icon
التغطية الحية

عمر خيري وتكرار "موّال الفوضى".. مَن يضبط لحن القانون في سوريا؟

2025.08.04 | 16:24 دمشق

آخر تحديث: 2025.08.04 | 16:33 دمشق

عمري خيري
اعتداء على المطرب الشعبي (عمري خيري) - 1 آب 2025
تلفزيون سوريا - خاص
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تعرض المطرب الشعبي عمر خيري لاعتداء جسدي ومعنوي خلال حفل في مدينة الباب، حيث اقتحمت مجموعة مسلحة الحفل واعتدت عليه، مما أثار استنكاراً وانقساماً بين السوريين حول دوافع الاعتداء.
- تباينت الآراء حول دوافع الاعتداء، حيث ربطها البعض بتأييد خيري السابق لبشار الأسد، بينما اعتبرها آخرون نتيجة لمعتقدات المسلحين الرافضة للغناء، مع تأكيد أن الاعتداء يمثل تصرفاً ميليشيوياً.
- نفت وزارة الداخلية السورية تورط أي جهة أمنية، مما زاد المخاوف حول تكرار الاعتداءات في ظل فراغ أمني، وطرح تساؤلات حول العدالة الانتقالية في سوريا ما بعد الأسد.

في مشهدٍ جديدٍ صادم، أعاد طرح أسئلة جوهرية حول حقيقة التحوّل نحو دولة القانون في سوريا، بعد سقوط نظام الأسد المجرم، وثّقت مقاطع فيديو تداولها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، يوم الجمعة الفائت (1 آب 2025)، لحظة تعرّض مطرب شعبي لاعتداء جسدي ومعنوي قاسٍ، خلال إحيائهِ حفلاً في مدينة الباب شرقي حلب.

مجموعة مسلّحة -تضاربت الأنباء حول تبعيتها المؤسّساتية- اقتحمت حفلاً يحييه المطرب الشعبي عمر خربوطلي والمعروف باسمه الفنّي (عمر خيري)، وأجبرته على التوقّف عن الغناء، ثم اعتدت عليه بالضرب، مع إذلالهِ عبر حلق شعره وكتابة عبارات مهينة على وجهه وجبينه وصدره.

وبحسب ما أظهرته المقاطع المتداولة، فقد أُجبر "خيري" على ترديد شعاراتٍ تُمجّد الرئيس الجديد أحمد الشرع، علماً -وفق إحدى الروايات- أنّ سبب الاعتداء عليه أصلاً، لأنّه سبق أن مجّد الرئيس السابق -المخلوع بشار الأسد- وغنّى له في حفلاتٍ عديدة وخلال خدمتهِ العسكرية.

ووسط سخرية المعتدين وبعض الحضور، بدا المطرب "خيري" منكسراً وخائفاً، في مشهد وصفه كثيرون بأنّه "انتهاك صريح لكرامة الإنسان"، بغض النظر عن سبب الاعتداء وتحت أي ذريعة كانت.

مقاطع الاعتداء على "خيري"، أثارت موجة استنكار وجدلاً كبيراً بين سوريين مؤيدين للاعتداء باعتباره "رد فعلٍ على ولائه السابق لنظام المخلوع بشار الأسد"، ورافضٍين له كونه "انتهاكاً صارخاً للقانون وحقوق الإنسان".

"روايات متعدّدة وآراء متباينة"

تعدّدت الروايات حول أسباب الاعتداء ودوافعه، في حين ربطها البعض بتأييد "خيري" للرئيس المخلوع وتمجيده عبر الأغاني والمواويل، ذهب آخرون إلى تبريرها من منظور معتقدات المسلّحين المعتدين، الرافضة للغناء عموماً واعتباره محرّماً.

ورغم أنّ "خيري" لم يُعرف عنه أي انخراط مباشر في أعمال عنف وقتال، غير أنّه كان مؤدِّيا لمواويل وأغانٍ تمجّد المخلوع، عندما كان مجنّداً في صفوف جيشه، إلا أن بعض مؤيّدي حالة الاعتداء عليه -وفقاً العديد من المنشورات- اتهموه بأنّه "شبيح سابق"، معتبرين -على ما يبدو- أنّ غنائه للنظام حتى ولو بدافع الخوف أو الانصياع، يستوجب العقوبة ولو بأثر رجعي.

وتباينت تعليقات الناشطين السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي، إلّا أنّ معظمها شدّد على أنّه "مهما كان الموقف السابق للمطرب عمر خيري، لا يحق لأحد أن يهينه بهذه الطريقة"، معتبرين أنّ هذا تصرف "ميليشيوي"، ولا ينتمي لدولة محترمة تسعى إلى إقامة العدالة وتطبيق القانون.

وفي رصد لتعليقات بعض الناشطين بخصوص حادثة الاعتداء، قال أحدهم: "أنا ضد عمري خيري وأمثاله من مؤيدين شبّحوا وغنّوا للرئيس المخلوع، بس كمان ضد أي شخص يقرّر من تلقاء نفسه معاقبة الناس بطريقته، ليش وين الدولة والقانون؟".

وكتب ناشط آخر: "اليوم عمر خيري، بكرا مين؟ كل فنان أو صحفي أو ناشط عنده رأي مختلف؟ كيف بدنا نبني وطن إذا كل واحد فينا بدّو يحاسب المُختلف عنّو، بعدين عملوا تسويات مع مجرمين متورطين بدم آلاف السوريين وجايين يحاسبوا مطرب متورّط بصوته بس.. وإذا كان فعلاً مؤيّد بس مافي برقبته دم، خلص النظام سقط وانتهى".

