icon
التغطية الحية

عنب القنيطرة.. زراعة متجذّرة وتحديات تهدّد الموسم الحالي

2025.09.19 | 06:11 دمشق

عنب القنيطرة
القنيطرة - لجين النعيمي
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- زراعة العنب في القنيطرة تمثل جزءاً من الهوية الزراعية والتراث العائلي، حيث تزرع في مناطق جبلية مثل جباتا الخشب وحضر، وتعتبر ركيزة اقتصادية واجتماعية.
- يواجه الموسم الحالي تحديات مثل نقص الأمطار والمبيدات، وفجوة تسويقية بين سعر المزرعة والسوق النهائي، مما يضطر المزارعين لبيع المحصول بأسعار منخفضة.
- الحلول تشمل دعم مستلزمات الإنتاج، تطوير البنية التحتية، تشجيع الصناعات التحويلية، وإحياء التعاونيات الزراعية لفتح قنوات تسويقية جديدة.

مع حلول موسم قطاف العنب في محافظة القنيطرة، تتجه الأنظار ككل عام إلى هذا المحصول الذي يعدّ جزءاً أصيلاً من هوية المحافظة الزراعية ومصدراً مهماً لمعيشة سكانها، وخصوصاً في الريف الشمالي.

ورغم التحديات، تمكّن المزارعون من تحقيق إنتاج مكّنهم من تغطية جزء من التكاليف، ما أبقى الأمل قائماً في استمرار هذه الزراعة المرتبطة بتاريخ المنطقة واقتصادها.

زراعة متجذّرة في هوية المنطقة

تُعد زراعة العنب من أبرز الزراعات المتوارثة في محافظة القنيطرة، حيث تشتهر كروم العنب الممتدة على سفوح بلدات مثل جباتا الخشب وحضر.

الطبيعة الجبلية والمناخ المعتدل، وفّرا بيئة مثالية لنمو العنب على مدى عقود طويلة، ما منح هذه الزراعة مكانة خاصة إلى جانب التفاح والكرز، لتصبح ركناً أساسياً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للأهالي.

عنب القنيطرة

المزارع في القنيطرة لا يرى في كرومه مجرد مصدر دخل، بل يعتبرها جزءاً من تراثه العائلي وذاكرة أجداده. فالعنب بالنسبة لكثيرين ليس مجرد محصول موسمي، بل قصة ارتباط بالأرض وجذور يصعب التخلي عنها.

موسم محمّل بالصعوبات

رغم هذا الارتباط العميق، جاء الموسم الحالي محمّلاً بتحديات متنوعة، أبرزها: قلة الهطولات المطرية، ما انعكس مباشرة على وفرة مياه الري، وفي كثير من المناطق، لم تكفِ المياه لتغطية كامل المساحات المزروعة، ما أدى إلى تراجع نمو الكروم.

كذلك، ظهر نقص واضح في المبيدات والأسمدة بالكمية والسعر المناسب، الأمر الذي جعل الكروم عرضة للإصابات الزراعية وأثر على جودة العناقيد وحجمها، حيث يشير المزارعون إلى أن هذا النقص، إضافة إلى غياب برامج دعم واضحة، أضعف قدرتهم على حماية محاصيلهم.

المزارع "أبو محمد" من ريف القنيطرة، قال لـ موقع تلفزيون سوريا: "العنب بالنسبة إلنا أكثر من مجرد محصول، هو تاريخ وذاكرة.. صحيح أنّ الموسم أضعف من السنوات الماضية، لكن الحمد لله استطعنا أن نغطي التكاليف ونصرف جزءاً من الإنتاج".

فجوة الأسعار وأزمة التسويق

من أبرز المشكلات هذا العام الفارق الكبير بين السعر الذي يتقاضاه المزارع وما يدفعه المستهلك، ففي حين يُباع كيلو العنب في أرض المزرعة بسعر يتراوح بين 3000 و5000 ليرة سورية، يصل سعره في الأسواق النهائية إلى أكثر من الضعف.

هذا الفارق يعكس ضعف آليات التسويق وسيطرة الوسطاء على حركة البيع والشراء، مستفيدين من حاجة المزارع لتصريف محصول سريع التلف.

