على هامش جريمة اغتيال علاء مشذوب: ما زلنا بحاجة إلى جرائم أخرى

على هامش جريمة اغتيال علاء مشذوب: ما زلنا بحاجة إلى جرائم أخرى

الصورة
08 شباط 2019

محمد أمير ناشر النعم

باحث سوري مقيم في ألمانيا.

يشترك الشرق والغرب كلاهما في أنهما مسرحا جرائم لا حصر لها ولا عد، ولكن منذ أيام فولتير في القرن الثامن عشر افترق الغرب عن الشرق، وغدت بعض الجرائم في الغرب نهزةً لتشكيل محطات انعطاف حاسمة في مسيرة ارتقائه، وبؤر صحوة للضمير الذي كان يبدو ظاهرياً أنه نائم، فإذا به يهتز ويربو، ويشرق وينبلج، فيطهّر شعاعه جراثيم القسوة والهمجية والتعصب التي كانت تفتك بأفراد مجتمعه كالطاعون الأسود.

كان الكتّاب فرسان هذا الانعطاف، وكان المفكرون باعثي هذه الصحوة، فمن بين عشرات أو مئات الجرائم التي سمعوا بها أو عرفوها أو شهدوا عليها كان يكفي أن يتناولوا جريمة بعينها ويسلطوا عليها الضوء، ويصوِّروها بدقة واحترافية، ليكون تصويرها نائباً عن شرح بقية الجرائم الشبيهة والمماثلة. التصوير الذي يجعل الأبدان تقشعر، والنفوس تصعق، والتفكير يطوف ويسعى بحثاً عن طريق يحول دون تكرارها واستمرارها.

كان أبرز مثال لذلك، في رأيي، هو النص الرهيب الذي افتتح به ميشيل فوكو كتابه (المراقبة والمعاقبة) ونقله عن جريدة أمستردام. هذا النص الذي كتبه قلم وصّاف

هدم كتّاب القرن الثامن عشر، من خلال تصوير بعض الجرائم والتعليق عليها، عقوبة التعذيب، وقوّضوا روح التعصب الديني المسؤول عن إزهاق أرواح ملايين البشر

دقيق الملاحظة بارع الالتقاط! فقد تتبع تفاصيل تعذيب إعدام روبرت فرانسوا ديميان عام 1757، حيث تحوّل معنى القصاص والعدالة إلى أسوأ أنواع الجرائم من خلال التفنن في قتل المتهم بطريقة لا يمكن تخيلها لولا ذلك الوصف المفصّل لها.

لقد هدم كتّاب القرن الثامن عشر، من خلال تصوير بعض الجرائم والتعليق عليها، عقوبة التعذيب، وقوّضوا روح التعصب الديني المسؤول عن إزهاق أرواح ملايين البشر. ويقف فولتير على ذروة هذا الإنجاز الإنساني العظيم عندما سلّط الضوء على جريمة قتل جان كالاس بسيف العدالة سنة 1762، وقدّم لنا نصاً من أروع النصوص الإنسانية في محاربة الاضطهاد الديني في كتابه (رسالة في التسامح) الذي كان له دور لا يُنكر في إنهاء ذلك الصراع البائس ما بين الكاثوليك والبروتستانتية. فقد صوّر فولتير تصويراً بليغاً جريمة قتل كالاس بسيف العدالة، عندما انتحر ابنه الشاب نتيجة خسارته في القمار، ولكن أحد سكان تولوز الكاثوليك همس بين الجموع: إن الأب قتل ابنه لأنه كان ينوي التحول من البروتستانتية إلى الكاثوليكية، فكررت الجموع ذلك الهمس، وغدا حقيقة لا مرية فيها، وطالبوا بمحاكمة كالاس وقتله، وقام القضاة في تلك المدينة بالحكم عليه بالإعدام من دون أدنى دليل، وعلى منصة الإعدام بدأت حملة تعذيبه الشنيعة ليقر ويعترف بجريمته، حتى تنال المحكمة شرعية حكمها أمام الملأ، ويتسنى لها إدانة بقية أفراد أسرته، ولكنه حتى اللحظة الأخيرة ظل متمسكاً بقول الحقيقة.

وبعد قتله قاد فولتير حملة لتبرئته، ونجح فيها، وكتب نصه الذي غدا منعطفاً في التاريخ الأوروبي الحديث، بعد أنّ صوّر فيه مدى سخافة ذلك التعصب الديني الأهوج والأحمق الذي يعمي الأفراد والجموع، ويبعث حمّى التلذذ بالقتل وإراقة الدماء، وإزهاق أرواح الأبرياء على ما دون الشبهة، بل على محض الوهم والافتراء.

لم يكن فولتير مهتماً بالمذهب الذي ينتمي إليه كالاس، ولا المشرب الفكري الذي يعبّ منه، ولا طريقة ممارسته عبادته! بل كان يعنيه قدسية حياة الإنسان، وجريمة التفريط بها بأي شكل من الأشكال، وتحت أية ذريعة من الذرائع، فما بالك إذا كانت تلك الذرائع والأسباب مجرد أوهام حقيرة، وخيالات بائسة.

أما كتّاب القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فاستطاعوا أن يهدموا عقوبة الإعدام، وأن يشدخوا النطع الذي كانت تستقر عليه الرؤوس قبيل قطعها، وأن يقصوا الأناشيط التي تحكم طوقها على الرقاب والأعناق فتُدقها وتُهصرها. كانت حادثة واحدة، وهي إعدام الثائر جون براون كفيلة لتهز الرأي العام العالمي، في أوروبا وأمريكا، ولترص صفوف الأدباء والكتّاب ليطلقوا حملة لا هوادة فيها لإلغاء عقوبة الإعدام. جرائم معدودة تصدى لها أشاوس في الإنسانية، ومغاوير في الفكر، وصناديد في الأخلاق فغيّروا مجرى التاريخ الغربي:

كاستيلو الذي عارض حكم إعدام ميغيل سيرفيت.

