عندما تكون مجزرة حماة جزءاً من سيرتك الذاتية

تاريخ النشر: 24.05.2021 | 05:53 دمشق

الإشراف على إبادة ليس وسيلة مألوفة لتغيير اختصاصك. لكن هذا ما حدث مع محمد حربه الذي بدأ حياته العملية مدرّساً للجغرافيا في جامعة دمشق، وسينهيها الآن أستاذاً في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بالرياض، بعدما مرت خبراته بمفاصل قل نظيرها، محافظاً لحماة في أثناء أحداثها الدموية في شباط 1982، ثم وزيراً للداخلية السورية لعقد ونصف.

يرجع أصل محمد بن خالد حربه إلى فخذ «الشگرة» الذي اشتهر بالبأس من قبيلة بني خالد الكبيرة. هاجرت عائلته إلى مدينة حماة حيث قطنت حي «السخانة» الذي أخذ اسمه من سكن القادمين من بلدة «السخنة» في البادية منذ أكثر من قرنين، وحافظ على نسيج اجتماعي غير متطابق مع هذه المدينة المغلقة عائلياً والمكوّنة من ملاك أراض وتجار وعموم من الحرفيين. وفي حين وصل الغنى إلى بعض عائلات الحي، نتيجة تجارتها بالأغنام مع الريف الشرقي وأحجار البناء وأعمال أخرى، فإن أفراد عائلة حربه الكثر عُرفوا بفقرهم وببيع جهدهم العضلي. ولذلك كانت الدراسة فرصة هذا الفتى الذي لا ينقصه الذكاء ويعاني من عرج طفيف. فإن أضيف لذلك الانتساب إلى حزب البعث، الحاكم بعدد قليل من الأعضاء في عموم البلاد وفي هذه المدينة المحافظة خاصة؛ كانت النتيجة هي الإيفاد إلى باريس لنيل الدكتوراه في مطلع السبعينيات.

في النصف الثاني من ذلك العقد عاد حربه حاملاً الشهادة، ليأخذ موقعه في كلية الآداب بالعاصمة ويفتتح عهداً من الفساد لم يكن مألوفاً كما سيشيع لاحقاً، ببيع المواد للطلاب أو ابتزاز الطالبات. مستفيداً من موقعه كعضو قيادة شعبة الحزب ومن العلاقة التي نسجها مع رفعت الأسد عبر «رابطة خريجي الدراسات العليا» التي كانت الذراع المثقف والمدني لقائد «سرايا الدفاع» المتغول على الدولة من داخلها. الذي اقترح على شقيقه الرئيس إرسال حربه محافظاً لحماة، المقلقة للسلطة آنذاك بتأثير عمليات «الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين» وحاضنتها الشعبية.

حربه كان حموياً أقل مما ينبغي بكثير، إن لم يكن حانقاً على حماة التقليدية لأسباب اجتماعية وطبقية وآيديولوجية بحكم بعثيته

في استثناء لأعراف تعيين المحافظين في مناطق غير تلك التي يتحدرون منها؛ قرر حافظ الأسد تعيين حموي في هذه المدينة لعله يستطيع تهدئتها عبر علاقاته الشخصية، وأتاح له الاتصال المباشر به للطوارئ. لكن حربه كان حموياً أقل مما ينبغي بكثير، إن لم يكن حانقاً على حماة التقليدية لأسباب اجتماعية وطبقية وآيديولوجية بحكم بعثيته. فبدل الانفتاح على كل شرائحها أغلق بابه إلا على الحزبيين، وحفلت تقاريره إلى القيادة باقتراح اتخاذ أقسى الإجراءات، معضداً في ذلك بتغطية من سنده المحلي العقيد يحيى زيدان، رئيس فرع المخابرات العسكرية بحماة وأحد أبرز جلاديها، وبالتوجه الذي دفع نحوه رفعت وسواه من الصقور في الحكم. حتى وقع الصدام النهائي المعروف مخلفاً أعداداً هائلة من القتلى والمفقودين والسجناء، وخراب أجزاء بارزة من المدينة. وهو ما ستخصص له الحكومة تمويلاً للتعويضات والترميم وإعادة الإعمار، تلاعب فيه المسؤولون في حماة دون محاسبة، اختلاساً وقرارات استملاك جائرة وابتزازاً للأهالي المذعورين الذين كانوا يريدون سلّتهم بلا عنب.

في وزارة عبد الرؤوف الكسم الثالثة، نيسان 1985، دخل حربه الحكومة بحقيبة الإدارة المحلية. ورغم الميزانية العالية لهذه الوزارة فإن عينه كانت على النفوذ كذلك. فتولى حقيبة الداخلية في التشكيلة اللاحقة برئاسة محمود الزعبي، وحافظ عليها في حكومة الزعبي الثانية وفي حكومة محمد مصطفى ميرو الأولى. فقضى في هذه الوزارة أكثر من أربعة عشر عاماً، منذ 1987 حتى 2001، ليكون صاحب أطول مدة ممن تولى الداخلية السورية، برغم خلفيته المدنية.

في مطلع عهد بشار الأسد خرج حربه من الحكومة وعاد إلى الجامعة، قبل أن ينتبه إلى وضعه الأمير نايف بن عبد العزيز، وزير الداخلية السعودي القوي

كانت تلك السنوات عصراً ذهبياً لجهاز الشرطة الذي نما بوتيرة متسارعة وزادت ميزات ضباطه وصلاحياتهم. وسواء هدف حربه إلى ذلك أم لا فقد استُكملت على يده عملية تأديب السوريين. فإذا كان النصف الأول من الثمانينيات قد ضبط المسيّسين من أفراد المجتمع ومحيطهم الفكري والاجتماعي، فإن هؤلاء لم يكونوا أغلبية بطبيعة الحال. أما عموم الناس، الذين قرروا أن يمشوا الحيط الحيط، فدخلوا ضمن من تطوله الأذرع الطويلة والمتعددة لوزارة الداخلية عند مخالفة الأنظمة والقوانين المتشابكة وغير المنطقية. هكذا كانت تلك السنوات عهداً شاعت فيه الأحكام العرفية بشكل غير مسبوق، رغم وقوع البلاد تحت حكم قانون الطوارئ قبل ذلك بأكثر من عقدين، والذي يتيح للحاكم العرفي ونائبيه، وزير الدفاع ووزير الداخلية، احتجاز أي كان دون أدلة قانونية حالية كافية. لم يتوسع أحد في التوقيع على التوقيفات العرفية، المحددة الزمن أو المفتوحة، بقدر ما فعل حربه وأتاح لضباطه وصف ضباطه. فكان «العرفي» سيفاً مسلطاً على التجار بحجة التعامل بالعملات الأجنبية، والصناعيين بتهم مخالفة المواصفات، والحرفيين لأنهم لم يغلقوا ورشاتهم في الساعة المحددة، وعلى تجاوزات البناء، وزيادة التسعيرة التموينية، وحوادث السير، حتى طال بعض العناصر الهامشية الرخوة من منسوبي أجهزة الأمن، حين يمكن التحرش بهيبة «معلميهم» وعندما يُضبطون وهم يتجاوزون «القانون»، وهو الشعار المطاط الذي غُطيت به كل تلك السلوكيات التي كانت باباً للرعب ومدخلاً لوضع اليد على المنقولات والعقارات. رغم أن القانون نفسه لم يمنع ضباط الشرطة، الذين فاقت هيبتهم مكانة ضباط الجيش المزرية منذ الثمانينيات، من ممارسة التعذيب الكيفي وتوجيه الإهانات بطلاقة لمن يقوده حظه إلى الوقوع في أسر طغيان مخافرهم وفروعهم. كما لم يحُل دون تفشي الفساد في الوزارة، وتقاسم ريعه، وتكاتفها لتحصيله بدءاً من أصغر شرطي وحتى الوزير الذي اعتمد «مفاتيح» لتزييت التشدد عبر طرق موازية خصصت لسماسرة من طاقم مكتب العرفي ومن بعض أقاربه.

في مطلع عهد بشار الأسد خرج حربه من الحكومة وعاد إلى الجامعة، قبل أن ينتبه إلى وضعه الأمير نايف بن عبد العزيز، وزير الداخلية السعودي القوي عندئذ، وكان الاثنان قد تعارفا في اجتماعات مجلس وزراء الداخلية العرب، فيقترح على زميله السابق وظيفة أستاذ في جامعة العلوم الأمنية التي منحها الأمير اسمه واهتمامه. على أعتاب الثورة السورية غادر حربه إلى السعودية. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن يدرّس في «كلية العلوم الاستراتيجية» في هذه الجامعة، مشرفاً على رسائل الماجستير والدكتوراه التي يعدّها طلابها حول موضوعات مثل «أداء ضباط شرطة منطقة الرياض» و«تعزيز الأمن الفكري لدى رجال الأمن في المملكة» و«حماية الفضاء الإلكتروني» لها و«ربط شبكة المعلومات الأمنية بين دول مجلس التعاون» و«تطوير التعليم والتدريب في كلية الملك خالد العسكرية».