عمر حجو ونقابة الفنانين

تاريخ النشر: 25.03.2021 | 12:04 دمشق

كان الفنان الكوميدي الراحل عمر حجو (1931- 2015) مولعاً بالعمل الجماعي. ففي بداياته الأولى انتسب إلى "نادي الأخوة الرياضي"، وهناك كان يشارك مع زملائه في بعض حفلات السمر ويقدمون أشياء مضحكة، وكان معظم نصوص تلك الفقرات من تأليفه، أو من أفكاره.

وبالنظر إلى فطرته الكوميدية فقد كان يتضايق من مشاهدة المسرحيات التراجيدية التي كانت تقدم في حلب، واقترح على الأصدقاء أن يقدموا فقرة تمثيلية كوميدية بعد انتهاء العرض المسرحي. وكان ذلك، وحققت هذه الفكرة نجاحاً لا مثيل له، وصار الجمهور ينتظر انتهاء العرض المسرحي بصبر نافد ليستمتع بالفقرة الكوميدية.

في حوار أجريتُه معه سنة 2009 حدثني عن بعض تجاربه ومغامراته الفنية التي امتدت على نحو نصف قرن. ومما قال؛ إن المسرحية التقليدية في تلك الأيام كانت تمشي بحسب التسلسل الآتي: التعريف بشخصيات المسرحية- العقدة- الحل- المقولة. وكان المسرح القومي يقدم مسرحيات للنخبة، وكان المسرح الحر بقيادة عبد اللطيف فتحي يقدم مسرحاً شعبياً.

الفكرة التي خطرت لعمر يومئذ هي أنه تساءل: ألا يمكن تقديم مسرح يشكل حالة وسطى بين المسرح النخبوي والشعبوي؟ وهل يستطيع المسرحي أن يقفز قفزة واحدة ليصل إلى المقولة أو (النتيجة)، دون التعريف بالشخصيات والعقد والحلول؟ 

من هذه التساؤلات توصلوا إلى فكرة "مسرح الشوك" الذي يمكن أن تقدم فيه خمساً وعشرين مقطوعة مسرحية ضمن الزمن اللازم لتقديم مسرحية تقليدية واحدة.

ولئن كانت الفصول الكوميدية التي قدمها عمر وصحبه في حلب على نحو مبكر أقرب ما تكون إلى مفهوم مسرح الشوك، إلا أن التجربة المتكاملة الأولى قدمت على مسرح المركز الثقافي السوفييتي سنة 1969، بعنوان "مرايا"، وكانت من تأليف وإخراج عمر حجو، شاركه في البطولة كل من ياسين بقوش ومظهر الحكيم وإيلي غريبي وعبد السلام الطيب ونبيل خزام.

نجح العرض نجاحاً باهراً واستمر التصفيق زمناً طويلاً، ومما يجدر ذكره أن دريد لحام تقدم من عمر حجو وهنأه وقال له بالحرف الواحد: أنا مستعد أن أعمل معك في مسرح الشوك بصفة عامل إضاءة!

ومعلوم أن مسرح الشوك قد تطور بعد ذلك وقدم أعماله في أكثر من موسم.

ثمة تجربة أخرى، خاضتها مجموعة من الفنانين بعد هزيمة 1967، بهدف دعم المجهود الحربي. خطرت لهم، يومئذ، فكرة طريفة، هي: إحداث مقهى للفنانين في أحد أجنحة معرض دمشق الدولي الذي كان يقام في الخريف، ويقوم فيه الفنانون بدور النُدُل. يعني: يجلس المواطنون الزوار، ويطلبون ما يحلو لهم من قهوة وشاي وأراكيل، ويقوم الفنانون (بجلالة قدرهم) بتقديم هذه الطلبات لهم. والفنانون يرضون بهذا الدور لأنه في سبيل الوطن!

ولئن كانت الفصول الكوميدية التي قدمها عمر وصحبه في حلب على نحو مبكر أقرب ما تكون إلى مفهوم مسرح الشوك، إلا أن التجربة المتكاملة الأولى قدمت على مسرح المركز الثقافي السوفييتي سنة 1969، بعنوان "مرايا

(هكذا كان معظم الناس يفكرون في تلك الأيام، لأنهم لا يعرفون كيف حصلت الهزيمة أصلاً).