يقول المزارع "أبو عادل" من جباتا الخشب: "في سنوات سابقة كنا نصرف إنتاجنا لأسواق دمشق وحتى خارج المحافظة، اليوم نعاني من ضعف الإنتاج وقلة الطلب، ومع الأسعار الحالية بالكاد نغطي التكاليف".

وتزداد المشكلة مع غياب معامل كافية للتوضيب أو التصنيع، ما يضطر المزارع إلى البيع السريع ولو بسعر منخفض، نظراً لعدم قدرة العنب على التخزين الطويل.

المهندس محمد رحال من مديرية زراعة القنيطرة، أوضح أنّ "المساحة المزروعة بالعنب هذا العام بلغت نحو 335 هكتاراً، منها مساحات مروية وأخرى بعلية، بينما قُدّر الإنتاج الكلي بحوالي 3,5 آلاف طن".

وأشار "رحال" لـ موقع تلفزيون سوريا، إلى أنّ قلة الأمطار ونقص المواد الزراعية الضرورية كانا من أبرز أسباب التراجع في كمية المحصول وجودته.

وتابع: "الموسم الحالي لم يكن بمستوى التوقعات، لكن بالإمكان البناء عليه، المطلوب هو خطة متكاملة تبدأ بدعم المزارع بمستلزمات الإنتاج، مروراً بإنشاء مراكز لتوضيب وفرز المحصول، وصولاً إلى إقامة صناعات تحويلية توفر قيمة مضافة وتمنع خسارته".

أبعاد اقتصادية واجتماعية

لم تقتصر انعكاسات الموسم على المزارعين وحدهم، بل طالت الواقع المعيشي للعائلات في ريف القنيطرة الشمالي، إذ يعتمد عدد كبير منها على دخل العنب كمورد رئيسي.

ومع محدودية العائدات، يجد الأهالي صعوبة في تلبية متطلبات حياتهم اليومية من مصاريف التعليم إلى تكاليف الصحة والمعيشة، كما أنّ غياب بدائل اقتصادية أو مشاريع زراعية تعاونية يزيد من هشاشة الوضع.

عنب القنيطرة

ويخشى بعض المزارعين أن يؤدي استمرار الظروف ذاتها إلى تقليص المساحات المزروعة أو حتى هجر الكروم، ما قد يهدد على المدى الطويل هوية المنطقة الزراعية.

ويرى مختصون أن تجاوز هذه التحديات يتطلب رؤية استراتيجية تتضمن:

  • تأمين مستلزمات الإنتاج من مبيدات وأسمدة بأسعار مدعومة وبكميات كافية.
  • إنشاء مراكز متخصصة لتوضيب وفرز المحصول بما يرفع من جودته في السوق.
  • تشجيع الصناعات التحويلية مثل إنتاج الزبيب والدبس والعصائر لضمان الاستفادة من فائض المحصول.
  • إحياء دور التعاونيات الزراعية لتكون وسيطاً منظماً بين المزارع والأسواق.
  • فتح قنوات تسويقية جديدة داخل البلاد وخارجها لتخفيف الضغط على السوق المحلية الضيقة.

ورغم الظروف الصعبة، يتمسّك المزارعون بأرضهم وكرومهم، مدفوعين بارتباط تاريخي بالمحصول وبإيمانهم بأن هذه الزراعة تستحق الدعم، مشيرين إلى أنّ تطوير البنية التسويقية وإيجاد صناعات تحويلية، يمكن أن يحوّلا التحديات إلى فرص حقيقية.

المزارع "أبو محمد" يختم حديثه قائلاً: "لسنا ضد التعب ولا نخشى العمل في الأرض، لكننا نحتاج من يقف إلى جانبنا، إذا لم يتم دعمنا وتسويق محاصيلنا بشكل منظم، سنفقد مصدر رزقنا، وسيضيع تعب عام كامل في أيام قليلة".

بين ضعف الإنتاج، وفجوة التسويق، وتحديات الأسعار، يواجه موسم العنب في القنيطرة اختباراً صعباً، ومع أن هذه التحديات تكشف عن مشكلات حقيقية، فإنّها في الوقت نفسه تفتح المجال أمام حلول عملية قادرة على ضمان استمرارية هذا القطاع الحيوي، لذلك فإنّ المطلوب اليوم ليس دعماً موسمياً عابراً، بل استراتيجية متكاملة تحافظ على هوية القنيطرة الزراعية، وتقي المزارع من البقاء الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج.