عن الأمل والعمل

عن الأمل والعمل

الصورة
مواطن يدلي بصوته في الانتخابات (الأناضول)
13 أيار 2019

أكثر ما يثير إعجابي في الانتخابات التركية بأنواعها، هو كثافة المشاركة الشعبية التي لم أرها، مرةً، تنخفض عن حد الـ80%. وهو معدل كبير بالقياس إلى أكثر الديموقراطيات عراقة في العالم. وذلك على رغم كل مثالب النظام السياسي في تركيا، وعلى رغم التاريخ الحافل بالانقلابات العسكرية في هذا البلد.

هذا يعني، قبل أي اعتبار آخر، أن هناك حافزاً قوياً يدفع الناس للتضحية بيوم عطلتهم الأسبوعية (الأحد) وأحياناً بعطلتهم الصيفية، للنزول إلى مراكز الاقتراع والاصطفاف في طوابير طويلة من أجل استخدام حقهم في المشاركة السياسية وتحديد من سيحكمهم في السنوات القادمة. هذا الحافز يقوم على أساس إيمان عميق بالنظام الديموقراطي، وبأن لكل صوت قيمة حقيقية في تقرير مصير البلد، سواء تعلق الأمر بناخب يسعى إلى التغيير السياسي أو بآخر يعمل على الحفاظ على الوضع القائم، كل بحسب مصالحه وتطلعاته وأحلامه والقيم التي يؤمن بها.

كان حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك هو حزب الدولة

وفي التاريخ السياسي لتركيا الحديثة محطات مهمة أثبتت أن صندوق الاقتراع يمكن أن يكون وسيلة لتغييرات سياسية كبيرة، يكفي أن نذكر منها مثالين. الأول هو صعود الحزب الديموقراطي إلى السلطة في انتخابات العام 1950، لينهي حقبة مديدة من نظام الحزب الواحد، حزب الشعب الجمهوري، وتنتقل البلاد إلى التعددية الحزبية وتداول السلطة. كان حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك هو حزب الدولة، رئيسه هو رئيس الجمهورية، ورؤساء منظماته المحلية هم محافظو الولايات ومديرو المناطق ومخاتير القرى وأحياء المدن. بكلمات أخرى كان الحزب هو الدولة. على رغم الإمكانيات الكبيرة التي يتيحها هذا التماهي، تمكن حزب جديد ناشئ من استقطاب أصوات الأكثرية المتطلعة إلى التغيير، فانتقلت السلطة إليه ليحكم عشر سنوات، قبل أن يطيح به الانقلاب العسكري الأول في تاريخ الجمهورية في العام 1960.

المثال الثاني هو صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في انتخابات العام 2002. هذا الحزب الذي تشكل من بعض كوادر حزب الرفاه الإسلامي، تمكن خلال بضعة أشهر من قلب الوضع القائم والحصول على تفويض شعبي كبير مكنه من تشكيل حكومة بمفرده، بعد سنوات من الحكومات الائتلافية المضطربة. وواصل الفوز، بعد ذلك، في الانتخابات المتتالية، فغيّر وجه تركيا إلى حد كبير بما يشبه ثورة متعددة المستويات. فقد أنهى وصاية المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية، ونقل الاقتصاد من الأزمة الحادة إلى النمو الواعد، ووسع الحريات العامة، وخطا خطوات كبيرة في طريق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وانفتح على الجوار العربي – الإسلامي، وشكّل نموذجاً يقتدى به، في هذا الإقليم، للتعايش بين الإسلام والديموقراطية والعلمانية، وفتح كوة أمل في حل المشكلة الكردية حلاً سلمياً.

كل ذلك انتهى، منذ سنوات، وبات حزب العدالة والتنمية هو الستاتيكو الجديد المتمسك بالسلطة، مضحياً في سبيل ذلك بكل الإنجازات المذكورة التي حققها في بضع سنوات، وبدأ تحولاً جديداً نحو نموذج سلطوي صلب يمسك فيه أردوغان بكل السلطات، وتزداد باطراد ملامح الدولة البوليسية التي تطارد جميع معارضيها مطاردة الساحرات في القرون الوسطى، تصفهم بالخيانة الوطنية والعمالة للخارج لمجرد خلافهم في الرأي، وتقوم بتصفيتهم باستخدام القضاء الذي فقد استقلاليته تماماً. ليس موضوع هذه المقالة تحليل أسباب هذه التحولات ورصد ملامحها، فهذا يتطلب توسعاً يخرج عن موضوعنا المتعلق بفكرة الأمل في التغيير وكيف يتجلى اليوم في الصراع المستمر على رئاسة بلدية إسطنبول.