أصبح ذلك المقهى من أكثر مقاهي دمشق ازدحاماً، والسبب معروف، يمكن تلخيصه بأنه لا يمكن لأي مواطن أن يحلم بأن يجلس في مقهى ويلف ساقاً على ساق، ويأتيه بفنجان قهوته أبو صياح أو غوار الطوشة أو فطوم حيص بيص، ويضع له النارة على راس أركيلته بدري بيك أبو كلبشة أو عمر حجو. وكان المسؤولون يحضرون، كذلك، إلى ذلك المقهى، ويجلسون مع الفنانين ويسألونهم عن معاناتهم. وذات مرة حضر وزير الخارجية إبراهيم ماخوس، فطلب منه الفنانون المساعدة في إحداث نقابة لهم تحميهم من عاديات الزمان.

قال ماخوس: عينوا واحداً منكم لتسيير المعاملة ومتابعتها.

فقالوا بصوت واحد: عمر حجو.

(كان يساعده في هذا العمل رياض دياربكرلي وجميل ولاية).

اتفقوا على تكليف عمر حجو بهذا العمل لأنهم يعرفون مقدرته على المتابعة وصبره على عراقيل الروتين الإداري.

حمل عمر حجو إضبارة مشروع إحداث نقابة الفنانين وشرع يدور فيها من دائرة إلى دائرة ومن وزارة إلى وزارة حتى (عصلجت) في وزارة المالية. ووقتها اتجه عمر إلى وزارة الخارجية وشكا للوزير إبراهيم ماخوس ما جرى معه، فاتصل بوزير المالية وشرح له أهمية هذه النقابة، وذهب عمر حجو بعد المكالمة لزيارة وزير المالية، وبدوره استدعى معاونه "فوزي عثمان" وطلب منه التسريع بإعداد مرسوم الإحداث.

في يوم من الأيام، كنت ذاهباً مع عمر حجو، بسيارته، إلى دمشق، لتسجيل برنامج "لا تواخذوني يا خاي" الذي أخرجه مصطفى فهمي البكار. كنا نتحدث، كالعادة، في شؤون الفن، وفجأة قال لي:

- احزر، يو خاي أبو مرداس، مين كان مهتم أكتر شي بتأسيس نقابة الفنانين؟

سألته: مين؟

وكان جوابه: وزير الدفاع حافظ الأسد.

وحكى لي أنه التقاه، ذات مرة، مصادفة، في رئاسة مجلس الوزراء، وعرض عليه حافظ مساعدته، وأعطاه أرقام هواتفه، وقال له: وين ما دقرت اتصل فيني والباقي علي.  

تعقيب: في كتابه المهم والخطير جداً "من الأمة إلى الطائفة"، الصادر مؤخراً عن دار موزاييك، يوغل الأستاذ ميشيل كيلو في قراءة الصراعات الخفية والمعلنة التي شهدتها جماعة 23 شباط بين عامي 1966 وأواخر سنة 1969، وتركزت بشكل أساسي بين القطبين حافظ الأسد وصلاح جديد، ويرينا الأستاذ ميشيل كيف كان حافظ الأسد يعمل على استقطاب معظم مراكز القوى الحساسة في الدولة والمجتمع.. ومن هنا نفهم لماذا تبرع لمساعدة الفنانين على تأسيس نقابتهم.. وإذا تتبعنا مراحل سلطته المتتالية نعرف أكثر كيف كان يعمل على مصادرة استقلالية المؤسسات والمنظمات والنقابات، ويجعلها ملحقة بسلطته المطلقة.  

مقالات مقترحة
أوقاف النظام السوري تسمح بإقامة صلاة التراويح بالمساجد في رمضان
دول عربية وإسلامية وأوروبية تعلن الثلاثاء أول أيام شهر رمضان
كورونا.. ارتفاع عدد الإصابات شمال شرقي سوريا