فولتير الذي لم يغضّ الطرف عن جريمة إعدام كالاس.

زولا الذي وقف نصيراً لدريفوس.

هيغو الذي لم يسكت عن أي قرار إعدام في أوروبا أو أمريكا، والذي استطاع بفضل عرائضه وخطاباته أن يمنع الكثير منها.

أما المشرق العربي المسلم فعلى الرغم مما حباه الله من أنهار إعدامات واغتيالات تنزّ من جميع جباله، وتخترق كل سهوله ووديانه، فإنه لم ينعم بحركة فكرية أو أخلاقية أو حقوقية تماثل ما تحدثنا عنه للتو. فقد كانت كل حادثة من الحوادث التي يهتز لها عرش الرحمن كفيلة بأن تغيّر مسار تفكيرنا، وتقضي على حالة سخف تبريرنا، وتنتزعنا من مستنقع الاستسهال والاسترخاص في إراقة الدم، وسفح الكرامة! بدءاً من قوائم إعدامات جمال باشا السفّاح التي استغرقت المشايخ والأفندية والمسلمين والمسيحيين على حد سواء، والتي نقرأ فيها على سبيل المثال أسماء: الشيخ عبد الحميد الزهراوي، والخوري يوسف الحايك، والشيخ أحمد عارف مفتي غزة، وولده، وعبد الغني العريسي، وشكري العسلي، والشيخ أحمد طبارة، وشفيق بك مؤيد العظم، ورفيق رزق سلوم، وسواهم العشرات! لكن الكارثة الرهيبة التي ما زلنا نرتع فيها أننا لم ننظر لهؤلاء الضحايا وللجريمة التي وقعت عليهم نظراً مباشراً وجهاً لوجه، بل نظرنا إليهم من خلال الجاني، فتعاطفنا معهم عندما رأينا أن الآمر بقتلهم هو جمال باشا السفّاح أحد زعماء جمعية الاتحاد والترقي التي خلعت السلطان عبد الحميد الثاني، فسمّيناهم شهداء 6 أيار، وعندما نظرنا إلى الدولة التي قُتلوا فيها وهي الدولة العثمانية ازدريناهم وتشفينا بهم، ودافع عن قتلهم كل من أُشرب قلبه حب هذه الدولة، فعدّهم خونة يستحقون الإعدام، بل الخازوق.

واستمرت أفواج الضحايا بعدئذ على اختلاف صنوفهم واتجاهاتهم ومشاربهم ومواقعهم وطرق اغتيالهم وقاتليهم: يوسف السباعي، غسان كنفاني، محمود محمد طه، الشيخ صبحي الصالح، مهدي عامل، حسين مروة، ناجي العلي، الشيخ حسن خالد، السيد محمد باقر الصدر، فرج فودة، سمير قصير، جبران تويني، الشيخ نمر باقر النمر، ناهض حتر، وأخيراً وليس آخراً الروائي الكاتب علاء مشذوب.

جرائم تقفوها جرائم من دون أن تغدو أية جريمة منها نقطة علاّم فارقة في مسيرتنا الفكرية والأخلاقية والإنسانية، ومن دون

وقوف صادق جلال العظم في كتابه (ذهنية التحريم) كأنه جزيرة وحيدة في أقيانوس عظيم لا بداية لها ولا نهاية، ضد أعتى الديكتاتوريات الدينية على مرّ التاريخ

أن نرقى أمام أية جريمة لنشكل من موقفنا منها منعطفاً في مسارنا السريع المريع في انحداره وانزلاقه، لأن نظرنا لا يتجه إلى الجريمة بحدّ ذاتها، ولا يروم سوى استثمارها سياسياً، نكايةً وتشفياً وتصفية حساب مع الخصيم المباشر وغير المباشر. وربما كان هنالك استثناءات، لكنني لا أتذكر منها الآن سوى وقوف صادق جلال العظم في كتابه (ذهنية التحريم) كأنه جزيرة وحيدة في أقيانوس عظيم لا بداية لها ولا نهاية، ضد أعتى الديكتاتوريات الدينية على مرّ التاريخ، في موقف لا يُحسد عليه، يبرزه كأنه ضد أهم رموز الإسلام قدسية وعصمة، في سبيل مكافحته ومنافحته ودفاعه عن حق الإنسان في أن يكون له رأي يعبّر عنه من دون أن يكون رأسه ثمناً لهذه التعبير. لقد كان موقفه شبيهاً بموقف فولتير، ولكن نتائجه كانت هزيلة تنبئ بعدم نضوجنا واستحقاقنا.

واليوم هل يجب أن نتعاطف مع مقتل الكاتب علاء مشذوب؟ أم يجب أن ننظر وننتظر تحديد الجهة القاتلة أولاً، لنعلن رأينا، ونحدّد موقفنا؟

هل يجب أن نقرأ رواياته وبحوثه؟ قد تكون سطحية، وتخلو من الإبداع! قد تكون دراساته مجرد تكرار واجترار! يجب أن نأخذ نفساً قبل التعاطف.

هل سبرنا جميع آرائه؟ قد نجد فيها ما لا يلائمنا؟ إذن فلنضرب صفحاً عن ذكره من الأساس!

هل هو فرصة للاستثمار السياسي؟ إذن يا خيل الله اركبي!

يبدو أننا حتى هذه اللحظة لا نستطيع أن ننظر إلى الجريمة في عريها الخالص بما هي جريمة من دون مزاودة أو تبخيس، ولا إلى الضحية بما هو إنسان ضحية من دون استهلاك أو استثمار.

شارك برأيك