عن "بانوراما الموت والوحشة" للشاعرة السورية رشا عمران

تاريخ النشر: 05.02.2021 | 17:29 دمشق

ضاهر عيطة

يمكن للشعر في لحظة التجلي أن يمتلك بصيرة فريدة تؤهله للتسلل في ثنايا التفاصيل الدقيقة، فيغدو مرآة تعكس ما فات على أبصارنا إدراكه، محيلاً المشاهد والصور والتفاصيل التي كنا نعبرها دون أدنى اكتراث، إلى شاشة عملاقة تنتج عنها صور صارخة تصدمنا بوشوشة كلماتها التي تحولت إلى أصوات لا يسعنا إلا الجمود أمامها، والتنبه لصراخها، وكأننا نسمعها ونراها للمرة الأولى.

وفي ديوانها "بانوراما الموت والوحشة" تحقق الشاعرة  السورية رشا عمران الصدمة في أعلى مراحلها، لتدخلنا في وحشتها الذاتية، لتجعل منها وحشة جمعية، تحتل كامل المشهدية الشعرية، ولا نعي ذواتنا إلا وقد راحت تتماهى معها، نظرا لفرط حساسيتها وغناها، واكتساب المقاطع الشعرية ميزة قلب المفاهيم والصور، بحيث تشكيل وعي مغاير عن الوعي المألوف للواقع للذات معاً، وهو بمجمله وعي في أعلى درجات لمأساة، فهذه الذات، ورغم وعيها بكينونتها وكينونة واقعها، تعيش حالة اغتراب كامل عن نفسها وعن محيطها، فتارة تغدو الأعضاء الجسدية المبعثرة والممزقة غريبة عن صاحبتها، وتارة أخرى تغدو مدركة ومعلومة بكامل تفاصيلها، بينما الرأس، ذاك الهيكل المحتوي على هوية الذات ووعيها، يتحول إلى قطعة مصلوبة بمسمار على حائط الفراغ، أمام شاشة أصبحت بكل ألوان طيفها وصخبها وحركتها العاكسة للواقع، عبارة عن إطار أسود يضاعف من هول مأساة فصل الرأس عن الذات وبقية الأعضاء، متحولًا إلى كتلة غريبة، حيث تقول الشاعرة:

"وما كان لشيء أن يحول دون تفتتي..

كنت أراقب أعضائي موزعة على البلاط..

تلك اليد أعرفها جيدًا وأعرف أصابع القدم اليسرى المبعثرة وأعرف الشامة السوداء في أعلى الظهر، الشامة التي كنت أبرزها دائما كلما نسيت اسمي..

أعرف بقعة الدم أسفل الجدار وأعرف السرة الملقاة تحت السرير كمنديل عتيق..

وحده الرأس بكل تفاصيله.. الرأس المعلق أمام الشاشة السوداء كمسمار في فراغ الحائط

كان غريبا عني.."

وهنا تضعنا الشاعرة أمام متاهة جديدة، وتساؤلات يكاد يبدو أن لا جواب عليها، فهل هذا الرأس المصلوب هو انعكاس للواقع السوري المتخم بالأشلاء البشرية؟ أم أن الرأس، وما يعكسه من وعي للواقع، هو من بات غريباً عن الواقع، ولا يرى فيه سوى ذاته الذبيحة؟ أم هو إدراك للواقع في متاهة دائرية، أقدمت الذات على تشويهه وتحويله الى رماد أسود؟ أم أن العالم الخارجي هو من أحرق الذات وأحالها الى رماد؟      

لتأتي الأجوبة مغايرة للسياق المعتاد، وقد تشعبت فيها خيوط المتاهات، ففي لحظة ما، كان هناك ثمة أحلام وخطط ومشاريع تواظب الذات على تحقيقها قبل أن ينالها هذا العطب والتمزق، فتمضي في خطواتها لتلملم كل ما أمكن لها من أحلام مبعثرة، غير أنها، وفي لحظة مباغتة، تعي أنها لم تكن تمضي إلا صوب مقبرها، كما في هذا المقطع:

"ثم كنت أحاول أن أستنبت حياة هنا..

عزّقت أرضا ورششت بها التفاصيل كما البذار...

وكل صباح أفرد ما بي من الرطوبة على مساحة المكان وأطلق الأسماء على

أجزائها لعلها تصدق أسماءها مثلي..

اليوم ..اليوم تماما انتبهت كيف تميل شتلاتي القزمة باتجاه واحد فقط.."

المقبرة.

