عندما يجلس الكبير داخل النص الموجّه للطفل

تاريخ النشر: 08.04.2022 | 09:25 دمشق

الكثير الكثير مما يُكتَب للأطفال اليوم ما يزال بحاجةٍ ماسَّة إلى وجود الطفل في داخله! والعِلَّة نفسُها موجودة في معظم ما يُقدَّم لهم من خلال الوسائل المرئية: فيديوهات وفضائيات، ولقاءات مباشرة مع الصغار.

ببساطة ومع سبق الإصرار يقوم الكبير بطرد الطفل من قصيدةٍ مكتوبة من أجله، ومن قصة موجهة إليه، ويأتي بكل غلظة ليجلسَ في موضعه!

قد يستغرب بعضنا ويتساءل: هل يحدث هذا حقاً؟

يكفي أن تتخيَّلَ نفسَكَ طفلاً، وتحاولَ السَّباحة في نص كُتبت عليه عبارة "مخصص للأطفال"، فماذا تجد؟ باستثناء القليل الجيد، ما إنْ تفتح النص حتى يطالعك كلامٌ ساذج تفوح من خلفه روائحُ الوعظ وتوابلُه، وأحياناً تتدحرج نحوك من الأسطر عِمامةُ شيخ من القرون الوسطى أو عصا معلِّم بطول رمح!

إمساكُ النص من رقبته بيد الكبير حالةٌ ماثلة عندنا بمستويات متفاوتة؛ إمساكٌ كامل، نصفُ إمساك، ثمَّ ما دون ذلك. ولأنَّ الأطفال ينفرون من قراءة ما ليس لهم نتهمهم بإلإعراض عن الكتاب، وقد يتمنى كاتب نِحرير لو أنه قبضَ على الطفل من رقبته أو ربطَهُ بحبل، وفتح له فمَهُ بالقوة أو مخَّهُ ليصبَّ فيه نصَّه العظيم.

المسؤول عن هذا التردي جهات عديدة؛ الكاتبُ غيرُ الموهوب وغيرُ الواعي باحتياجاتِ برعمِ الحياة الصغير أعني الطفل، والوضعُ الثقافيُّ العام المتكلِّسُ ونصفُ المتكلِّس في الوطن العربي الذي فقدَ عددٌ من دوله مقوِّمات الأوطان، وإغفاءةُ عيون النقد وانصرافُه إلى المداهنة، ولجانُ القراءة وتقييم النصوص -قُدس سرّها المكين الأعظم- وسأتوقف عندها قليلاً لأقول: نسبةٌ ضئيلة من هؤلاء جيدون، أمَّا أغلبُهم فيشبهون الحدَّادَ الذي يُطلَب منه نسجُ الحرير أو الحطَّابَ الذي يضعونه فجأةً أمام لوحة ليرسم، وهو لم يمسك بفرشاة قط. وبعضُهم متخصص، ولكنْ على النمط القديم، أي أنه كبير في العمر لا يدرك ما يلزم الأطفال في أيامنا أو أنه شاب، حشا جمجمتَهُ بعقل عجوز.

المحصلة في كل الأحوال تتجسّد في تفنّن هذا الرعيل بوضع الخطوط الحمراء أمام أدب الأطفال الحقيقي بما فيه من عوامل الجذب الملائمة لجيل الصغار: خيال، مَرَح، مغامرة، ضَحِك، لا معقولية، إدهاش، شخصية وثَّابة، تجاوز للمألوف، وبعضُهم يقبل بشيء من هذه الجوانب بمقاييس تكاد تُفْرِغ الأمرَ من محتواه.

صديقٌ لي طويلُ الباع في أدب الطفولة رفضوا له مسرحيةً في سوريا لسبب عظيم وجيه هو أنه قال فيها: "قفزَ الأرنبُ فوق الجدار". كيف ذلك؟ اعترضوا بشدة قائلين: "الأرنب في الواقع لا يستطيع القفز فوق الجدران!".

صديقٌ آخر رفضت له مجلة إلكترونية تدَّعي التطور نصاً، بعنوان: "كوكب الحلوى"، بدعوى أن الحلويات تضرُّ بأسنان الصغار. جرى رفض هذين النصين، وأمثالُهما كثير بصرف النظر عما فيهما من عوالمَ طفولية، ورؤى جديدة، ووجبةٍ ثقافية تحتاجها بذرةُ النمو الداخلية عند أطفالنا لتتفتح.

لماذا نريد استنساخَ أنفسنا في أطفالنا؟ لماذا نريد ملءَ رئاتِهم بنفس الهواء الفاسد الذي أوصلنا إلى الحضيض وما بعد الحضيض؟

وإني لأسأل نفسي وأسأل مَنْ يعرف: لو وُضِعت نصوصٌ عالمية شهيرة وفائقة التميز كـ "حكايات القط الجاثم" لـ "مارسيل إيميه" أو "حكاية النورس والقط" الذي علَّمه الطيران لـ "لويس سبولبيدا"، أو "هاري بوتر" بين أيدي من نتحدث عنهم، أما كانوا سيقذفون بها إلى سلة المهملات؟ أما كانوا سيقولون لصاحبها ستُخرِّب أسنانَ الأطفال وعقولَهم؟ بصراحة، هذا الاستبداد الأدبي لا يقلُّ ضراوةً عن الاستبداد السياسي في بلادنا.

وفي النفس سؤال مُلحّ آخر: نحن جيلٌ فاشل منذ عام سبعة وستين وإلى الآن لا أحدَ يستطيع أن ينكر، فلماذا نريد استنساخَ أنفسنا في أطفالنا؟ لماذا نريد ملءَ رئاتِهم بنفس الهواء الفاسد الذي أوصلنا إلى الحضيض وما بعد الحضيض؟

عزيزي كاتب الأطفال وعزيزتي الكاتبة قبل خطِّ سطرٍ واحدٍ للطفل ليتكَ يا سيدي، وليتكِ يا سيدتي يضع كلٌّ منكما أذنَهُ على صدره ليسمع نبضاتِه، ليته يعي المستجداتِ التي تحيط به والتي تختلف كلياً عن ظروف طفولته هو وحيثياتها، ليته يعومُ قليلاً في بحيرة روحه ليرى ما فيها من براءة وتوثب، ورغبة في القفز والمرَح كالمِهار الصغيرة والغزلان، ليته يفهم أنه يحب الحلوى وسيبقى يحبها رغماً عنه ورغماً عن أبيه وجَدّه، وأنَّ ماءَ النهر المتدفق في شرايينه لا يمكن إيقافه بأمرٍ أو نهي، ليته قبل كل شيء ينسى لوائحَ الوقار والحكمة والأفكار الشائبة المحنَّطة، ويدخلَ مدرسة طفولته ليتعلَّم منها شيئاً جديداً يجعله حبراً لقلمه.

وبهذا الشأن اقترحَ صديقٌ لي مبدعٌ في أدب الأطفال أنَّ علينا القيام بعملية استشفاف متواصلة ميدانية لدنيا أطفالنا هذه الأيام، وما يطرأ عليها من تطورات، وذلك من خلال خطوات ملموسة تتمثل في الآتي:

  • الانتباه جيداً لرسومهم ودلالاتها.
  • التدقيقُ في القصص والأشعار التي يكتبها الأطفال أنفسهم.
  • الإصغاءُ جيداً لأحاديثهم التي تدور بينهم أو معنا نحن الكبار.
  • محاولةُ قراءة أحلامهم جيداً إذا تحدَّثوا عنها.
  • الاهتمامُ بمناجاةِ البنات للدُّمى الخاصة بهن، وطريقةِ لعبهن معها، وسوى ذلك مما يمكن أن يُشكِّل مسباراً لمكنوناتهم المخبوءة خلف صدورهم، هذه العملية باتت ضرورية ومطلوبة، وهي بالتأكيد تُقدِّم عوناً للأديب إذا كان راغباً في التزحرح عن بلادته، والسعي إلى الخصوبة في ينابيعها.

أخيراً، هناك ظاهرةٌ داكنة تلاحظها العينُ النابهة، وهي أنَّ بعض الأطفال في المدارس ابتلع المسلَّماتِ والقوالبَ التي أوصلها إليه أصحابُ الرؤوس الخشبية، من معلمين وأدباءِ طفولة، فصار يكتب كما يُطلَب منه عن الوطن وغيره بطريقة ببغاوية. أي ما صبُّوه في رأسه ينزل من مزرابه! فهل نُهنِّئ أهلَ التربية على نجاحهم في رسالتهم التلقينية ونهديهم جوائز، أم نلتقط منديلاً لنمسح دمعَ العين الجاري أسفاً على تشويه أطفالنا؟

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار