عن المولد.. ما نفع جنس الملائكة إن سقطت المدينة؟

2026.08.25 | 17:43 دمشق

آخر تحديث: 2026.08.25 | 17:44 دمشق

عيد المولد النبوي الشريف
+A
حجم الخط
-A

يعيش السوريون بشكل خاص، والمسلمون بشكل عام، أزمات خلافية في قشور الدين، لا في أصوله ولا قواعده ولا أركانه، وهو ما يدل على فهم أضعف للأصول والقواعد والأركان، فهم قاصر عند المتعصبين والمتنطعين الذين ما فقهوا عظمة هذا الدين، وسعة صدره ورحمته، وأسس التآلف فيه ونبذ الخصام والفرقة والتشتت.

وكلٌّ يدّعي وصلًا بليلى... وليلى لا تُقرُّ لهم بذاكا

فكلما قرأت في الخلافات الأشعرية - السلفية أو الوهابية - الصوفية، أستغرب وأتعجب من حجم التعصب والتعنت والتنطع، إلى درجة الشتم والخصام والسباب واللعن، في مخالفة واضحة للهدي النبوي، واستخدام للنصوص بدون استقراء لأسباب نزولها أو حوادثها والمقاصد التي خلفها، كما عمل على ذلك آلاف العلماء من قبل، وفقًا لظروفهم وتحصيلهم واجتهاداتهم واختلافات الزمان والمكان.

وأتخيل لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي صح أنه تُعرض عليه صلوات الناس كلما ذُكر صلى الله عليه وسلم فصلوا عليه، قد رأى حجم الخلاف على أمور ثانوية مثل هذه، ماذا سيقول؟ هل سينظر إلى نوايا الطرفين أم أفعالهم فقط؟ هل سيبحث في أسباب ما حصل، وكيف حصل؟ وكيف استقر ذلك في قلوب الناس ووعيها؟ أم سينهاهم فقط؟ هل سيؤاخذ من لا يُطريه كما أطرت الأقوام السابقة أنبياءها؟ هل سيؤاخذ الأئمة المجيزين أم سينكر عليهم؟ وهل سيقرّع الأئمة الرافضين أم سيثني عليهم؟ هل سيسألهم عن تفريق شمل أمته؟ هل سيسأل عن المحجة البيضاء؟ هل سيسأل عن واقعنا وظروفنا والتغيرات التي طرأت علينا، وكيف وصلنا إلى هاهنا؟

كنت أقرأ لابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ»، والذي أرّخ للحروب الصليبية على بلاد الشام، والتي تزامنت مع غزو المغول والتتار، والذي ظن حينها أن الساعة قد قامت، وأن أكثر ما يمكن من فظائع جنونية في التاريخ قد حصلت، وقال فيما معناه: يا رب، لِمَ جعلتني أرى آخر الزمان قبل أن تقبضني إليك؟ ربما لم يسمع ابن الأثير بعد بالسلاح النووي والكيماوي والبراميل المتفجرة والتهجير القسري وسجن صيدنايا ومعتقلات النظام وآخر مستوى أو "ليفل" متقدم (ألترا أو برو ماكس) من الإفناء والتيه في الأرض في عموم بلاد الشام وما جرى ويجري قرب ثالث الحرمين؟

ولو رأى ابن الأثير ما يحصل اليوم، حيث وصلت الأمة إلى مرحلة ضعف وتراجع، مع انحطاط ثقافي وهوياتي وفكري غير مسبوق، فنحن اليوم أمام أجيال تأثرت بالخطاب الداعشي لسنوات، شبيهة بأيام مزاودة الخوارج على سيدنا علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، وهو خطاب كان وسيبقى يلغي الآخر، كل آخر، ويعمل على استقراء الدين بلا فقه ولا بصيرة ولا علم ولا ثقافة. يقرؤون القرآن والحديث والفقه والواقع بطريقة استعباطية، يظنون في ذلك أنهم يعيدون الأصول وينشرون الدعوة ويحققون الغاية، فإذا بهم يزيدون من أعداد الملحدين والهاربين من الدين، والمطلوب بالهدي القرآني هو العكس من ذلك تمامًا.

ويقابل ذلك خطاب انهزامي زاهد يخالف الواقع ولب الدين، يستخدمه الطغاة في تسكين العامة والشعوب وتزهيدهم بالمال والحياة والشأن العام، مع التركيز على الموالد وجلسات الذكر دون عمل يُذكر تقريبًا، مع تقديس وتبجيل وتأليه للحاكم الطاغية، وفي كلتا الحالتين تضيع البوصلة، ويتراجع الوعي، ونزداد بؤسًا إلى البؤس الذي نحن فيه.

