"عن الآباء والأبناء" لطلال ديركي.. سيرة أصولي وسيرة حياة

تاريخ النشر: 28.01.2019 | 00:01 دمشق

لن يُضيف الترشيح الرسمي لجائزة "أوسكار" أفضل فيلم وثائقي، الممنوحة لـ"عن الآباء والأبناء" (2017) للسوري طلال ديركي، شيئًا سينمائيًا جديدًا على فيلمٍ يمتلك جماليات وثائقية مثيرة لمتعة المُشاهدة رغم قسوة الحكاية، بقدر ما يُساهم في تنبيهٍ ثقافي وإنساني وفني إلى شهادة سينمائية، تمتلك جماليات بصرية مختلفة. فالترشيح، الذي يُتيح للفيلم المُشاركة في التصفيات النهائية للنسخة الـ91، المُقامة في 24 فبراير/ شباط 2019، عاملٌ أساسيّ في الترويج لفيلمٍ يخوض مخرجه تجربة صعبة تدفعه إلى عيش مخاطر جمّة، بهدف سرد حكاية واقعية تكشف شيئًا من أهوال انقلابات مدوّية على الحراك المدني العفوي، المنطلق سلميًا في 18 مارس/ آذار 2011. والفيلم يمزج بين تسجيل يوميات ورسم ملامح بيئة والتقاط نمط تربية وسلوك، في اجتماعٍ إسلاميّ متشدّد، تتحكّم به ثقافة منغلقة، تتّخذ من تفسيرات سلفية للنصّ الديني قواعد عيشٍ وعلاقات.

 

والترشيح ـ الحاصل بعد عامٍ واحد فقط على نيل "آخر الرجال في حلب" (2017) للسوري فراس فيّاض ترشيحًا مماثلاً له في النسخة الـ90 (4 مارس/ آذار 2018)، من دون الفوز بها ـ خطوة إضافية تسمح بمزيدٍ من المُشاهدة، وتحثّ على معاينةِ نصٍ سينمائي مُبهر رغم قسوة الوقائع، وتدعو إلى إكمال النقاش السينمائي بخصوص العلاقة القائمة بين الكاميرا والواقع. فـ"عن الآباء والأبناء" يعكس، من بين أمور أخرى، معنى انغماس الكاميرا في الواقع بعيدًا عن التنظير والخطابية والأحكام المسبقة

يُرافق طلال ديركي الأصولي أبا أسامة في دقائق يومياته، الممتدة على عائلته وأصدقائه و"عمله" كمُفكِّك ألغام، تُبتر قدمه اليسرى ذات لحظة خلال التصوير قبل أن يُقتَل أثناء تفكيكه سيارة مفخّخة

أو اللاحقة، واكتفائها بما يملكه الواقع من انفعالات وقصص وحالات، قبل أن تنسحب الكاميرا (قحطان حسّون) إلى غرفة التوليف (آن فابيني)، لصنع فيلمٍ يتحوّل إلى مرآة شفّافة تُعرّي وتكشف وتقول ـ بصُوَر ولقطات وبعض كلام ضروري ـ ما هو مُنبثق من تلك الثقافة المتحكّمة بتلك البيئة.

 

وإذْ يتابع "آخر الرجال في حلب" مسارات أفراد منتمين إلى "الخوذ البيضاء ـ الدفاع المدني السوري"، في نشاطهم اليومي في حلب المحاصرة بالقصف والتنكيل والتدمير من "سلطة البراميل" وحلفائها؛ فإن "عن الآباء والأبناء" يكتفي بشخصية واحدة أساسية (الأصولي أبو أسامة، المنتمي إلى "جبهة النصرة") مُقيمة في مقاطعة إدلب، كي يُفكِّك سينمائيًا سلوكًا ونمط عيش وتربية، في ظلّ حرب طاحنة يُشارك جهاديون كثيرون فيها ضد نظام الأسد أولاً، وضدّ "الثورة" أساسًا. وفي مقابل انغماس فراس فيّاض في تفاصيل مدينة تُقارع وحشية نظام غير آبهٍ بها وبناسها، يُرافق طلال ديركي الأصولي أبا أسامة في دقائق يومياته، الممتدة على عائلته وأصدقائه و"عمله" كمُفكِّك ألغام، تُبتر قدمه اليسرى ذات لحظة خلال التصوير (قبل أن يُقتَل أثناء تفكيكه سيارة مفخّخة، في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2017)، وكقنّاصٍ يمتلك رؤية دينية صارمة في مسائل الخلافة والحكم وانتصار الإسلام، وفقًا لمبادئ "القاعدة"، التنظيم المنتمي إليه عبر "جبهة النصرة".

