عن الجهاديين المهاجرين في سوريا

تاريخ النشر: 04.04.2022 | 06:13 دمشق

قبل أيام قليلة تناقلت الأوساط الجهادية نبأ عودة علي العرجاني إلى بلده الكويت بعد التنسيق مع السلطات هناك. جاء العرجاني إلى سوريا عام 2013. ويعدّ، بالتالي، مهاجراً قديماً بالقياس إلى الموجات التي شهدتها «الساحة». عرف بلقب «أبو حسن الكويتي» منذ عمل كمستقل في البداية وحتى انتمائه إلى جبهة النصرة التي أصبح أحد قيادييها في المنطقة الشرقية. وعبر معها تحولها إلى جبهة فتح الشام وحل بيعتها لتنظيم القاعدة. ثم انسحب منها احتجاجاً على قتالها فصائل الجيش الحر، ونتيجة فشل «التيار الإصلاحي» داخلها كما يسميه، وبسبب احتكاكه مع أبي محمد الجولاني عن قرب، واتخاذه منه موقفاً حاسماً ظل العرجاني يعبّر عنه من خلال حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي لسنوات.

كانت طلائع المقاتلين من خارج الحدود بدأت بالعبور إلى سوريا منذ أواخر 2011، مدفوعة بفتاوى راجت وقتئذ دعت إلى نصرة السوريين في وجه إجرام نظامهم

بنود صفقة عودة الكويتي غير واضحة، وربما تتضمن خضوعه للمحاكمة. وهذا سبب إضافي لإثارة القلق في نفوس المهاجرين الجهاديين غير المنضوين تحت لواء هيئة تحرير الشام في الشمال السوري. إذ ينسبون إليها التضييق على العرجاني وملاحقته حتى اضطر إلى المغادرة. خاصة أن هذه الحادثة تأتي بعد سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها الهيئة في حق المهاجرين في إدلب، تبدأ بإجبار بعضهم على السكن خارج المدينة وتنتهي باعتقال آخرين في سجون أمنية، مروراً بجمع البيانات عنهم واستنطاقهم في أمور تتجاوز وضعيتهم الحالية إلى بلادهم الأصلية والبيئات التنظيمية والشبكات الإسلامية التي قدموا منها. مما عزّر اتهامات الجهاديين من خصوم الهيئة في نيتها جمع معلومات تتجاوز حاجتها المحلية بهدف مقايضتها مع أجهزة مخابرات إقليمية وغربية، وفق شكوك هؤلاء.

كانت طلائع المقاتلين من خارج الحدود بدأت بالعبور إلى سوريا منذ أواخر 2011، مدفوعة بفتاوى راجت وقتئذ دعت إلى نصرة السوريين في وجه إجرام نظامهم «النصيري». ورغم أن هذه السمات الدينية والطائفية كانت عناصر تأسيسية في تكوين حركة المهاجرين العرب فإنهم لم يتوجهوا إلى الفصائل الإسلامية حصراً، ولا سيما في عام 2012. في حين صار القادمون في السنوات اللاحقة يجدون طريقهم فوراً إلى الجهاديين في حركة أحرار الشام الإسلامية وجبهة النصرة وتنظيم الدولة (داعش). وإلى مجموعات جهادية مستقلة صغرى كثيرة قامت على رابط الأصل الجغرافي أو سواه.

لقد لعب التعقيم الذي مارسه نظام الأسد على المجتمع السوري دوره في إضعاف مناعة «الأنصار» المحليين. فبعد عقود من حصر النشاط الديني بالمؤسسة التقليدية الرخوة وتفرعاتها وضفافها، وبالإسلام الشعبي المدمج بالتصوف؛ كان نموذج المهاجر الذي «ترك متاع الدنيا ونعيمها» شديد الجاذبية للمقاتلين المحليين. وبدا الخطاب السلفي الذي حمله متماسكاً وفعالاً في مواجهة معلوماتهم الدينية المتناثرة، وبالمقارنة مع كثير من المشايخ التقليديين الذين أيدوا الأسد أو ظهروا في إعلامه أو هادنوه.

