرب لمصيرهم، وسط محاولات الاحتلال الإسرائيلي التفرد بالفلسطينيين وإصدار هذا القرار الإجرامي بإعدام أسراهم".
وأشار الخبير الفلسطيني إلى أن بيان الناطق باسم كتائب القسام (أبو عبيدة) الذي أشاد من خلاله بموقف الشعب السوري، تقديراً لخروجه في مظاهرات حاشدة دعماً للمـقاومة الفلسـطينية ونصرةً للمسجد الأقصى والأسرى، يؤكد مدى سعادة وامتنان الشعب الفلسطيني.
وقال إن "أصوات أهلنا العالية في جنوبي سوريا وخاصة في محافظة درعا، وهتافاتهم الداعية إلى الجهاد ونصرة أهل غزة، مثّلت انفجاراً للمشاعر الحقيقية المخزونة في الشارعين العربي والإسلامي، ودليلاً على أن سوريا ستأخذ دورها الطبيعي تجاه الأمة، وبأن موقف السوريين الداعم والمساند للقضية الفلسطينية لم يتغيّر".
تداعيات الاحتجاجات.. تحذيرات ورسائل
فريق آخر من السوريين، حذّر من تداعيات وتطورات الحراك الأخير وأبعاده السياسية والأمنية على البلاد التي تتعرض منذ سقوط نظام الأسد في كانون الثاني 2024، لاعتداءات إسرائيلية متواصلة، ومحاولات جر سوريا الى ساحة الحرب الجارية في المنطقة.
التحذيرات جاءت بعد تداول منصات التواصل الاجتماعي، تسجيلات مصورة تظهر اقتراب بعض المحتجين في ريف محافظة درعا من خطوط التماس مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في المناطق المحتلة جنوبي سوريا، بالإضافة إلى إطلاق هتافات وبيانات تدعو إلى "الجهاد" ومحاربة إسرائيل.
ورأى الإعلامي والناشط الاجتماعي، مشعل العدوي، أن البيانات التي أطلقها محتجون في تظاهرات الجنوب السوري "ليست وطنية ولا بريئة، وتخدم أهداف إيران وإسرائيل ولا تخدم المصلحة الوطنية، وعلى الدولة السورية أن تتحرك فوراً".
بينما اعتبر السياسي والرئيس السابق للائتلاف السوري المعارض، خالد خوجة، أن "التصريحات النارية لبعض العساكر السوريين بالزّي الرسمي ونشر مقاطع توهم بزحف منفلت لبعض المجموعات نحو الحدود الجنوبية هي محاولة لإحباط الحراك المدني المنظم ضد إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في سجون الكيان الصهيوني".
ودعا الحكومة السورية إلى منع ما وصفه بـ "محاولات المشاغبة، وتسهيل عمل المنظمات والنقابات المدنية في جميع المدن السورية للتعبير عن رأي الشارع الذي لم يزل كالجسد الواحد مع شعب فلسطين".
بدوره، يكشف الكاتب والصحافي السوري محمد العويد، عن وجود أسباب "بعيدة ومباشرة" لما بدر من المحتجين الذين خرجوا في تظاهرات بعض قرى وبلدات ريف محافظة درعا.
وأوضح العويد في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن الاحتجاجات "شملت المنطقة الواقعة في أقصى جنوب غربي درعا، أي المحاذية للحدود مع إسرائيل، والتي تتعرض بلداتها وقراها لتوغلات إسرائيل واختراقاتها المتواصلة منذ سقوط نظام الأسد".
وقال إن تلك المنطقة بريف درعا "لا تقع عملياً ضمن مناطق سيطرة الدولة السورية، لأن الاحتلال يحول دون هيمنة الدولة عليها، ويمنع وجود أي سلطة تابعة لها".
وأضاف أن مواطني تلك المنطقة "يشعرون بالتهميش نتيجة عدم وجود مؤسسات الدولة السورية في قراهم وبلداتهم، كما أن المواجهات السابقة مع الاحتلال الإسرائيلي خلفت ما لا يقل عن 20 شهيداً من أبنائهم".
ولفت إلى أن تلك الأوضاع، بالإضافة إلى حالة الهيجان والسخط التي تسود منصات التواصل الاجتماعي بفعل إقرار قانون إعدام الفلسطينيين، خلق شعوراً ودافعاً ذاتياً لدى أبناء تلك المنطقة بالدفاع عنها وتحرير الأجزاء المحتلة من قبل إسرائيل من قراهم.
واستبعد العويد أن تكون صور المسلحين الملثمين المنتشرة على منصات التواصل، عائدة لأبناء ريف درعا الغربي، مؤكداً أن الاحتجاجات في تلك المنطقة اقتصرت على مشاركة المدنيين من شبانها وأطفالها في الشارع وعلى الدراجات النارية.
ويرى الصحافي السوري المنحدر من محافظة درعا، أن البيانات والهتافات التي أطلقها أولئك المشاركون، وحراكهم بالقرب من مناطق المواجهة مع إسرائيل، تمثّل "دعوة غير مباشرة للدولة السورية، كي تدخل المنطقة وتفرض سيطرتها عليها، وتفعّل كافة خدماتها ومؤسساتها المدنية والأمنية. كما تحمل رسالة مباشرة إلى إسرائيل مفادها أن المنطقة لن تستقر أو تصل إلى تسوية، إلا من خلال السماح للدولة السورية ببسط سيطرتها هناك".
وختم العويد بالإشارة إلى أن الشعب السوري بالعموم يجمع اليوم على رفض أي تصعيد أو مواجهة مع الجانب الإسرائيلي، وهذا ما أعرب عنه رئيس البلاد أحمد الشرع بقوله إن البلد مثخنة بالجراح، مفضّلاً النأي بالنفس حفاظاً على دم السوريين.

