عن أحوال بعض "سدنة" سوق الثقافة العربية في الغرب

عن أحوال بعض "سدنة" سوق الثقافة العربية في الغرب

الصورة
17 أيلول 2019

هوشنك أوسي

شاعر وكاتب وصحافي كردي سوري

الحياة بوصفها سفراً لا ينتهي من المصادفات، الاحتمالات، الإنجازات، الإخفاقات، الخيبات، الصدمات، التحوّلات...، دائماً تمنحنا فرصة التعرّف إلى أناس وتجارب وأفكار جديدة. لكن الحياة، لا تتحمّل مسؤوليّة حجم الخديعة التي ربما نتعرّض لها من الأصدقاء أو الأقارب أو التجارب السياسيّة والعقائديّة والأيديولوجيّة. ذلك أننا أحياناً ننبهر أو نعجب أو نحترم أناساً ونمنحهم حقّ التقدير والثقة، ونكنُّ لهم المودّة، لكن مع التواصل والاحتكاك المباشر أو غير المباشر، نكتشف تباعاً حجم الخديعة التي سقطنا فيها، بالتزامن مع الشعور بمرارة الخيبة وقسوة الصدمة.

يحدثُ أنَّ حسن الطويّة أو النيّة الحسنة بالناس، تحولان دون رؤية ما يعتمل في الأنفس من كيد وحسد وأحقاد تبقى متوارية خلف قناع الكلام الدمث المنمّق، والابتسامة الصفراء التي تبدو في ناظرنا ورديّة ومشرقة. وتكون مرارة الخيبة والصدمة مضعّفة، حين يبدر من بعضهم فجأةً فيض من الخسّة ولجج الضغائن، بحيث تنعدم لدينا القدرة أو الطاقة على التفسير والإجابة عن سؤال: لِمَ كل هذه الأحقاد؟! وأين كانت متوارية؟!

 

الحديث عن علل ومشكلات وعيوب وقبائح السياسة والثقافة في المهجر، لم يعد من صنف "كشف المستور" أو الجرأة أو الحذاقة والنباهة والفتوَنة الصحافيّة، والزهد والعفاف الثقافي والنأي بالنفس عن تلك الأجواء المسمومة والتمرّغ فيها، أو زعم عدم التلطّخ بها. فالمجتهد الصادق في النقد والمتذمّر الممتعض من بؤس أحوال الثقافة في المهجر، يُفترض به أن يكون أولاً ناقماً وناقداً وشاهراً رأيه وكلامه في وجه بؤس أحوال الثقافة في وطنه، غير عابئ أو آبه بالأكلاف والضرائب والمردود السلبي لموقفه، بخاصّة حين يكون حاصلاً على جنسيّة أجنبيّة تمنحه بعض الحصانة من ردود أفعال النظام السياسي والثقافي الحاكم لبلاده. ذلك أنه كيف يمكننا تصديق كاتب يبدي سخطه على أحوال الثقافة في المهجر، في حين نجده يصمت صمت القبور على بؤس أحوال بلاده سياسيّاً وثقافيّاً؟! ليس هذا وحسب، بل كيف يمكنني تصديق حديث كاتب عن بؤس أحوال الثقافة في المهجر، ولديه سوابق شائنة في التصادم والطعن والشتم والنهش والتنكيل بزملاء له، قاسموه المهجر، ثقافيّاً وحياتيّاً أيضاً؟!

ومع ذلك، يبدو أن المنبهرين بتدوينات ساخطة وناقمة وغاضبة ومتذمّرة من بؤس حال الثقافة العربية في المهجر، دون معرفة خلفيّات الأمور وتفاصيلها، ينطبق عليهم المثل الشامي الدارج: "يلي بيعرف، بيعرف. ويلي مابيعرف، بيقول: كفّ عدس". كذلك ينطبق عليهم المثل الكردي الدارج: "لكم هو جميل ورائع صوتُ الطبل آتياً من بعيد"! وعليه، مهما حاول الكاتب التنصّل والتهرّب من الموقف

الكاتبُ الشجاع، شجاعٌ في وطنه أولاً.  لا نعامةٌ في الوطن، وأسدٌ في المهجر!

السياسي يسكت حيال بؤس أحوال بلاده، ويبرر ذلك بأنه لا يشتغل في السياسة، وأن الأخيرة أوحال! إلاّ أنه لا مناص من الجهر بالسخط والنقمة وانتقاد الحضيض السياسي والثقافي (الوطني)، ليس بإطلاق كلام عام ملتبس حمّال أوجه، بل بصريح العبارة وفصيحها، كموقف أخلاقي وأدبي وثقافي أيضاً ضدّ الاستبداد الذي يجرف البلاد والعباد. فالكاتبُ الشجاع، شجاعٌ في وطنه أولاً. لا نعامةٌ في الوطن، وأسدٌ في المهجر!


