عن المجتمع المدني في الحالة السورية

تاريخ النشر: 29.01.2021 | 00:09 دمشق

يستدعي مفهوم (المجتمع المدني) في أذهان السوريين الذين عاصروا حقبتي الأسد (الأب والابن)، مزيداً من الأفكار والحكايا والصور والأخيلة التي تبعث على السخرية والمرارة في الوقت ذاته، إذ سرعان ما تقفز إلى الأذهان تلك المفارقة العجيبة: كيف لنظام تمكّنت أدواته الأمنية من التوغّل، ومن ثم الإمساك والتحكّم بمفاصل العلاقات الاجتماعية حتى ضمن العائلة الواحدة، أن يتيح المجال لانبثاق نشاط اجتماعي مدني ذي أطر مؤسساتية يعمل بعيداً عن هيمنة السلطة، وبعيداً عن تبعيته لها، وليس مُسخّراً لخدمة مصالحها أو توجهاتها الأمنية؟ أضف إلى ذلك أن الصرامة الأمنية للسلطة حيال أي حراك مدني مجتمعي لم تكن تنطوي على معايير دقيقة تميّز بين أنواع من النشاط الاجتماعي، أو أنها تستهدف بمحاصرتها الأمنية ضرباً من الأنشطة دون سواها، بل هي تعمل وفقاً للمبدأ العام الذي تتقوّم عليه، وهو السيطرة المطلقة على كافة مفاصل النشاط المجتمعي الذي يمكن أن يقوم خارج أطر ومؤسسات الدولة.

فالمساءلة الأمنية التي يخضع لها القائمون على جمعية تُعنى بكفالة الأيتام مثلاً، هي ذاتها المساءلة التي يخضع لها ناشطون في جمعية أو ناد ثقافي، إذ في كلتا الحالتين يجب أن تذهب محاضر الاجتماعات والأنشطة إلى رجل الأمن، فضلاً عن وجوب علمه المسبق بأي نشاط مستقبلي لتلك الكيانات الاجتماعية.

فالسطوة الأمنية التي هي جزء من بنية السلطة وليست ظاهرةً طارئةً عليها، وسعي النظام الدائم إلى تسخير أي حراك مدني في خدمة خطابه، وبالتالي إلى إعادة إنتاجه، قد حال دون تبلور حقيقي لنشاط مدني ينبثق من الحاجات الأساسية للمجتمع، ويجسّد تطلعات المواطنين بعيداً عن مراكز القرار السلطوية، ولعلّ هذا وحده كافٍ للتأكيد على أن الوجود الفعلي لمفهوم (المجتمع المدني) هو وجود منقوص القيمة.

لقد أتاحت ثورة آذار 2011 للسوريين، سواء في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، أو في بلدان اللجوء، أن يبادروا إلى تشكيل أو تأسيس جمعيات، سعياً إلى سدّ العديد من الحاجات الإنسانية التي فرضتها حالة الحرب، ويمكن أن تكون تلك الخطوة مبادرة نحو إيجاد منظمات مجتمع مدني، باعتبارها حراكاً مؤطراً بنظم وقوانين، ومنبثقاً من حاجات اجتماعية تمليها الضرورة المعيشية في غالب الأحيان، إلّا أن تلك المبادرات، وإن توفر لها الجانب الشكلي أو الإجرائي من مفهوم (المجتمع المدني)، فقد حملت مع تأسيسها عوامل نقضها ونقص مشروعيتها في الوقت ذاته، ويمكن إيجاز بعض تلك النقائض بما يلي:

أولاً – لقد تأسست معظم تلك الجمعيات أو المنظمات بمبادرات أغلبها فردية، قامت على أساس التشبيك بين بين أفراد، وجهة أخرى (مانحة أو داعمة)، إلّا أن تلك العلاقة البينية بين الداعم والمدعوم لم تتوسع، لتتخذ إطاراً مؤسساتياً تحكمه لائحة قانونية ضابطة، بل في أغلب الأحيان بقي عدد أعضاء الهيئة العامة للجمعية أو المنظمة لا يتجاوز العائلة أو الأصدقاء المقربين، الأمر الذي يحول دون أن تتحوّل المبادرات الفردية إلى مشروع مجتمعي قابل للامتداد، وقادر على استيعاب حاجات شريحة واسعة من المواطنين.

لقد أتاحت العلاقة الضيّقة بين القائمين على تلك الكيانات والجهات الداعمة إلى ظهور حالة تتسم في غالب الأحيان بالغموض وعدم الشفافية، فيما يخص الجوانب المالية

ثانياً – لقد أتاحت العلاقة الضيّقة بين القائمين على تلك الكيانات والجهات الداعمة إلى ظهور حالة تتسم في غالب الأحيان بالغموض وعدم الشفافية، فيما يخص الجوانب المالية وأصول المحاسبة والمساءلة، وإن وُجدتْ تلك الشفافية في بعض الأحيان، فوجودها يكاد أن يكون شكلياً، على الورق لا أكثر.

ثالثاً – لقد توهّم العديد من القائمين على الجمعيات والمنظمات بأن مفهوم (حيادية المجتمع المدني) يوجب عليهم أن يكونوا بعيدين عن جذر القضية السورية، بل ربما ظنوا أن مكانهم الحقيقي هو النأي عن الصراع الجاري بين السلطة الأسدية المتوحّشة والشعب السوري، الأمر الذي دفع بهم للتنصّل من أي انحياز سياسي أو أخلاقي لثورة السوريين، وربما اعتقدوا أن العمل في إطار المجتمع المدني قد يوجب على المرء التنكّر لأي قيمة توجبها مأساة السوريين في مواجهة آلة القتل الأسدية، وربما تجاهل هؤلاء بأن الحوامل التي أتاحت لجمعياتهم ومنظماتهم أن تظهر على حيّز الوجود هي الثورة ولا شيء سواها. وربما تذرّع بعضهم بأن مسألة (الحيادية) هي إحدى الشروط التي توجبها الجهة الداعمة، كشرط لاستمرار الدعم أو التمويل الذي ينبغي أن يكون محكوماً بما هو إنساني بعيداً عن السياسة، إلّا أن واقع الحال يؤكّد أن امتثال البعض لهذا الشرط هو استجابة شخصية لاستمراره في العمل ضمن تلك الأطر، وليس امتثالاً لمصلحة عامة يتوهمها.

رابعاً – إن انخراط الكثير من الشباب والصبايا السوريين للعمل ضمن جمعيات ومنظمات، وخاصة في بلدان اللجوء، ووفقاً للشروط التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة، قد أسهم في تحييد الكثير من الطاقات الشبابية السورية عن الانخراط في العمل السياسي الذي توجبه طبيعة المرحلة الراهنة، بل لعلّ حالة الاسترخاء المادي الذي توفره المنظمات من خلال رواتبها المادية الموفورة، كانت عامل تخدير للكثير من النفوس التي استمرأتْ شيئاً فشيئاً حياة الوفرة بمعزلٍ عن البؤس العام للسوريين.

خامساً – لعل المتابع لعمل وأنشطة معظم المنظمات، يدرك بسهولة أن من يحدّد طبيعة نشاطها وتوجهاتها هو الجهات المانحة في معظم الأحيان، وليست طبيعة أو نوعية الحاجات التي يمليها واقع السوريين، بل يمكن لأي متتبّع لبرامج تلك الجمعيات أن يستدلّ بسهولة إلى أن أكثر المشروعات التي تلقى دعماً من الجهات المانحة، والأكثر رواجاً وانتشاراً في سوق المشاريع هي قضايا الجندرة وتمكين المرأة والدعم النفسي إلخ، علماً أن هذه الموضوعات هي في غاية الأهمية، ولا يمكن التقليل من ضرورة العمل عليها، ولكن حين تأتي في سياقها المناسب ضمن منظومة الأولويات، ولا يمكن بحال من الأحوال، التركيز عليها وغض النظر عن المخيمات التي تجتاحها العواصف والأمطار، وينفر سكانها إلى العراء في صراع مرير مع الموت، فضلاً عما يثير الاستغراب أحياناً، حين تجد دولة أو جهةً ما تدعم بسخاء كبير مفهوم حرية المرأة وتمكينها حقوقياً وسياسياً، وهذا الأمر بحد ذاته هام وضروي، ولكن هذه الجهة الداعمة ذاتها تنحاز سياسياً إلى جانب نظام دموي مجرم بحق شعبه، عندئذٍ يمكن التساؤل: هل مبدأ الحرية يخضع للتصنيف البشري أم للأجندات المصلحية؟ وهل يمكن تجاهل طبيعة المواجهة بين نظام الأسد والسوريين على أن جذرها الحقيقي هو الحرية واستعادة الحقوق المُغتصبة؟.

ما تنبغي الإشارة إليه، هو أن تلك المنظمات والجمعيات السورية التي تأسس وتشكل معظمها خارج البلاد، وبات عددها يصعب حصره وتصنيفه، أصبحت اليوم محطّ أنظار واهتمام المجتمع الدولي، ما دفع بمنظمة الأمم المتحدة إلى إشراكها بالعملية السياسية، باعتبارها شريحة تحتل مكاناً وسطاً، بين النظام والمعارضة، أو أنها تمثل قطّاعاً اجتماعياً غير سياسي، سواء في المناطق التي تقع تحت سيطرة النظام، أو خارج سيطرته، ولئن كان من الخطأ الفادح إطلاق الأحكام أو التقييمات العمومية، سواء بالسلب أو الإيجاب، على ذلك الطيف الواسع من الكيانات، إلّا أنه من الصواب الذهاب إلى أن معظمها ما يزال بعيداً عن التجسيد الحقيقي لمفهوم (المجتمع المدني).