في الخطاب الذي ألقاه رئيس البلدية المعزول أكرم إمام أوغلو أمام حشد من مؤيديه، بعيد قرار الهيئة العليا للانتخابات بإلغاء نتائج التصويت، استخدم عبارة "سوف يكون كل شيء أجمل"، وطالب الفنانين والمبدعين ورجال الأعمال بأن يتحدثوا ويعبروا عن رأيهم فيما جرى. سرعان ما تحولت العبارة المذكورة إلى شعار الحملة الانتخابية لانتخابات الإعادة التي تقرر إجراؤها في 23 حزيران القادم، بعدما أدرجه مؤيدوه في هاشتاغ على وسائل التواصل الاجتماعي، وشارك في ذلك فنانون معروفون لهم جمهور كبير.

ينطوي هذا الشعار على فكرة الأمل والتمسك بالأمل. فأحد أهم نتائج الانتخابات البلدية التي جرت في 31 آذار الماضي هي عودة الأمل بالتغيير إلى قطاعات اجتماعية واسعة من معارضي أردوغان وحزب العدالة والتنمية، تمكن اليأس منها، في السنوات السابقة، وبخاصة بعد تغيير النظام السياسي وفوز أردوغان في الانتخابات الرئاسية العام الماضي. فقد كان هناك مناخ عام فحواه أنه لا يمكن تغيير السلطة ما دامت تتمتع بشعبية ثابتة تؤمن فوزها في كل عملية انتخابية. وزاد من تفاقم هذا اليأس أنه في المرتين اللتين بدا فيهما تغير ملحوظ في وجهة الرياح، فعلت السلطة كل شيء لاستعادة زمام الأمور:

الأولى، في انتخابات حزيران 2015، التي فقد فيها حزب العدالة والتنمية الأغلبية المطلقة في البرلمان، فلم يعد بمقدوره تشكيل حكومة بمفرده. فما الذي حدث؟ لقد أفشل الحزب جميع صيغ الحكومات الائتلافية الممكنة، وحدد موعداً لإعادة الانتخابات في الأول من تشرين الثاني من نفس العام. وبين التاريخين أشعل حرباً على المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية بذريعة محاربة حزب العمال الكردستاني. بهذا "التكتيك" السياسي تمكن من استعادة زمام الأمور وفاز في انتخابات الإعادة بنسبة مريحة.

الثانية، في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، نيسان 2016، التي فاز فيها تحالف العدالة والتنمية والحركة القومية بفارق ضئيل على رافضي التعديلات. وقيل وقتها إن عمليات تزوير واسعة نسبياً جرت، من خلال حسبان أوراق استفتاء غير نظامية، جعلت التحالف يفوز بتمرير التعديلات.

في الحالتين شعر معارضو أردوغان (ليس أحزاباً فقط بل قطاعات اجتماعية متضررة) أن إرادتهم سلبت منهم بوسائل غير نظيفة

في الحالتين شعر معارضو أردوغان (ليس أحزاباً فقط بل قطاعات اجتماعية متضررة) أن إرادتهم سلبت منهم بوسائل غير نظيفة، فتكرست لديهم قناعة مفادها أنه لا يمكن إلحاق الهزيمة عبر صناديق الاقتراع بحكم العدالة والتنمية، وأن هذا يمكن أن يفعل أي شيء للاحتفاظ بالسلطة. حتى أثناء التحضير للانتخابات البلدية كان هناك قسم مهم من البيئة المعارضة يبثون حالة من اليأس في الرأي العام، وهو ما كان يثلج صدور أهل الحكم. غير أن النتائج المفاجئة التي خرجت من صناديق الاقتراع، بخسارة التحالف لبلديات أهم المدن الكبرى وفي مقدمتها إسطنبول وأنقرة، أعاد الأمل بإمكان التغيير. وهذا بالذات ما دفع السلطة إلى لعبة التشكيك بالنتائج وصولاً إلى انتزاع قرار بإلغائها. أي أن الغاية هي قتل الأمل بالتغيير أكثر من كونها مجرد رغبة في استعادة بلديات المدن الكبرى، وبخاصة إسطنبول.

الصراع بين الأمل وقتله حوّل التنازع على بلدية إسطنبول إلى صراع أكبر منه وأوسع بين النزوع الاجتماعي إلى الحرية والنزوع السلطوي المنفلت من ضوابط النظام الديموقراطي والباحث عن الأبد.

يدرك المعارضون أن بث الأمل أو التعلق به بكسل واسترخاء لن يؤدي إلى تحقيق شيء، بل استثمار الأمل في عمل دؤوب هو ما يمكن أن يعوّل عليه. 

لم أتطرق، في هذه المقالة، إلى أحزاب المعارضة وهل هي قادرة على تشكيل بديل يحقق تطلعات الناس وآمالهم في التغيير. فهذا موضوع آخر. الحديث هنا عن آمال التغيير في المجتمع، وهو بدوره منقسم على نفسه، أما بشأن أدواته فقد لا تفي اللوحة السياسية الموجودة حالياً بالغرض، وربما يحتاج الأمر إلى ابتكار أدوات جديدة.

شارك برأيك