على عتبة السنة الثامنة

تاريخ النشر: 19.03.2018 | 11:03 دمشق

آخر تحديث: 25.04.2018 | 05:37 دمشق

كثيراً ما نسمع عبارة "هذه ليست ثورتي" أو أنها "لا تشبهني" بمعنى أن مسار الأحداث قد ابتعد كثيراً عن "النموذج الأصلي" الذي شكلته الأشهر الستة الأولى حين كانت المظاهرات السلمية، وفعاليات مدنية مشابهة، هي السمة الأبرز للثورة. أما ما تلا ذلك من تحولات إلى العسكرة والأسلمة وحروب الوكالة ثم الاحتلالات الأجنبية المتنوعة والتقسيم العملي للكيان السوري، فهي جميعاً بمثابة "انحرافات" خطيرة عن ذلك النموذج الأصلي الذي انتهى عملياً وانطمر تحت التطورات المذكورة، وفقاً لتلك الرؤية. خاصة وأن الفاتورة الإنسانية والوطنية كانت باهظة جداً فاقت قدرة أي شعب على التحمل.

لندقق، إذن، فيمن كانت الثورة تشبه في طورها السلمي القصير.

هي أكثر ما تشبه أقساماً من طبقة متوسطة مدينية متعلمة تتطلع إلى نمط الدولة الغربية الحديثة، حيث النظام السياسي قائم على تداول السلطة والفصل بين السلطات، بما يضمن درجة من الحريات والحقوق الفردية، وتقوم العلاقة فيه بين دولة ومواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، وتحترم الدولة حق الملكية، ويكون الجيش والأجهزة الأمنية تحت سلطة الحكومة المنتخبة.. إلخ. أما الصفة العلمانية للدولة، فهي موضوع إشكالي غير محسوم لدى هذه الطبقة، ولدى عموم السوريين، على الرغم من أهميته الحاسمة بالنسبة لبلد متنوع كسوريا. كذلك ثمة مشكلة غير محسومة تتعلق بالصفة القومية للدولة، وما يتفرع عنها من حقوق الجماعات القومية غير العربية، وإن كانت الوصفة الشائعة المقترحة، بهذا الشأن، هي "دولة المواطنة المتساوية بصرف النظر عن الدين والجنس والعرق واللغة" على ما نقرأ في الوثائق السياسية للأحزاب والتيارات التي تنتمي إلى البيئة الاجتماعية موضوع الحديث.

الحق أن هناك جانباً براغماتياً، أيضاً، في تبني هذا النوع من البرامج السياسية، لأن أصحابها يعتقدون أنها مقبولة من القوى الدولية الفاعلة في الغرب، إضافة إلى أنها تشكل نوعاً من الحل السحري لتعقيدات الحالة السورية.

ولكن ما حجم القاعدة الاجتماعية حاملة هذه الرؤية، بالنسبة إلى مجموع السكان، أو إلى القسم الفاعل من السكان؟ وأكثر: بالقياس إلى الحوامل الاجتماعية لبرامج سياسية أخرى مختلفة عن هذا البرنامج؟

فإذا ألقينا نظرة على الجماعات السورية المتمايزة سياسياً، سوف نرى أن "البرنامج الحداثي" الموصوف أعلاه لا يمثل إلا أقلية اجتماعية بالقياس إلى غيرها. لنبدأ بالقاعدة الاجتماعية للنظام التي ترى مصلحتها في بقائه مهما كان الثمن، وتتشكل من الكتلة الرئيسية للأقليات الدينية والمذهبية، إضافة إلى القسم الرئيسي من بورجوازية المدن الكبرى، دمشق وحلب بخاصة، وأقسام من العشائر في المناطق التي ما زالت الرابطة القبلية تتمتع فيها بالقوة.

في حين أن الكتلة الرئيسية للبيئة الاجتماعية الثورية تتمثل في العرب السنة الموزعين في الأرياف وضواحي المدن، وهي بيئات أقل اشتباكاً مع قيم الحداثة، ومنفتحة على تيارات الإسلام السياسي، مقابل كتلة صغيرة مبعثرة من الطبقة المتوسطة المدينية التي سبقت الإشارة إليها.

ويشكل الكرد جماعة سياسية مستقلة، متجانسة إلى حد كبير، لديها تطلعات مختلفة عن المتن الاجتماعي العربي في الموالاة والمعارضة على حد سواء. بهذا المعنى يمكن القول إنهم يمثلون تياراً ثالثاً بين الموالاة والمعارضة، ويعود ذلك، أساساً، إلى أنهم لا يتطلعون إلى الاستحواذ على السلطة بحكم كونهم أقلية قومية، مقابل صراع الموالاة والمعارضة على السلطة.

بالنظر إلى هذه اللوحة، من المجحف أن تدعي جماعة واحدة من الجماعات احتكارها للثورة ولمفهومها. فإذا كان "البرنامج الحداثي" يرى أن الثورة انتهت بالنسبة له بعد تحولها إلى ثورة مسلحة، فلم ير ثوار الأرياف في الثورة إلا وجهها المسلح، في حين اعتبرت التيارات الإسلامية أن الثورة إسلامية أساساً، ورأى الكرد في الثورة فرصتهم لتحقيق مطالب قومية خاصة بهم.

كان ما يجمع هذه الجماعات المعارضة، في الأشهر الأولى، هو شعار إسقاط النظام، مع تأجيل التباينات إلى ما بعد تحقيق هذا الهدف. وكان هذا مفهوماً في مناخ ثورات الربيع العربي حين نجح التونسيون والمصريون في إسقاط بن علي ومبارك في زمن قياسي، وبوسائل سلمية. وتطلب الأمر تدخلاً عسكرياً من الحلف الأطلسي لإسقاط معمر القذافي، بعد أشهر من بداية الثورة الليبية.

لكن العنف الوحشي الذي واجه به النظام الكيماوي الثورة السلمية في سوريا، وصموده الطويل أمام عوامل التفكك والانهيار،

"ليتها لم تكن" قالها شاعر سوري، قبل حين، بالنظر إلى النتائج الكارثية الماثلة أمام الأنظار. فهل هذا منصف؟

ثم نجدة حلفائه له بزخم كبير.. كل ذلك أطال أمد الصراع وأدخله في مسارات جديدة لم تكن محسوبة في "النموذج الأصلي"، وأصبح الحامل الاجتماعي للثورة السلمية خارج معادلات الصراع، بالمعنيين الفيزيائي والسياسي، مشتتاً في المنافي، ليستمر، بصورة مشوهة وهجينة، في أطر المعارضة السياسية (المجلس الوطني، الائتلاف الوطني، الهيئة العليا للمفاوضات) المخترقة من القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الصراع السوري.

"ليتها لم تكن" قالها شاعر سوري، قبل حين، بالنظر إلى النتائج الكارثية الماثلة أمام الأنظار. فهل هذا منصف؟ هل كان على السوريين أن يستمروا في حالة العبودية إلى الأبد، بدعوى أن أي تمرد سيؤدي إلى خراب البلد على ما أنبأنا شعار النظام الشهير: الأسد أو نحرق البلد؟

لقد أطلق السوريون ملحمة تاريخية كبرى، تعرضت لتحولات وتشوهات وتعرجات. لم ينتصروا، لكنهم فتحوا الصندوق المغلق أمام كل الاحتمالات. انتهت سورية الأسد، و"الأسد إلى الأبد". ولم تولد سوريا جديدة محلها إلى الآن.