ثمة هوس لدى بعض الكتّاب المقيمين في الغرب بتقديم أنفسهم في بلدانهم، على أنهم كتّاب مَهجريون، وتسوءُهم أحوال الثقافة العربيّة في المهجر، ويتناولون تلك الأحوال بنقد ساخط وغاضب، مع زعم التعالي عن الانغماس فيها أو الانجرار نحو تلك الأحوال – الأوحال، حتى يكاد يظنّ القارئ بانتقاداتهم تلك أنها سيّدة الكلام، وسؤدد المقام الثقافي النزيه العفيف. ولأن القرّاء والكتّاب في الأوطان، غير مطلعين بدرجة كافيّة على تفاصيل ما جرى ويجري في المهاجر، سرعان ما يلقى الكلام الناقد الناقم الساخط على أحوال الثقافة العربيّة في الغرب، آذاناً مصغية، وبل ربما رواجاً وتهليلاً على أنه حرص ورصانة وأمانة وشجاعة. ذلك أن الكاتب لديه ثقة بأن القارئ لن يتولّى مهمّة التحرّي والتمحيص والتقصّي عن تجربة هذا الكاتب الناقد الغاضب أو ذاك، لقياس مدى الجديّة والصدق في انتقاداته، ومطابقة ذلك النقد على سلوك صاحبه، وهل ينطبق عليه قول أبو الأسود الدؤلي "لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثلهُ.. عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ" أم لا؟ وهكذا تجد الخديعة رواجاً ومديحاً على أنها الجسارة الثقافيّة النقديّة ونُبلُ فارسها! فحين أجد ناقدَ الشلليّة متمرّغاً في طينها! وناقد التهافت على العلاقات الشخصيّة والمؤسسات والمترجمين والناشرين، لا يألو جهداً في التواصل مع المترجمين والناشرين، سواء بشكل مباشر أو عبر الحوارات الصحافيّة والنشر الصحافي! وحين أجد ناقد الذين يحضرون المهرجانات والملتقيات، هو نفسه يسعى إلى المهرجانات من وراء الستار، ويتباهى بحضوره ذلك المهرجان الشعري في هولندا، أو بلجيكا، أو ألمانيا، أو إحدى دول أميركا اللاتينيّة! وحين أجد ناقد الجوائز والفائزين بها، هو نفسه سعى إليها بطريقة أو بأخرى، وناقد تهميش شعراء وأدباء بعينهم، هو نفسه همّش شعراء من أنطولوجيّات شعريّة أشرف على إعدادها، لأسباب شخصيّة محضة! وحين أجد مَن يتحدّث عن ضرورة الصدق والأمانة، أجده طعّاناً في أصدقائه وشكّاكاً في أهليّتهم الثقافيّة والأدبيّة ومشوّشاً على إنجازاتهم... حتّى لو اضطرّه هذا السلوك إلى الاحتكام إلى معلومات كاذبة وملفّقة! حيال كل ما سلف، وأضعاف ذلك، أي حديث عن الحرص على الثقافة العربيّة وأسواقها في الغرب يظهر من أشخاص كهؤلاء، يغدو محض ثرثرة ولغو ونفاق ودجل وضحك على لحى غير المطلعين، ومحاولات فاشلة في زعم الزهد والعفاف والبراءة، وادّعاء البطولة الثقافيّة والأدبيّة المهجريّة! أو ليس حال هؤلاء كحال الفاسد الذي يطالب بالإصلاح؟ وحال العاهرة والقوّاد اللذين يتحدّثان عن أهميّة الشرف والعفاف ولذّتهما؟! أو ليس سلوك كهذا هو صنف من أصناف "البلطجة" التي تتخذ من الثقافة والنقد لَبوساً و"قميص عثمان"؟!

لا يعيب الكاتب التواصل مع المترجمين أو الناشرين أو إقامة شبكة علاقات عامّة لتسويق

الكاتب الشجاع في نقده، يحرص على ألا يكون نقده من قماشة تصفية الحساب الشخصي أو الانتقام والمكايدة أو محاولة "تدمير" وتشويه الآخرين

نفسه ومنتوجه والتأكيد على موهبته، كأنْ يُجري حواراً صحافيّاً مع مترجم، كي يترجم أحد كتبه لاحقاً، أو أن يُجري حواراً مع ناشر، لربما ينشر له كتاباً لاحقاً! لكن أن يزعم البعض أنهم بعيدون عن هذا السلوك، وأنهم أسماء علم، بل و"أهرامات" في أوطانهم والمهاجر، وأنهم زاهدون عن كل أشكال الشلليّة وإبرام الصفقات المباشرة أو غير المباشرة مع المترجمين والناشرين، ويديرون ظهورهم للمهرجانات والجوائز الأدبيّة، ثم يرمون بحجارتهم كتّابا آخرين على أنهم يقترفون ذلك، فهذا ما لا أمتلك القدرة على إيجاد توصيف له!

الكاتب الشجاع في نقده، يحرص على ألا يكون نقده من قماشة تصفية الحساب الشخصي أو الانتقام والمكايدة أو محاولة "تدمير" وتشويه الآخرين، وكل ما قد ينجم عن ترّهات الكيد والحسد والنفس العدوانيّة الثأريّة.