ومما ورد عن الإمام الأوزاعي، رحمه الله: «إذا أراد الله بقوم شرًّا ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل».

ويظن البعض أن ما حصل في سوريا هو نصر سلفي، وهذا يخالف التاريخ والواقع، بل هو نتاج عمل متراكم لسنوات طويلة من قبل الشعب خسر قرابة مليون من مواطنيه، تخللته أخطاء وكوارث وأنهار من الدم، أمام نظام مجرم لا يلقي بالًا لا لسلفي ولا صوفي ولا أشعري، همه ودينه السلطة والحكم، استخدم الصوفية، وسبق له أن استخدم السلفية في لبنان والعراق أيضًا.

وإن كان الله قد نصر السلفية اليوم، فما جوابهم لمن سبق له أن نصر صلاح الدين الأيوبي، ومن قبله نور الدين زنكي، ومن بعدهما محمد الفاتح، وكل أولئك أشاعرة أو ماتريدية، وعلى درجة عليا من التصوف ورقة الحال؟! ثم كانت حركات الاستقلال على يد كل من عمر المختار وعبد الكريم الخطابي وسعيد بيران ومحمد الأشمر وأحمد عرابي وكل أولئك وغيرهم كانوا كالأيوبي وزنكي والفاتح في سلوكياتهم.

ومن العجيب أن يختلف الناس إلى هذا الحد، فقد كنت أحتفل بالمولد لسنوات طويلة دون نط أو قفز أو هبل أو خوارق، أدخل في قلبي بعض الروحانية والراحة، وأبقى كما أنا، أقرب ما أكون إلى الله وأنا ساجد، وكانت فرصة ذهبية بالنسبة لي لكتابة الشعر وقراءته أمام حشد من الناس في التغني برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كانت فرصة أكبر للقراءة والبحث، فتعرفت على كعب بن زهير، وحسان بن ثابت، والإمام البوصيري، وأحمد شوقي، ومن سار على دربهم، ثم جعلته موسمًا دائمًا؛ ففي كل عام كنت أقرأ كتابًا في السيرة النبوية في شهر ربيع الأول، موسم الخير الدائم، "ألا إن إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدًا". فقرأت السيرة النبوية لابن هشام، والبداية والنهاية لابن كثير، والكامل في التاريخ لابن الأثير، والسيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري، والسيرة النبوية لناصر الدين الألباني، والسيرة مستمرة لأحمد خيري العمري، والرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري، وفقه السيرة لمحمد الغزالي، والشمائل المحمدية للإمام الترمذي، وكتاب الشفا للقاضي عياض، ونور اليقين في سيرة سيد المرسلين لشيخ الأزهر محمد الخضري، وغيرها مما لا أستحضره الآن.

وكنت أعدّه موسم خير عميم وفضل كبير، أعيش به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أيامًا ولياليَ لا تُنسى، وأتجول في حديقة غنّاء، أستفيض وأتفكر وأعيش كأنني هناك في مكة أو المدينة المنورة، أسير في طرقاتها فألتقي عمر بن الخطاب وهو في طريقه إلى الإسلام متوشحاً سيفه فيرق قلبه لآيات من سورة "طه"، أو حمزة وهو يضرب أبا جهل متحدياً إياه، أو سهيل بن عمرو وهو يقف يخطب بالناس ليبتعدوا عن طريق الإسلام، أو في دار الندوة أتلصص على اجتماعاتهم اليومية للتدبير على أكبر ثورة شهدتها قريش وجزيرة العرب، أو بلال وهو يصلي سرًّا ثم يحمل الشراب إلى ناديهم، أو عمار بن ياسر وعائلته وهم في رمضاء مكة يعذبون في خيار انعتقاهم وإيمانهم، أو في بيت أبي أيوب الأنصاري عندما اختاره النبي، دونًا عن كل الناس، ليحل ضيفًا في داره، أو في الغار مع النبي وهو يقول لأبي بكر، رضوان الله عليه: «لا تحزن إن الله معنا»، أو عندما كان النبي ينشد مع أصحابه: «ما العيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة»، ثم يضرب المعول ثلاثًا فتُفتح بلاد الشام وبلاد فارس واليمن، وهكذا يومًا بيوم، وساعة بساعة، ولحظة بلحظة، مع نور الأنوار، وشمس العارفين، وضياء السالكين، وشفيع أمته.

