icon
التغطية الحية

على الرفوف بدل الطلب من النت.. ماذا وراء افتتاح محال "أمازون" و"شي إن" في حلب؟

2025.06.24 | 04:37 دمشق

آخر تحديث: 2025.06.24 | 04:42 دمشق

ملحل يحمل اسم متجر "شي إن" الصيني في حي الفرقان بحلب، سوريا، 23 حزيران/يونيو 2025 (تلفزيون سوريا)
محل يحمل اسم متجر "شي إن" الصيني في حي الفرقان بحلب، سوريا، 23 حزيران/يونيو 2025 (تلفزيون سوريا)
تلفزيون سوريا - حلب - عبد الغني العريان
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- شهدت حلب انتشار محال تجارية بأسماء منصات عالمية مثل "أمازون" و"شي إن"، تقدم المنتجات مباشرة للمستهلكين دون فروع رسمية بسبب العقوبات.
- يتم استيراد المنتجات عبر وكلاء في تركيا أو دبي من خلال تجارة "التصفية"، مما يتيح شراء البضائع بأسعار مخفضة وشحنها إلى سوريا بتكاليف جمركية منخفضة.
- تواجه هذه المحال تحديات قانونية بسبب عدم ارتباطها بالشركات الأصلية، وتلجأ لحلول بديلة لتلبية الطلب المحلي في ظل غياب منصات الشحن والدفع الإلكتروني.

تشهد مدينة حلب في الآونة الأخيرة ظاهرة لافتة تمثلت بانتشار محال تجارية تحمل أسماء منصات التجارة الإلكترونية العالمية "أمازون" الأميركية و"شي إن" الصينية، رغم أن الشركتين لا تملكان أي فروع رسمية أو وكالات مرخصة في سوريا، ولا تشحنان مباشرة إلى البلاد نتيجة للعقوبات الاقتصادية المفروضة منذ أكثر من عقد.

هذه المحال، التي ظهرت بداية في شارع الحرم الجامعي بحي الفرقان، سرعان ما تمددت إلى مناطق أخرى كشارع النيل وحي الميريديان وأحياء متفرقة من المدينة، ما أثار تساؤلات عن قانونية استخدامها لتلك العلامات التجارية الشهيرة، وشرعية آليات استيراد المنتجات التي تسوّقها تحت هذه اليافطات.

من الشحن عبر وسطاء.. إلى رفوف "أمازون" في الحي

في السابق، كانت معظم عمليات الشراء من مواقع مثل Amazon وShein تتم عبر وسطاء أو أفراد يعملون في مجال "التوصية"، ما يعني انتظاراً طويلاً وتكاليف إضافية تشمل عمولة الشراء، وأجور الشحن، ورسوم التخليص الجمركي؛ اليوم، بات بإمكان المتسوق في حلب أن يحصل على هذه المنتجات فوراً من رفوف محلّ تجاري يحمل اسم العلامة، من دون الحاجة لأي تعامل إلكتروني أو انتظار.

تقول ليلى زيتون، موظفة في شركة خاصة، "كنت أطلب مستحضرات تجميل من موقع شي إن عبر أحد أقاربي في الخارج، وتستغرق شهوراً أحياناً للوصول"، وتضيف "وجدت المنتجات ذاتها تقريباً في محل قريب من منزلي، بأسعار أقل وبلا عناء الانتظار".

تجار محليون أكدوا، لموقع "تلفزيون سوريا"، أن المنتجات المتوفرة في هذه المحال يتم استيرادها عن طريق وكلاء في تركيا أو دبي، وغالباً عبر ما يُعرف بتجارة "التصفية"، أي شراء البضائع المتبقية من مواسم سابقة بأسعار مخفضة، ومن ثم بيعها في الأسواق ذات الدخل المحدود.

محل يحمل اسم متجر "شي إن" الصيني في حي الفرقان بحلب، سوريا، 23 حزيران/يونيو 2025 (تلفزيون سوريا)

ويؤكد نديم جوري، صاحب محل "أمازون وشي إن الصيني" في حي الفرقان، أن جزءاً كبيراً من البضائع التي يبيعونها يتم شراؤها بشكل مباشر من شركات عالمية مثل "أمازون"، و"شي إن"، و"ترينديول"، وذلك عبر مزادات تصفية رسمية،

ويضيف: "نتعامل معهم كزبائن جملة، ونشتري بكميات كبيرة من مخازنهم مباشرة، مع فواتير رسمية وكراتين مختومة بالشعارات الأصلية، لذلك لا يعترضون على استخدامنا للأسماء، لأننا لا نقوم بانتحال العلامة بل نبيع منتجاتهم الأصلية".