وتطابقت آراء البعض في أنّ حوادث الاعتداء التي شهدتها مناطق سوريّة عدة، منذ سقوط النظام البائد، لا يمكن اعتبارها "عدالة"، إنّما هي أقرب إلى "الانتقام الشخصي والعشوائي"، مشدّدين على أنّ "الأخطر" في هذا الأمر، أنّه يُمارس باسم الثورة، وهذا قد "يُدمّر شرعية الدولة الجديدة في نظر الشعب".

"الكيل بمكيالين"

الازدواجية التي فجّرتها حادثة الاعتداء على (عمر خيري)، سلّطت الضوء مجدّداً على مفارقة شديدة الإشكال، تتمثّل في أن مَن يواجه الإهانة والانتقام اليوم، ليسوا بالضرورة من مرتكبي الجرائم، بل كثيراً ما يكونون -وفق ناشطين- من فئات "بسيطة"، كـ مطربين شعبيين ومدنيين، اضطّروا للتعايش تحت سلطة النظام السابق.

وكانت هذه الحادثة محوراً لكثير من تعليقات السوريين التي أشارت إلى أنّه في الوقت الذي يُهان فيه مطرب شعبي لم يُعرف عنه سوى تمجيده للمخلوع عبر المواويل، يُسجَّل "تسامح كبير" -عبر "تسويات" غامضة- مع مسؤولين مجرمين وتجّار حرب، تورّطوا بتهجير وقتل سوريين ونهب ممتلكاتهم، وهذا يدفع إلى التساؤل حقيقةً: "هل نعيش فعلاً مرحلة انتقال نحو دولة عدالة وقانون، أم مجرّد انتقال في أدوات القمع والانتقام؟".

والمفارقة الأكبر -كما يرى بعض المنتقدين- أنّ كبار المطربين السوريين، سبق وأن غنّوا للرئيسين السابقين حافظ الأسد وابنه المخلوع بشار الأسد، وبعضهم ما زال يُكرّم، في حين يُهان مطرب شعبي لا يملك الحماية أو النفوذ، فقط لأنّه أدّى مواويل "تمجّد رئيس نظام قمعي"، وكان مجنّداً في صفوف جيشه.

"نفي الداخلية وتوسّع سطوة المسلّحين"

مع إشارة بعض الناشطين إلى أنّ المسلّحين هم من الأمن الداخلي، نفت وزارة الداخلية السوريّة تورّط أي جهة أمنية تابعة لها بالحادثة المذكورة، مشدّداً المتحدّث باسمها، نور الدين البابا، على أنّ "الوزارة تواجه حملات تضليل ممنهجة تهدف إلى تشويه صورة الأمن الداخلي".

وبحسب "البابا"، فإنّ "الوزارة تمارس عملها بشفافية، وفي حال حدوث خطأ، فإنها تعتذر وتُحاسب الفاعلين، لكنها في الوقت ذاته (لن تسكت عن الأكاذيب وتلفيق التهم)، داعياً إلى "توخّي الدقة والتحرّي من صحة الأخبار والصور، حرصاً على المصداقية وتجنّباً للوقوع في فخ التضليل أو نشر معلومات مغلوطة".

لكن عدم إشارة "البابا" إلى وجود مسلّحين خارجين عن القانون يتصرّفون من دون رادع أو مسوّغ قانوني، زاد من مخاوف كثيرين حول تكرار مثل هذه المشاهد في ظل فراغ أمني وغياب المحاسبة، وطرح تساؤلاتٍ خطيرةً بشأن مسؤولية الدولة عن أمن البلد وضمان استقراره.

وعلّق حقوقيون سوريون على توضيح المتحدّث باسم وزارة الداخلية، قائلين: إنّه بيان بمثابة "تبرؤ" وعدم تحمّل المسؤولية، إذ لم يشر إلى أي وعدٍ بمحاسبة المعتدين أو بفتح تحقيق حول مسلّحين ينفذون أحكاماً من تلقاء أنفسهم.

وأوضح -بعض مَن تحدث إليهم موقع تلفزيون سوريا- أنّ "عدم انتماء المعتدين إلى جهات رسمية لا يُعفي الدولة من المسؤولية، بل يُحمّلها مسؤولية أكبر، إذ إنها المعنية بوضع حد لفوضى السلاح المنفلت، الذي يُشهره حاملوه باسمها، وباسم الثورة، وأحياناً باسم (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)".

وتابعوا: "القضية هنا لا تتعلّق بالمطرب الشعبي (عمر خيري) كشخص، بل بما ترمز إليه الحادثة، فهي انتكاسة خطيرة لمسار بناء دولة حديثة تنبذ العنف وتحترم كرامة الإنسان، حتى وإن كان مِن خصومها".

خلاصة آراء الكثير من السوريين وتعليقاتهم حول الحادثة، تشير إلى أنّه سواء أكان (عمر خيري) مغنياً موالياً للنظام السابق عن قناعة أو خوف، فإنّ الاعتداء عليه بهذه الطريقة الوحشية يطرح سؤالاً صارخاً عن مفهوم العدالة الانتقالية في "سوريا ما بعد الأسد": هل الانتقام بيد الجماعات المسلّحة يمكن أن يكون بديلاً عن المحاسبة القضائية؟ وهل يمكن أن يُبنى وطنٌ بالحقد الشخصي والتشفّي؟

طبعاً، هذه الخلاصة يؤكّد أنّ حادثة (عمر خيري) ليست مجرّد اعتداء على مطرب شعبي، بل هي صفعة في وجه طموحات الملايين الذين حلموا بـ(سوريا جديدة)، دولة لا يُحاسب فيها الناس على الغناء، بل على الجرائم، وداخل المحاكم، لا في اقتحام الحفلات والمطاعم.