الكاتب الشجاع، يفترض به أن يكون شجاعاً وحريصاً على أحوال الناس في وطنه أولاً باعتبارهم البشر الذين يكتب لهم. أحياناً، ربما ينأى الشاعر بنفسه عن تناول الأوضاع السياسيّة بشكل مباشر وفجّ، ولكن من بديهيات العمل الروائي، التطرّق، ولو شذراً إلى الواقع السياسي والثقافي، في سياق تناول الواقع الاجتماعي لبلده. لكنْ أن نجد عملاً روائيّاً سوريّاً أو مصريّاً، يزعم كاتبه أنه ناقدٌ لأحوال الثقافة العربيّة في الغرب، بينما عمله الروائي يتجاهل تماماً الأوضاع والتحوّلات والاهتزازات العميقة التي شهدها بلده في الأعوام الأخيرة التي تزامنت مع كتابتهِ روايته؟! فهذه الشجاعة النقديّة المهجريّة، ليست مجهريّة في الوطن وحسب، بل ومعدومة!

والحال أنه ضمن البلدان العربيّة وحتّى في المهاجر، كثيراً ما نجد شعراء وأدباء يبدون وجهات نظرهم النقديّة بصراحة، ويجهرون بمواقفهم الناقدة حيال أوضاع بلادهم سياسيّاً وثقافيّاً، سواء في المقالات أو التصريحات أو على صفحاتهم الشخصيّة في مواقع التواصل الاجتماعي. وهذه ليست شجاعة، بل من طبائع الأمور وشيم وقيم وأخلاق الكاتب المبدع الذي يحترم نفسه ويحترم الناس الذين يكتب لهم، ويفترض أن يكون مع أحلامهم، ويتألّم معهم، لا أن يصمت على بؤس أحوالهم. إذ كيف لكاتب مصري تجاهل ثورة 25 يوليو وما جرى بعدها في عمله الروائي الأوّل، وثم يرتدي جلباب الشجاعة النقديّة ويعتمر عمامتها؟!

مع ذلك، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، يمكن أن نجد شاعراً يَسِمُ ديوانَه الشعري بعنوانٍ ينطوي على المفاضلة والتحدّي الضمني لرمز سياسي ووطني، كأنّ يعتبر ابتسامة حبيبته أجمل من العلم الوطني؛ الشاعر طه عدنان المقيم في بلجيكا نموذجاً[1]. وفي هذا التوصيف الأدبي المجازي، تفضيل لما هو إنساني على ما هو أشبه بالوثن السياسي أو الرمز الوطني في المزاج العام. ويمكن أن نجد روائيّاً مصريّاً ينتقد بشدّة الاستبداد السياسي الحاكم في أعماله، حتى لو كان ذلك في قالب رمزي وغير مباشر، وينتقد الأوضاع السياسيّة والثقافيّة في تصريحاته أو صفحته الشخصيّة على الفيسبوك[2]. أو أن نجد روائيّاً مغربيّاً يعمل في مؤسسة رسميّة تابعة للدولة، ومع ذلك ينتقد الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة في بلاده ضمن روايته الأولى! وكذا حال الكثير من الكتّاب والروائيين في سوريا، العراق، السودان، فلسطين، الخليج، المغرب، الجزائر...الخ، داخل بلدانهم أو في المنافي والمهاجر، نجدهم ممتلكين قدراً من الجسارة والشجاعة وروح مواجهة الواقع ومناكفته والاشتباك معه إبداعيّاً أو سلوكيّاً مباشراً. في موازاة ذلك، وجدنا كتّاباً آخرين، آثروا الجهر بالتماس الأعذار والمبررات للاستبداد، بل وناهضوا حركة التحوّل والتغيير التي شهدتها المنطقة. وهناك من آثر الصمت تماماً على أحوال الأوطان، في حين نراهم يمثّلون دور "هرقل" أو "إسكندر" المدافع عن الثقافة والإبداع في المهاجر والمغتربات!

قصارى القول: أن يتهم البعض آخرين بما هم موغلون فيه ومتمرّغون به، فهذا ما أصبح عملَ من لا عمل له، ومنطق ومنطوق من لا منطقَ له، سوى الطعن والتشويش على تجارب الناس، وتشويههم. زد على ذلك؛ سلاطة اللسان معطوفاً عليها نشر المعلومة الكاذبة، وانتحال الزهد والعفاف والبراءة، ربما تنفع كاتباً لفترة ما، كنوع من البلطجة، لكن سيأتي اليوم الذي تفتضح فيه الصدقيّة وتصبح صدقيّة الصنيع السلوكي والإبداعي على المحكّ، ولو بعد حين.

 

[1]  "بسمتك أحلى من العلم الوطني" للشاعر المغربي – البلجيكي طه عدنان، منشورات المتوسط، ميلانو 2016

[2]  رواية "حذاء فيلليني" للروائي وحيد طويلة، منشورات المتوسط 2016

شارك برأيك