كما يشير جوري إلى أن عملية الشحن تتم أولاً إلى دبي، ثم تُنقل إلى سوريا، حيث كانت سابقاً تُواجه بتكاليف جمركية باهظة تُفرض على كل قطعة؛ "لكن بعد رفع العقوبات الأخيرة، أصبحت الرسوم تُحتسب على أساس الوزن، ما خفف العبء كثيراً وساعدنا في تخفيض الأسعار على المستهلك".

وفي خطوة جديدة نحو التوسع، كشف جوري أن فريقه بصدد إطلاق موقع إلكتروني وتطبيق خاص بالمتجر خلال الأشهر المقبلة، بهدف خلق تجربة تسوق رقمية مماثلة لما تقدمه منصات عالمية مثل "أمازون" و"شي إن"، ولكن بما يتناسب مع احتياجات السوق السوري والقدرة الشرائية للمواطنين.

العلامة التجارية بين الجذب والمخالفة

رغم انتشار هذه المحال، فإنها لا تملك أي ارتباط قانوني أو تعاقدي مع شركتي "أمازون" أو "شي إن"، وهي غالباً ما تضيف إلى الاسم الأصلي كلمات مثل "ماركت" أو "بازار" أو "تصفيات"، في محاولة للتنصل من أي مسؤولية قانونية محتملة.

ويشرح المحامي "فارس حج قاسم"، المختص بقضايا التجارة، أن استخدام علامة تجارية من دون ترخيص يعد مخالفة صريحة لقانون حماية الملكية الفكرية، سواء على المستوى المحلي أو الدولي.

ويقول المحامي، في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، "حتى لو أضاف صاحب المتجر كلمة لاحقة للاسم الأصلي، فإن مجرد استخدام الشعار أو الاسم المعروف يندرج ضمن التقليد التجاري، ويمنح الشركة المالكة الحق في المطالبة بإغلاق المحل ومقاضاة القائمين عليه، إذا ثبت الضرر أو التعدي".

لكن هذه الرؤية القانونية لا تتطابق بالضرورة مع الواقع الإداري المحلي، إذ يشير، معاون مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حلب، عادل حلاق، إلى أن استخدام العلامات التجارية الأجنبية في سوريا لا يُعدّ مخالفة بحد ذاته ما لم تكن العلامة مسجلة محلياً.

ويقول حلاق، في تصريح خاص لموقع "تلفزيون سوريا"، "لا يوجد ما يمنع قانوناً من استخدام هذه الأسماء؛ قد تكون مسجّلة لصالح شركات أجنبية أو حتى لأفراد سوريين، أما في حال لم تكن مسجلة، فلا يوجد نص قانوني يمنع استخدامها، ولا يمكن اتخاذ إجراء دون وجود شكوى من الجهة المالكة عبر النيابة العامة أو توجيه من الوزارة المختصة".

ويضيف: "سوريا من الدول الموقعة على اتفاقيات دولية لحماية الملكية الفكرية مثل اتفاقية باريس، ولكنها لا تلزم صاحب العلامة التجارية بتسجيلها داخل القطر لحمايتها، كما تفعل بعض الدول الأخرى".

سوق متعطشة للتجارة الإلكترونية

لفهم سياق انتشار هذه المحال، لا بد من النظر إلى البيئة الاقتصادية الراهنة في سوريا، التي تعاني من عزلة مالية وعقوبات لم ترفع بشكل كلي بعد، تحول دون الانفتاح على الأسواق الإلكترونية العالمية، إذ يعاني السوريون من محدودية وسائل الدفع الإلكترونية، وغياب منصات رسمية للشحن المباشر.

ويرى الخبير الاقتصادي علاء إبراهيم أن ما يحدث هو نتيجة طبيعية لفجوة طويلة في السوق، ويشرح قائلاً": الطلب على المنتجات الأجنبية عالٍ، لكن القنوات الرسمية معطلة؛ لذلك، يلجأ التجار إلى الحلول البديلة، مثل شراء البضائع من مخازن عالمية بأسعار منخفضة، وإعادة بيعها في السوق المحلية تحت مسميات جذابة، وهذا ما يفعله أصحاب محال (أمازون) و(شي إن) في حلب".

في المقابل، يشير عادل حلاق إلى أن حماية المستهلك تتابع هذه المحال من زاوية أخرى: "نحن نراقب مصدر البضائع من خلال الفواتير وبطاقات البيان، ونتحقق من مطابقة البيانات لما هو معروض، وفي بعض الحالات، نقوم بسحب عينات وفحصها للتأكد من السلامة، إذا تطلب الأمر".