 

ينطلق طلال ديركي من قولٍ لوالده يفيد أن التحرّر من الكوابيس الشخصية كامنٌ في كتابتها أو سردها. هذا دافعٌ لمخرجٍ يكتب بالكاميرا حكايته مع الكوابيس كي يتحرّر منها، فينسلّ بهدوء إلى داخل تلك البيئة المتشدّدة، ويحتال على أبي أسامة ورفاقه كي يتمكّن من كسب ثقةٍ يريدها حصانة نفسية وروحية ومعنوية له، تمنع عنه وقوعًا في مطبّات يسهل على بيئة كهذه وضعها أمام المختلف عنهم ومعهم. وديركي، بحسب "عن الآباء والأبناء"، متيقّن منذ البداية أن الحقل الذي يتجوّل فيه مليء بالألغام، وهي أخطر من تلك التي يعمل أبو أسامة على تفكيكها (وبعض عمله مُصوَّر في الفيلم). فـ"الصراع" الأبرز كامنٌ في كيفية الاشتغال، إذْ لن يكون سهلاً البتّة اختيارُ أصولي شخصيةً أساسيةً في فيلم وثائقي، يتمكّن من حماية لغته السينمائية من التورّط في ما يُخالِف الفعل السينمائي أصلاً، والمتمثّل في تحويل الفيلم إلى شهادة ـ إيجابية أو سلبية ـ عن الشخصية وعالمها وبيئتها. فـ"عن الآباء والأبناء"، وإنْ يلتقط ملامح كثيرة للشخصية وعالمها وبيئتها، منزَّه عن الأحكام، لشدّة انهماكه في اشتغال سينمائي ينتقي "مادته"، ويصنع منها صُورًا مُولَّفة في غرفة المونتاج وفقًا لمزاجية المخرج ورؤيته ووعيه ورغباته في انتقاء تلك المادة تحديدًا، وكيفية التعاطي معها. ورغم هذا كلّه، يجعل الفيلم مرايا متداخلة ومتشابكة ومنفتحة، في الوقت نفسه، بعضها مع البعض الآخر، في محاولة جمالية لفهم الشخصية، والتمعّن في سلوكها، ومرافقة مسارها.

 

هذا يصنع لغة سينمائية تُحوِّل التوثيق إلى فعلٍ إبداعي جمالي، وإنْ تضمّن أهوالاً تصنعها تلك البيئة وتلتزمها تلك الشخصية. لذا، تبدو التجربة التي يخوضها طلال ديركي صعبة، رغم أنها تُنتج فيلمًا حيويًا وعميقًا وكاشفًا، إذْ يتمكّن من تخطي الألغام كلّها، كأنه يتحرّر من كوابيسه، بكشفه شيئًا من وقائع العيش على حافة الموت. كما أن ديركي، الذي يبدأ فيلمه هذا من قولٍ لوالده، يذهب إلى علاقة أبٍ بأبنائه، مُعرّيًا ـ بالصُوَر والتوليف والمتابعة ـ باطن حكايات ومتاهاتها. وفي مقابل العلاقة الشخصية بوالده، تُروى علاقة أبٍ أصولي بأبنائه، خصوصًا بولديه أسامة وأيمن، ينتهي الأول في مصير الأب، وينزوي الثاني في عزلةٍ لن تمنحه حرية كاملة أو خروجًا فعليًا من تلك البيئة. بهذا، يبدو "عن الآباء والأبناء" أشبه بسيرتين متداخلتين إحداهما بالأخرى، وإنْ تتخفّى الأولى في طيات الثانية: سيرة مخرج يُريد التحرّر من كوابيسه، وسيرة أصولي هو أب أيضًا، يُحاول بعض أبنائه، بمواربة شديدة ولاوعي طاغٍ، التحرّر من كوابيس يزرعها الأب فيهم.

