على كرسي متحرك.. زكريا يحرك عجلة النجاح والتميز في المجتمع

تاريخ النشر: 11.12.2019 | 15:26 دمشق

آخر تحديث: 28.02.2020 | 13:38 دمشق

يقص الشاب زكريا مشو، ذو الـ 25 عاماً، معاناته بعد أن خرج من مدينة حلب وهو محمّل على كرسي متحرك، ذاك الكرسي الذي علمه أن عليه الاعتناء بعقله العناية التي يلقاها جسده، وأن العقاقير والنصائح لا تشفي القلوب الجريحة، فالزمن والإصرار هما الكفيلان بشفائه فقط.

واحتفل العالم في الـ 3 من شهر كانون الأول باليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة، الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1992، وسط تغييب لهذه الفئة في كثير من المجالات ومواجهتهم لصعوبات الانخراط وسط المجتمع.

يقول زكريا في حديث لموقع قناة سوريا، "كنت أظن أن أصعب ما قد يمر بي إصابتي بالروماتيزم في قدمي، حين كنت في الثامنة من عمري، إذ كنت أحتاج يومياً إلى إبرة، حتى وصل عددها إلى أكثر من ألف إبرة حتى جمدت عضلاتي، لكني بقيت أتمنى لو أن تلك الإبر استمرت في وخزي بعد أن فقدت القدرة على الحركة نهائياً بسبب شلل نصفي سلبني قدمي للأبد".

ويتابع قص حكايته فيقول، "بينما كنت ماشياً في حي الصاخور بحلب، في منتصف عام 2013، سقطت خلفي قذيفة دبابة لقوات النظام، وشعرت أن إحدى الشظايا استقرت في رأسي، والأخرى خلف ركبتي اليسرى، لم أفقد الوعي حينها، لكن لم يبق من حواسي لأشعر بما حولي إلا أذناي التي كانت تسمع صوت رنين جهازي المحمول وأنا أرى اسم أمي يكرر الاتصال مرة تلو المرة، وكأنها شعرت بما حل بي".

ويستطرد "وصل أحد سكان الحي ليحملني إلى المستشفى الميداني في الحي، وبقي صوت رنين المحمول يشغلني عن ألمي، فصرخت في المشفى طالباً من الممرض أن يفتح الخط ويخبر أمي أني بخير، لكن الحقيقة أني كنت أخنق أفكاري وأحلامي حتى عن نفسي علي أكون بخير".

كان من الضروري نقل زكريا إلى مشفى في تركيا بعد أن اكتشف الأطباء أن الشظية مستقرة في النخاع الشوكي، وفي الطريق كان يردد هتافات المظاهرات السلمية وكأنه يخبر الكون أن الثورة لن تموت، في تلك اللحظة لم يكن يخف قدوم الموت بقدر ما كان يخاف الموت قبل أن يحيا، فهو لم يرَ منذ بداية صحوته على الدنيا ومذ خط شاربه ولحيته إلا القذائف والموت والدمار.

يقول زكريا "طوال رحلتنا في سيارة الإسعاف كان الطيران يحلق فوقنا، وكانت أفكاري تطرح أسئلة منطقية وأخرى خارج المنطق، ونفسي ترد على تساؤلاتي أنت بخير، وظل الحال هكذا حتى وصلنا إلى مدينة كلس التركية، وعلى الفور تم تصوير رأسي بجهاز الإيكو، لأشعر بيدي اليمنى وقد بدأت بالتشنج، ثم رحت في غيبوبة عميقة".

ويتابع "بعد ثلاثة أيام من الإغماء، صحوت لأجد نفسي في غرفة الإنعاش، لا أستطيع تحريك ساكن، كل أعضائي صامتة إلا عيناي ولساني، وصل أبي فسألته عن سبب عدم قدرتي عن تحريك أطرافي، فأخفى الحقيقة عني كما أخفاها الطبيب، وتركوني أعيش على أمل لشهور وكأني غصن يواسي نفسه بأن الخريف لن يطول".

بعد أشهر أيقن زكريا أنه أصيب بشلل نصفي، أفقده القدرة على الحركة إلا على ذاك الكرسي المتحرك، وبات إكمال العلاج في سوريا، بعد أن عاد إليها، أمراً صعباً، فقرر الرحيل إلى موطن آخر ولم يكن يعلم أن ذاك الموطن الجديد سيلد منه إنساناً جديداً من خضم الألم.

ويكمل حديثه قائلاً، "لقد عانيت الأمرين في طريقي إلى تركيا، مشيت بكرسي متحرك بين الحدود في طريق وعر، ولم تكن هذه نهاية معاناتي، فقد شعرت في ذاك الوقت بعجزي وتسرب الألم إلى صميم شراييني".