وصلت هذه الموجة إلى ذروتها، وأخذت بالانحسار، مع قيام دولة داعش. إذ تشكلت صورة وحشيتها الظاهرة من رجل حسبة تونسي (في كثير من الحالات) وقاض مصري (غالباً). وتكونت قوتها العسكرية الضاربة من مسلم وسط آسيوي (على الأرجح) و«استشهادي» خليجي (عادة). في حين تراجعت صورة السوريين الذين بايعوا التنظيم أمام الأجانب، ودخل حضور أمرائه العراقيين (الحقيقيين) في الظل.

أعقب ذلك انقلاب حاد في الموقف من المهاجرين بكافة أشكالهم. تجلى لدى قادة ومقاتلين من الجيش الحر بصيغته المبكرة الأولى، تعرضت فصائلهم للاعتداء أو التفكيك على يد قوى جهادية مختلطة. كما لدى ثوريين ومعارضين وناشطين مدنيين استيقظوا على ذهاب الحراك بعيداً عن القيم الأساسية التي أسهموا في إطلاقها سنة 2011. وضمن موجة مراجعات متلاطمة صار المهاجرون أحد أهداف التسديد الثابتة في هذه الأجواء لصالح الوطنية والمواطنة.

غير أن هذا لم يكن حال قطاع عريض من حاضنة الثورة، خاصة في الشمال. فمن جهة أولى اعتاد هؤلاء وجودَ المهاجرين بجنسياتهم المختلفة، وصار يصعب النظر إليهم على أنهم «شياطين» أو ملائكة بالمقابل. ومن جهة ثانية أسهم تغيّر طبيعة الإسلام السائد هناك باتجاه التسلف والجهاد في الحفاظ على الأرضية المواتية للهجرة والمهاجرين. ومن جهة ثالثة واظبت شريحة من المقاتلين الأجانب على التزام بنود العقد المضمر الذي استدعيت على أساسه، وهو الدفاع عن السوريين المنتفضين «من أهل السنّة» دون التدخل في حياتهم والتحكم فيهم.

لم تكن من الصعب ملاحظة انحياز الرأي العام في إدلب، وخارجها، إلى المهاجر الذي أُخرج من مواقعه بالقوة، مخذولاً كما صورت مقاطع تراجيدية جرى تناقلها بتأثر على نطاق واسع

وقد برز هذا في أثناء هجوم هيئة تحرير الشام على «كتيبة جنود الشام» وأميرها مسلم الشيشاني في تشرين الأول 2021. وأدى إلى إجلاء الكتيبة عن نقاط «رباطها» في محور الكبينة. وكانت هذه التلة الاستراتيجية في ريف اللاذقية قد صمدت أمام هجمات متلاحقة وقصف عنيف من قوات النظام التي لم تستطع التقدم فيها في وجه المقاتلين الجهاديين هناك. وبين صورة الشيشاني، بلحيته الحمراء وبدلته العسكرية وملامح المجاهد الفقير، ومشاهد أبي محمد الجولاني، السوري، بجماعته الغنية الحاكمة وملابسه التي تزداد حداثة؛ لم تكن من الصعب ملاحظة انحياز الرأي العام في إدلب، وخارجها، إلى المهاجر الذي أُخرج من مواقعه بالقوة، مخذولاً كما صورت مقاطع تراجيدية جرى تناقلها بتأثر على نطاق واسع.

تقول هيئة تحرير الشام إنها ليست ضد المهاجرين في المبدأ، بدليل وجودهم في قيادتها ومفاصلها وضمن كتل عسكرية متمايزة من مقاتليها (كالأوزبك) وأبرز حلفائها (التركستان). هذا صحيح. فملف المهاجرين في الهيئة ومعها إشكالي ومن العسير حله. وكذلك هي حال سوريا.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار