على هامش التصعيد في غزة

على هامش التصعيد في غزة

الصورة
02 نيسان 2019

مهند شحادة

صحفي وكاتب فلسطيني سوري

يُخيم نوع من الهدوء الحذر على قطاع غزة بعد جولة التصعيد الأخيرة والتي قد تذهب إلى مواجهة أكثر دموية في حال عدم التوصل إلى اتفاق هدنة برعاية المصريين، وهو ما عبرت عنه تصريحات رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الجمعة "مستعدون لكافة السيناريوهات وكل الخيارات مطروحة، نحن أمام مفترق طرق وفحص جاد لمواقف الاحتلال وردوده وفي ضوء ذلك سيتحدد المسار الذي ستؤول إليه الأوضاع خاصةً أننا في الشوط الأخير وما يمكن أن يحمله من نتائج لها الأثر الأكبر في قرار الحركة والفصائل".

من جانبه الاحتلال الإسرائيلي وبعد أكثر من خمسين غارة جوية ردًا على الصاروخ الذي أطلق من غزة أعلن على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو "بأن الأوامر أعطيت للجيش لتعزيز وجوده على حدود القطاع استعدادًا لعملية عسكرية واسعة النطاق"، وأضاف الأخير في تصريحات صحفية "إسرائيل لن تدخل في معركة شاملة ضد قطاع عزة إلا بعد استنفاذ جميع الخيارات"، على حد تعبيره ما يترك احتمالات التصعيد واردة للغاية.

من غير الواضح ما إذا كانت الجهود المصرية ستنجح في هندسة اتفاق وقف إطلاق نار طويل الأمد، ورغم أن

على الصعيد الداخلي بدأ المجتمع في قطاع غزة بالتململ من استمرار الأوضاع الإنسانية شديدة الصعوبة وعبر عنه حراك "بدنا نعيش" الذي قمعته الأولى بكل الوسائل

المعلومات المتوافرة تشير إلى موافقة "إسرائيل" على العديد من مطالب حماس سواء المتعلقة بطبيعة المواد المسموح إدخالها إلى غزة، أو توسيع رقعة مناطق الصيد وغيرها فاحتمالات التصعيد تبقى قائمة لاسيما وأن الأطراف ذات التأثير على مجريات الأمور الميدانية والسياسية في القطاع كثيرة وذات مصالح متضاربة نتيجة الأوضاع المتفجرة في الشرق الأوسط.

دون شك حماس مأزومة داخليًا وإقليميًا، فعلى الصعيد الداخلي بدأ المجتمع في قطاع غزة بالتململ من استمرار الأوضاع الإنسانية شديدة الصعوبة وعبر عنه حراك "بدنا نعيش" الذي قمعته الأولى بكل الوسائل من الاعتقال إلى إطلاق الرصاص الحي، وعلى مستوى الإقليم قد يكون هناك رغبة لدى بعض الأطراف لزيادة رقعة الفوضى شرق المتوسط وتبدو غزة المكان الأمثل لاسيما بعد إعلان الإدارة الأميركية الاعتراف "بالسيادة الإسرائيلية" على الجولان السوري المحتل، ما يمنح الكثير من المبررات لخصوم حماس في اعتبارهم أن الأحداث الأخيرة كانت محاولة للهروب من الأزمة الداخلية، ومن جهة أخرى رسالة ولاء أولُا وقبل كل شيء لإيران بما يدفع لإعادة إحياء "محور الممانعة" بعد أن دفنه الربيع العربي.

ربما يبالغ خصوم الحركة في قراءتهم للحدث ويحاولون استثماره في التضييق أكثر على حماس، لكن أليس من المفارقة أن يأتي إطلاق الصاروخ تزامنًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية؟، وحماس نفسها من كان يؤكد طيلة الفترة السابقة بأن تصريحات نتنياهو فيما يخص التصعيد العسكري ضد غزة هي من باب الاستثمار الداخلي وتجاوز الأزمة التي تحاصر رئيس الوزراء الإسرائيلي؟ أليس من المستغرب أن يحدث التصعيد أثناء وجود نتنياهو في واشنطن من أجل الاحتفال بالاعتراف الأميركي "بالسيادة الإسرائيلية" على الجولان؟، بمعنى آخر فإن ما حدث قد يعبر بطريقة أو بأخرى عن تقاطع مصالح بين "الحكومة" اليمينة في تل أبيب وحماس.

بعيدًا عن التأويلات، ثمة العديد من الأسئلة المتعلقة بمجمل تكتيكات حماس السياسية في ظل تجاهلها الضرورة الملحة للذهاب إلى إنهاء الانقسام الداخلي وإصرارها على مسار خاص لصالح توجهاتها للاستفراد بالقرار الفلسطيني - طبعًا ليست السلطة الفلسطينية بأكثر حرصًا على المصالحة-، ويدعم مثل هذا التحليل المطالب الأخيرة لحركة حماس مقابل هدنة مع "دولة الاحتلال" والتي لم تحمل أي بعد سياسي وكانت مجرد شروط خدمية معيشية -على أهميتها- تتجاهل أساس المأساة الفلسطينية وهي الاحتلال الإسرائيلي.

