على موائد المنفى..

تاريخ النشر: 14.05.2018 | 00:05 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:11 دمشق

تطحننا الحرب الدائرة في بلدنا على الرغم من الجغرافية، وابتعادنا جسديا عن تلك الرحى، تطحننا بحيث يمكن القول إن صراعاً قاتلا يجري في عقولنا وضمائرنا، حيث يأخذنا الحنين إلى تلك الأراضي المدماة بأجساد أبنائها، ونغرق بشعور العجز القاتل عن إنقاذ من تبقى ممن يموتون يوميا بفعل الحرب والقتل اليومي الممارس بدم بارد على مرأى العالم ومسمعه، ويصفعنا واقعنا ومنفانا القسري من أجل إدراك اللحظة والعمل على تحقيق الأمان الاجتماعي والاقتصادي لأسرنا في دول اللجوء بينما يستلبنا الحنين لوطننا المحرم رغماً عنا..

لا يمكن لمن لم يقرر الرحيل بملئ إرادته أن يغمض عينيه عما يحصل في بلده ويركز فقط على واقعه اللحظي، والمتمثل في بلدان جديدة نمشي في شوارعها ونعيش يومياتها باحثين عن ملامح مخزنة في الذاكرة بقيت هناك في وطننا المحرم، ويستمر ذلك البحث أملاً بالحصول على بعض السكينة والخدر الذي نحتاجه لإكمال يومنا العادي دون أن نتلوى من الحنين أو تصم أذاننا صرخات أهلنا ممن بقوا هناك يتجرعون الموت فيما تترك عقدة الناجي كدمات على أرواحنا التي تتجرع حدادنا اليومي رشفة رشفة..

لا تشكل خطوط الطول على كرة العالم فرقا حقيقياً على مستوى الزمن، فالسوري يلاحق زمناً واحداً بتوقيت عاصمة واحدة اسمها دمشق حتى حين يكون نائماً، هناك حيث نتجول أحراراُ في شوارعنا وبيوتنا ونتكئ في زوايا مريحة في بيوتنا التي شيدناها بتعب العمر، هناك حيث نلتقي بأحبابنا الغائبين في عمق الموت أو الشتات دون أن نخشى من دورية مداهمة واعتقال، هناك حيث نقبل جباه أمهاتنا ونلاحق ظلال آبائنا وأجدادنا فنحن وعلى الرغم من أن الطاغية قد تمكن ربما من نفينا من سوريا إلا أنه لم يتمكن حتما من نفيها منَا..!

"هناك حيث نقبل جباه أمهاتنا ونلاحق ظلال آبائنا وأجدادنا فنحن وعلى الرغم من أن الطاغية قد تمكن ربما من نفينا من سوريا إلا أنه لم يتمكن حتما من نفيها منَا..!"

على موائد غربتنا نحاول تجاهل ما تحاول فرضه الطبيعة على أطباقنا من منتجات لا تشبه أطباق أعدتها لنا أمهاتنا وأعددناها لأطفالنا، ونقاوم ذلك القمع الذي يمارسه المناخ والطبيعة عبر ملاحقة العناصر الضرورية لصناعة ذلك المذاق لو على بعد ساعات ومسافات، ليس من أجل الطعام بل من أجل رائحة الذكريات التي تنشق شذى أيدي أمهاتنا العالق في أطباقنا اليومية، هي عودة لا إرادية لزمن ومكان مختلف..

ونبحث عن صدى حروف تطرب مسامعنا في القطارات والشوارع والمحال التجارية، نحاول تلمس لهجات نعرفها، و يرقص القلب فرحا حين نسمعها بينما تختلس الطريق نحو أسماعنا ضمن خليط اللغات الأجنبية التي تسود عالمنا الجديد، وترانا نحاول تعليم أصدقائنا الجدد بعضا من تلك المفردات، و على الرغم من خروجها من أفواههم بلكنة غريبة فهي ما تزال كافية لترسم بسمة أمل طفولي على وجوهنا..

في صباحاتنا ما زالت القهوة حاضرة في فنجان صغير ومغلية على مهل، دون أن تقهرنا جاذبية القهوة السريعة والنسكافيه..! يتحدث العالم عنا كلاجئين ويربطون وجودنا بأرقام وإحصاءات دوائر الهجرة والأمم المتحدة، كما يعرفنا أبناء تلك البلاد التي بتنا فيها باسم لاجئين يختزلون مسيرة حيواتنا بتلك السنوات الأخيرة التي اقتلعنا فيها من أرضنا، وينسون أن لنا أسماء وأن خلف تلك الأسماء حكايا منسوجة بدموع الأمهات وصبر الآباء وضحكات الأصدقاء، ويقررون وسمنا بما تقدمه لهم نشرات أخبارهم عنا دون أن ينظروا إلى حدقات عيوننا التي قد تروي لهم الحكاية منذ أن صرخنا صرختنا الأولى ودخلت إلى رئاتنا أول مرة حبيبات الأوكسجين..

يناضل الكثير من السوريين في المنافي من أجل أن يقولوا للعالم ما زلنا أحياء، وما زال لنبضنا لون الشغف، ويمكن للسوري أن يحب وأن يحلم وأن يفكر ويبدع و أن يعيش، فالواقع يفرض مقولة: إنَّنا ما زلنا أحياء وإنه يمكننا أن نتعلم لغة جديدة ولو عششت لغتنا الأم في مونولوجنا اليومي بينما ينطق لساننا بلغة أخرى، يمكننا أن  نتعلم وأن نعمل بكل شرف لإطعام أولادنا، ويمكن أن نكون إيجابيين نحمل على أكفنا رسالة محفورة على رقم قديم وجد في سوريا قبل أن يتعلم العالم الكتابة، رقم يقول يمكن للسوريين أن يزرعوا المحبة في كبد الأرض على الرغم من خروجهم من تحت الرماد، يحاول السوريون الحقيقيون البوح لهذا العالم بحكاية وجودهم بعيدا عن البربوغندا، وأنه يمكننا أن نكون أكثر من لاجئين، يمكننا أن نكون أصدقاء وجيران وعاملين ومنتجين ومبدعين ويمكن لأبنائنا أن يتفوقوا ويرسموا بصمات نجاحهم في جامعاتكم ومدراسكم،  يحاول السوريون  أن يقصوا لجيرانهم الجدد حكايا عيونهم وقلوبهم بل أن يرسموا عبر ظلالهم على مسرح حياتهم الجديدة وطنهم سوريا بنبل الحلم وليس مرارة الواقع ، يحاول السوريون أن يقولوا لهذا العالم ما زلنا أحياء قادرين على العطاء وما زال الوطن يسكننا رغما عن الطاغية.