 

لكن "عن الآباء والأبناء" ينصرف إلى مسائل أخرى أيضًا، انطلاقًا من السيرتين أو بمرافقتهما. فهو، بجولاته اليومية

الوثائقي السوري معنيّ بالعلاقة القائمة بين أب وأبنائه، كي يُفنِّد بصريًا قواعد تلك العلاقة، ومفردات تلك التربية، ومعاني تلك الثقافة، ملتزمًا سردًا يقترب من الروائيّ، من دون أن يتخلّى عن الوثائقيّ طبعًا

رفقة أبي أسامة، يغوص أكثر فأكثر في التفاصيل التي تصنع جيلاً جديدًا من الأصوليين. وهذا شبيهٌ، إلى حدّ ما، بـ"الفرقة البيضاء" (2009)، أو "الشريط الأبيض" بحسب الترجمة الفرنسية للعنوان الألماني، للنمساوي ميكائيل هانيكي، الذي يلتقط، بجمالية سينمائية قاسية وباهرة، آليات اشتغال طويل الأمد على إنشاء أجيال من المتشدّدين، بعودته إلى ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)، الذين يولد من بينهم أدولف هتلر، أو من يُشبهه. الوثائقي السوري معنيّ بالعلاقة القائمة بين أب وأبنائه، كي يُفنِّد بصريًا قواعد تلك العلاقة، ومفردات تلك التربية، ومعاني تلك الثقافة، ملتزمًا سردًا يقترب من الروائيّ، من دون أن يتخلّى عن الوثائقيّ طبعًا. فالروائي حاضرٌ في كيفية سرده الحكايات وتقديمه الحالات بلغة الوثائقي، وهذا جانبٌ من جماليته السينمائية.

 

الذاتيّ في "عن الآباء والأبناء" متأتٍ أيضًا من الذاتي الحاضر في "العودة إلى حمص"، الذي يُنجزة طلال ديركي عام 2013: إعلاء الهمّ الذاتي في مقاربة الحكاية والمكان وتحوّلاتهما، ومعاني الارتباط بهما قديمًا وحديثًا. ففي تقديمه وثائقيه السابق، يقول ديركي عن حمص، المُلقّبة ذات يوم بـ"عاصمة الثورة السورية"، إنها "المدينة التي مررت بها آلاف المرّات في طريقي إلى دمشق، من دون أن أفكّر مرة واحدة أن أدخلها". يقول أيضًا إنها "المدينة التي أصبحت أغلى ما أملك. المدينة الأسطورة خلفي، ولا شيء بعد اليوم يُعوِّض هذه الخسارة. لا قدرة لي على إطلاق الأحكام. هل كل ما فعلناه صوابًا؟ ألقي نظرة أخيرة على المكان. ربما لن أعبر مجدّدًا، وإنْ عبرت سيكون ذلك أشدّ وحشةٍ من دون أحبّتي". أم أن هذا كلّه مذكور على لسان بطل فيلمه؟ ألن يكون بطل فيلمه السابق انعكاساً له؟

 

لكن هذا كلّه لن يحضر بهذه الطريقة في "عن الآباء والأبناء". فالشخصية الأساسية لن تكون انعكاسًا لطلال ديركي، بل مَعبَرًا لبلوغ الحيّز البشري والاجتماعي والثقافي والتربوي الذي يمتلكه أبو أسامة ورفاقه. والمدينة (إدلب) لن تُشكِّل له أسىً كحمص، إلاّ بمقدار ما يصنعه السلوك التربوي لأبي أسامة ورفاقه من أسى لاحق. أما الذاتيّ، فمتمثّل بهاجس السينمائيّ الذاهب إلى تلك الأماكن كي يروي بعض حكاياتها وانفعالاتها وهواجسها وأمزجتها.