 وللمقبرة هنا حضور بارز، حتى إنه يمكن تلمس شكلها وحوافها، من خلال انعكاس ظلالها على ذات الشاعرة، وانعكاس ظلال ذات الشاعرة عليها، فتتحول إلى مكان يحتفي بالخصوصيات، يحددها، ويرسمها، ويتفاعل معها.

وتعاظم المأساة يكمن، في أن هذه المقبرة ليست ككل المقابر التي يتلاشى فيها الوعي، إنما تبدو الذات فيها وقد بلغت أوج مراحل وعيها لموتها ولقبرها، ولكل ما يحتويه من ملامح و تفاصيل، فهذا القبر تسكنه امرأة، لا تكف عن الرواح إلى ماضيها، باحثة عما أوصلها إلى هذه المصير "القبر" ثم تعاود المجيء إليه، وهي بعد لم تمت، إنما تواصل بحثها عن ذاتها وكينونتها تفاصيلها الحميمية، وعن أحلامها التي استحالت إلى أوهام وكوابيس، وفي لحظة اليأس والشعور بالهلاك، لا تجد إلا أن تحتمي بسريرها، الذي هو جزء أصيل من مكونات مقبرتها، وكذا حال الوسادة والمنضدة و(الكيبورد) والبلاط وفنجان القهوة . كلها غدت مفردات وديكورات مؤسسة لهذه المقبرة.

تأتي معظم مقاطع ديوان رشا عمران، لتنبهنا بطريقة خاطفة وصادمة، محملة بصور ومعانٍ ومفردات لم نكن نتوقعها في سياق السرد الشعري، وهو يلامس واقعا كنا قد اعتدناه

وعلى هذا النحو تأتي معظم مقاطع ديوان رشا عمران، لتنبهنا بطريقة خاطفة وصادمة، محملة بصور ومعانٍ ومفردات لم نكن نتوقعها في سياق السرد الشعري، وهو يلامس واقعا كنا قد اعتدناه، فكففنا عن إبصاره، غير أن الرؤية المقدمة عبر سياق النصوص والمقاطع، تدفعنا للذهول والإبصار رغم عنا، فحينما ترسم الشاعرة رشا مقطعها الآتي، تحدث مفارقة صادمة وعنيفة تهز وجدان القارئ وتشير إلى لعبة موت سريالية.

"وكنت أراقبهم..

يأتون إليّ من أول الليل..

يقتحمون صمتي كما الحجيج..

أعرفهم من أحزمتهم البيضاء..

من الحناء الكالح على أجسادهم..

أميز ظل الخوف في عيونهم والذهول على أفواههم الفاغرة..

يأتون إليّ من أول الليل..

لا شيء معهم غير ترجيع طقطقة عظامهم وهي تئن تحت الركام

وغير مفاتيح لغرف يخبئون فيها مؤونتهم

من الموت".

فالأموات هنا يمضون إلى حتفهم وهم واعون، ويتم رصد ذهولهم والخوف البادي على وجوههم في لوحة مفعمة بالمرارة والوحشة، وهل ثمة أقسى من موت مدرك عند ضحاياه؟ ومع ذلك هم يكافحون ضد موتهم، رافضين المصير الذي حل بهم، حتى إنهم يخبئون زادهم وأحلامهم في غرف يحملون مفاتيحها معهم، وكأن ثمة ما يوهمهم، ويخادعهم، بأنهم لا بد عائدون إليها، أو أن زادهم وأوهامهم، باتت ذوات، لها قيمة أكثر من ذواتهم. ومعظم هؤلاء الموتى لم يأتيهم الموت على نحو ما ألفناه، إنما هم يموتون تحت ركام بيوتهم المهدمة بفعل قصف الطائرات، فيعصرهم ركام البيوت، مرغمًا إياهم على النواح والتوجع المحمول معهم كيفما تحركوا، وهذا ما يجعل موتهم قاسيا وعنيفا، كونهم يموتون على يد سفاح يتعطش للدماء أكثر من كل طغاة الأرض، ويقتل ضحاياه بطريقة لم يألفها الموت من قبل، وها هي الأم الثكلى قد ربت أولادها وأطعمتهم من جسدها، لكن سرعان ما تكتشف، أنها لم تكن تربيهم، إلا ليصيروا ضحايا للقتل والهمجية، أم صار ابنها الشهيد عندها ليس إلا مقبرة لها.

"كأنني أم الشهيد 

أنزل القبر

قبله

كلمات مفتاحية