بالتالي فإن ما تفعله حماس هو استمرار لسياسة عبثية مرتبط بشهوة الحركة وقيادتها للسلطة، وتدفعها إلى ممارسة كل ما كانت تعيبه على فتح والسلطة الفلسطينية خاصةً أن الأولى تدرك بأن انسحاب إسرائيل من قطاع غزة عام 2005 جاء بشكل أحادي وخارج أي اتفاق مع الفلسطينيين في ترجمة واضحة للطموحات الإسرائيلية بإنهاء أي أمل لقيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967، وتعرف أيضًا أن ما يجري حاليًا يمثل خطوات متقدمة للإعلان بشكل نهائي عن وفاة حل الدولتين في ظل التطرف غير المسبوق لإدارة ترمب، ومن هنا لا بد من التساؤل عن أسباب تمسك حماس بإمارة في غزة رغم أن المعركة الحقيقة في الضفة والقدس.

هذا الواقع يفتح الباب على مصراعيه لإعادة قراءة العقل السياسي الناظم لتحركات "حركة المقاومة الإسلامية" التي كررت على مدار عقود بأنها تريد تحرير فلسطين كاملة معتبرة أن التفريط بأي حبة تراب خيانة، في حين كانت تبني شبكة علاقاتها الإقليمية/ الدولية وحتى مع دولة الاحتلال على قاعدة أنها تقبل بهدنة طويلة الأمد مع إسرائيل دون ضرورة التفاهم على مسائل الحدود واللاجئين وذلك في سياق "صراعها" المحموم مع فتح ومنظمة التحرير وتسويق نفسها كبديل يمكن التفاهم معه بشكل أفضل.

التوصيف السابق لا يرتكز على التحليل بل هناك مواقف عديدة لقيادة الحركة تؤكد ذلك، فالمقاومة ليست من الثوابت في أدبيات حماس ويكفي التذكير بأن أكثر من قيادي في الحركة صرح على مدار أعوام خلت قبل أن تصبح "الحركة الإسلامية" في السلطة بأن التهدئة مع إسرائيل خيانة، في حين أنها بعد أن حكمت القطاع بدأت بإعطاء تصريحات من قبيل "صواريخ مشبوهة"، "أعمال هدفها توتير الأوضاع يفتعلها

الوضع الفلسطيني مفتوح على احتمالات غاية في السوداوية ولاسيما مع العجز عن النهوض بالمشروع الوطني وتطويره

مشبوهون وعملاء للاحتلال" في ردها على أعمال مقاومة لم تكن خاضعة لرؤيتها، والأهم أن شرعية حماس حاليًا ترتكز على اتفاق أوسلو الذي تلعنه وتعتبره مصيبة المصائب بينما تحتمي به للحفاظ على أوهام سلطتها في غزة.

الوضع الفلسطيني مفتوح على احتمالات غاية في السوداوية ولاسيما مع العجز عن النهوض بالمشروع الوطني وتطويره بحيث يستجيب للمتغيرات الكبيرة داخليًا وإقليميًا، إلى جانب استمرار حالة "الصراع" الداخلي وما نتج عنه من تحويل السلطتين في رام الله وغزة إلى مجرد حرس حدود للاحتلال وجعل من الاحتجاجات المطلبية المعيشية تتقدم على المواجهة مع "إسرائيل" وهناك أسباب موضوعية لأن تتحول هذه التحركات لصدام أوسع في الضفة والقطاع ضد سلطات فاشلة تأبى الاعتراف بالحقائق وتصر على إنقاذ الاحتلال من تحمل مسؤولياته ودفع ثمن ممارساته.

فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف لحماس أن تتغنى بالحرية والكرامة وهي تمتهن كرامة مواطنيها وتصف تحركاتهم المعارضة لسياساتها بالعمالة أو الشبهة لذلك لابد لقيادة الحركة أن تتخطى أوهامها فيما يخص إمكانية ترويض الشعب الفلسطيني بالاعتماد على مقاربات انتهت صلاحيتها، وفي ذات الوقت عليها أن تتجاوز الخطاب الهزيل عن اختراعها للمقاومة واختزال تاريخ الكفاح الفلسطيني بوجودها، فأي مقاومة هذه دون حاضنة شعبية؟، وكيف يمكن لحركة حماس أن تقنع الفلسطينيين بمشروع بديل مغاير عن مشاريع خصومها وهي تسحل أبناءهم في الشوارع؟.

شارك برأيك