ويستطرد "رتبت أموري في تركيا، وبدأت أخرج من المنزل بعد فترة لأرى نظرات الرأفة من المارة، وصلت إلى اليأس لكن كان لي أسرة لديها اليقين القوي وأصدقاء آمنوا بقدرتي على العطاء، فساندوني حتى تقبلت ما حل بي، فأنا لست أول شاب سوري مصاب في هذه الثورة العظيمة".

حاول زكريا الاندماج في المجتمع وتقدم لعدة مدارس لإكمال دراسته الثانوية في تركيا، لكن طلبه قوبل بالرفض بسبب عمره ولعدم وجود شهادة المرحلة الإعدادية معه التي تركها مع ذكرياتها الحلوة والمرة في منزله بحلب.

ويتابع زكريا قصته، "بين فكرة التعود وبين تمني الموت وبين لحظات الشعور بالعجز، جاءني اتصال من مدير منظمة سند لذوي الاحتياجات الخاصة، طرح علي فكرة مشروع دعم لهذه الفئة من خلال إنشاء فريق يدعم قضيتنا، شعرت حينها بمزيج من الفرح أني سأجد نفسي من جديد وكذلك بالأسى على حال ذوي الاحتياجات الخاصة الذين لا يزالون يواجهون تمرد المجتمع لحالهم، لكنها كانت فكرة جيدة على كل حال".

بدأ زكريا بالعمل مع منظمة سند، وانضم لعدة دورات تأهيل تعرف فيها على حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، ومن ثم تم تشكيل فريق مناصرة لهذه الفئة جمعت أفراد لهم تجربتهم الخاصة مع الإعاقات المختلفة، حتى أصبح اليوم عضواً فعالاً في قسم المراقبة والتقييم في المنظمة، وعضواً في مشروع قادة التغيير المجتمعي.

وأكد زكريا أن طموحهم كذوي احتياجات خاصة لم يعد يقتصر على الأمور الإنسانية، بل تعداها إلى دورهم في المجال السياسي وأحقيتهم في المشاركة السياسية، فبدؤوا بعقد ندوات تتحدث عن حق مشاركة ذوي الاحتياجات الخاصة في العمل السياسي وبناء سوريا المستقبل.

الصعوبات التي مر بها زكريا جعلته يدرك أن التعود على الظروف ليس أمراً إرادياً، بل يأتي بعد عملية تأهب، فهو يشبه النوم العميق تصحو بعده فجأة وتستغرب من غيبوبتك الطويلة، لذا أصبح لديه القدرة على مساعدة من هم بمثل حالته على الخروج من دوامة العزلة، واستطاع تغيير حياة أربعة أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، ومن ضمنهم من سجل في الجامعة لإكمال دراسته.

من جهته يقول المدير التنفيذي منظمة سند لذوي الاحتياجات الخاصة، وائل أبو كويت، "لا زال ذوي الاحتياجات الخاصة يعانون من مشكلة في سوريا، فلا يوجد دعم ووعي مجتمعي، ولا زال المجتمع يتعامل معهم بسلبية أو شفقة، ما يجبر هذه الفئة على عمل دائرة منعزلة عن المجتمع".

ويرى أبو كويت أن المعوقات البيئية التي تواجه ذوي الاحتياجات الخاصة هي من أكبر المشاكل التي يواجهونها، فمتى وفرت لهم تسهيلات ستجدهم منتجين وقادرين على العمل.

ويؤكد المدير التنفيذي على أهمية تقديم التمكين الاقتصادي لهذه الفئة من خلال التأهيل المهني والمنح الصغيرة التي بدروها تفعل دورهم في المجتمع وتمنحهم استقلالية مادية وتسهل اندماجهم في المجتمع.

وشدد أبو كويت على ضرورة تدريب الكوادر اللازمة المختصة بتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة، والإسراع بتنفيذ برنامج بطاقة المعاق الذي تم إقرارها في قانون حقوق المعوقين، ودمجهم في العمل ضمن مؤسسات، ومشاركتهم في الرياضة والثقافة، وتخصيص جوائز لأفضل كتاب حول ذوي الاحتياجات الخاصة وتخصيص جوائز لأكثر وسائل الإعلام حساسية وتفهماً لقضايا المعاقين.

مقالات مقترحة
تركيا تسجل انخفاضاً مستمراً في أعداد إصابات كورونا
كورونا يواصل انتشاره في الهند وتحذيرات من موجة ثالثة "حتمية"
 تركيا.. 10 ملايين شخص تلقوا جرعتين من لقاح كورونا