في كل تفاصيل النبي، وما كُتب عنه وما قيل فيه، وفي دعوته السرية والجهرية، ورحلة الهجرة، وعند كتابة صحيفة المدينة "أهم وثيقة سياسية في ذلك الزمان، واجتماعاته مع القبائل والبطون ورسائله إلى الملوك والقياصرة وسادات الأمم، وفي حزنه وفرحه وانتصاراته وهزيمة جيشه يوم أُحد كيف كان شعوره وبما واسى نفسه، وفي محنة المسلمين يوم الأحزاب، وفي عام الرمادة، وفي وفاة آخر أبنائه «إبراهيم» ودموعه الباكية وصبره التليد، وفي جوعه وغزواته ورؤاه وكرمه وأخلاقه وشمائله، وغير ذلك من التفاصيل التي لا تنتهي في أعظم مخلوق حباه الله وأكرمنا فيه، عليه افضل الصلاة وأتم السلام.

وكيف سنحكي للنبي صلى الله عليه وسلم عن الضعف والانهزامية وادعاء النصر كل يومين أو ثلاثة في معارك خاسرة عسكرياً ومعنوياً؟ وفي الركون إلى الظالمين؟ وفي موالاة كل من يظلمنا ويستعدينا، وفي اعتمادنا على غيرنا في كل شيء، اللباس والطعام والدواء والعلوم، وكتابة الحاضر والماضي والمستقبل؟ عن التخلف وأكل أموال الأيتام والفقراء واستمراء الفساد والرشاوى وشيوع الفواحش، والفشل الذريع في المواكبة، مواكبة الزمان والمكان، كأنهم في قطار سريع كاد أن يصل إلى وجهته، ونحن في قصة الأرنب والسلحفاة من منهما أسرع؟

وهنا لا أدافع عن المولد ولا أدعمه، وفي المقابل لا أنكره ولا أحرمه، ومن أنا حتى أدخل في أمر اختلف فيه كبار العلماء وأشبعوه تصنيفًا وتأليفًا وإحاطة؟ فبعضٌ من التواضع والخجل والوقوف على الأرض لا يضرنا بل لنعرف حقيقة أحجامنا في عالم لا يرانا أصلاً، خصوصًا من يتصدر وسائل التواصل (التباعد) الاجتماعي، من يظن أنه امتلك الحق والحقيقة، فيريد أن يهدم قبورًا هنا، وينقّب النساء هناك، ويكفّر فلانًا ويفسّق علانًا، في مسائل لو جمعتها كلها لكان كبار علماء الإسلام قد اختلفوا في النظر إليها، وجعلوها في الكيفيات والهيئات، لا في الأصول والثوابت والأركان.

ورغم أن هذا الكلام قد لا يعجب أحد الفريقين، فإني والله لست من الطرفين، وبريء من كل ما يدخل على المسلمين الغم والهم، ويستخدم الشتائم واللعن، ويفرّق صفهم ويمزق شملهم في أمور لا تستحق كل ذلك، وكأننا (في التاريخ القريب) اليوم نقف على أسوار القسطنطينية، وتعلو في داخلها النقاشات (أسطورة لم تثبت ولكن قد تكون حقيقة) في اختلافات سكانها يومها حول جنس الملائكة: أهي ذكر أم أنثى؟ وما كان يفيدهم ذلك؟ وما الذي خطر لهم في مدينة تشهد حربًا وحصارًا، ثم فُتحت أخيراً، وها نحن نزورها ونعيش فيها اليوم؟ فعندما أدخل "آية صوفيا" أستذكر تلك القصص وأتعجب من مجرد التساؤلات تلك!!

وقد عشنا شيئاً من التجربة ذاتها في الخلاف الصوفي الأشعري - السلفي يوم حصار الغوطة الشرقية، فحصلت المعارك والمناوشات والاقتتال الفصائلي، حتى تقسمت الغوطة إلى قطاعات، "قطاع جوبروما حولها والقطاع الأوسط وقطاع دوما" فتمكن النظام بدعم روسي إيراني من تقطيع أوصالها ثم بدأ الاقتحام وصولاً إلى التهجير عام 2018.

وأخيراً أكتفي بقول الله تعالى لنا:

«وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ».

تخيلوا أنه سبحانه وتعالى قد ألقى علينا قولاً ثقيلاً وأمانة صعبة، ورسم شاخصات الطريق، فقد طلب منا كل ما ورد في الآية، وسمانا المسلمين، فما بال أقوام عكفوا على تغيير أسمائنا إلى فرق ومدارس ومذاهب وألوان وقولبونا في أمور هي ملت من النقاش فيها؟!