جودة متقاربة.. وأسعار تنافسية

من اللافت أن بعض المنتجات المعروضة في هذه المتاجر أرخص من نظيرتها على المواقع الإلكترونية الرسمية، يقول حسام شعبو، وهو تاجر أدوات كهربائية:
"جزء من البضائع يأتي من موانئ آسيوية عبر حاويات تحتوي على بضاعة مكدسة منذ مواسم ماضية، وبالتالي، تُشترى بأثمان بخسة، لكنها ما تزال أصلية أو ذات جودة مقبولة".

ويؤكد أن هامش الربح يبقى جيداً حتى مع الأسعار المنخفضة، نظراً لتراجع التكاليف التشغيلية.

من جانبها، تشير زبونة أخرى تدعى نور عيسى إلى أنها اشترت حقيبة يد نسائية من محل يحمل شعار "شي إن" بسعر 80 ألف ليرة أي ما يقارب 7.5 دولارات، بينما كان سعرها على الموقع يتجاوز 30 دولاراً، "قد لا تكون الجودة نفسها تماماً، لكنها قريبة، والتجربة المباشرة مريحة أكثر".

تسويق محلي بوسائل رقمية

رغم أن هذه المحال غير مرتبطة بإدارات التسويق العالمية، فإن أصحابها يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بكفاءة، حسابات على فيس بوك وإنستغرام تنشر عروضاً يومية وصوراً لمنتجات محدثة، مستعينة بشباب محليين لتقديم المحتوى الإعلاني بطريقة عفوية وجاذبة.

"نحن لا ندعي أننا فرع رسمي، لكننا نعرض منتجات أصلية أو مماثلة، وسرعة التوصيل وخدمة الزبائن هما سرّ نجاحنا"، يقول مدير أحد هذه المحال في حي الفرقان، مفضلاً عدم ذكر اسمه.

التسمية بين الاجتهاد والسرقة

وحول مدى قانونية هذه التسمية، يوضح "عادل حلاق" أن بعض الأسماء قد تكون اجتهاداً مشروعاً من أصحاب الفعالية، وقد تُعد في حالات أخرى تعدّياً على علامات محمية.

"في حال كانت العلامة التجارية مسجّلة لدى مديرية حماية الملكية باسم جهة محددة، يحق لها إقامة دعوى تقليد علامة فارقة، أما إذا لم تكن مسجّلة، فلا توجد مخالفة مباشرة".

ويشير إلى أنه لم ترد للمديرية شكاوى أو بلاغات محددة حول هذه المحال، موضحاً أن الموضوع كان يُتابع سابقاً من قبل لجنة في محافظة حلب تُعرف باسم لجنة تمكين اللغة العربية.

بين الحاجة والفراغ التشريعي

انتشار محالّ تجارية تحمل أسماء عالمية في شوارع حلب ليس مجرد موضة تجارية، بل انعكاس واضح لحالة السوق السوري، الذي يعيش عزلة طويلة عن التجارة الإلكترونية المباشرة، ويبحث عن أي طريقة للاتصال بالعالم الخارجي، حتى لو جاءت عبر لافتة محل.

هذه الظاهرة، التي تجمع بين الحاجة اليومية والفراغ القانوني، تسد فجوة حقيقية يشعر بها المستهلك، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات حول حدود المسموح والممنوع، وما إذا كانت الاستفادة من أسماء كبرى مثل "أمازون" و"شي إن" تقع ضمن ذكاء تسويقي مشروع، أم تجاوز لحقوق ملكية لا تجد من يدافع عنها حالياً، لكنها قد تُطالب لاحقاً.

لكن خلف هذه اليافطات الملوّنة تظهر تساؤلات جدّية عن طبيعة البضائع المعروضة، ومدى شفافيتها، كثير من هذه المنتجات قد يكون في الأصل سلعاً تصفوية من مخازن قديمة، لكنها تُسوّق للمستهلك المحلي على أنها أصلية، ومطابقة لما يُعرض على المنصات العالمية، وهو ما يفتح الباب أمام استغلال حقيقي، خاصة في ظل غياب وعي استهلاكي كافٍ، وضعف الرقابة الفنية المتخصصة.

الزبون، الذي يبحث عن منتج يشبه ما يراه على الإنترنت، قد لا يملك أدوات التحقق من مصدر البضاعة أو جودتها الفعلية، وفي ظل غياب شفافية التسعير أو توضيح حالة السلعة، تتحول الأسماء العالمية المعلّقة على واجهات المحال إلى أدوات جذب، وأحياناً إلى غطاء لبيع بضاعة من الدرجة الثانية، بأسعار تتجاوز قيمتها الحقيقية.

هنا، لا تبدو المشكلة قانونية فقط، بل تتعلق بأخلاقيات السوق، وبمسؤولية التاجر تجاه المستهلك، الذي لا يبحث عن ماركة بحد ذاتها، بل عن منتج مضمون لا يخدعه الاسم.