عقوبات واشنطن على ثلاثي حزب الله ونهاية شرعية النظام اللبناني

عقوبات واشنطن على ثلاثي حزب الله ونهاية شرعية النظام اللبناني

الصورة
11 تموز 2019

شادي علاء الدين

صحافي وكاتب ومعد برامج تلفزيونية لبناني

شرع حزب الله منذ الانتخابات النيابية الأخيرة على إجراء تعديل كبير على مقاربته للشأن الداخلي اللبناني، وعلى تصميم عملية انتقالية كاملة، يتحول بموجبها من العمل تحت ظلال المؤسسات الشرعية البرلمانية والحكومية إلى السيطرة عليها واحتلالها ومصادرة قرارها والنطق باسمها.

كانت تلك المعادلة بما تنطوي عليه من مفارقات وخداع ناجحة وناجعة، وتسمح بتوأمة حزب الله مع النظام اللبناني برمته بكل ما يحتويه من مؤسسات ومكونات.

تستهدف العقوبات الأميركية الأخيرة التي طالت رئيس كتلة حزب الله البرلمانية محمد رعد، والنائب أمين شري، ومسؤول وحدة الارتباط والتنسيق وفيق صفا، بشكل خاص، النظام اللبناني المتحول إلى نظام تنحصر مهامه في تبييض صفحة حزب الله إضافة إلى أمواله ومخدراته.

وكان لافتا أن قراءة معنى هذه العقوبات الجديدة في نوعها ودلالتها حرصت على جر النقاش حولها إلى قدرتها على التأثير والجدوى من عدمها ومدى رمزيتها، كما رددت المرجعيات السياسية أصداء موقف حزب الله في النظر إليها باعتبارها إهانة للشعب اللبناني.

رئيس المجلس النيابي نبيه بري اعتبرها اعتداء على المجلس النيابي وعلى لبنان، بينما حرص رئيس الجمهورية ميشال عون على إبراز تناقضها مع مواقف أميركية سابقة تكشف عن التزام لبنان بالاتفاقات الدولية لمكافحة تبييض الأموال، في حين اكتفى رئيس الحكومة سعد الحريري بالاعتراف بأنها أخذت منحى جديدا مشددا على أنها لن تؤثر على العمل البرلماني أوالحكومي.

أبرزت ردود الفعل الإعلامية والسياسية مدى قصور الرؤية البنانية عموما عن اكتشاف المعنى الفعلي وراء العقوبات في ظل انسداد آفاق الحلول في المنطقة، خصوصا مع فشل مفاوضات ترسيم الحدود البحرية والبرية مع إسرائيل والإعلان عن قرب إصدار المحكمة الدولية لحكمها النهائي في قضية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، المسبوق بتأكيدات على ارتباطها

يعمد حلفاء إيران في ظل ارتفاع حدة المواجهة الأميركية الإيرانية في المنطقة إلى فصل أنفسهم عنها، لأنهم يعلمون بشكل واضح أن الأمور لن تصب في صالحهم

بمحاولات اغتيال طالت وزير الداخلية الأسبق الياس المر، ووزير التربية الأسبق مروان حمادة، إضافة إلى عملية اغتيال القائد الشيوعي البارز جورج حاوي.

القاسم المشترك الذي يجمع بين كل هذه التطورات هو حزب الله حيث تشير المعلومات إلى أن المحكمة الدولية ستصدر اتهاما مباشرا لوفيق صفا بالضلوع في عملية الاغتيال، كما أن لجم مسار عملية التفاوض على ترسيم الحدود يرتبط بشكل مباشر بمناخ التصعيد الأميركي ضد إيران.

يعمد حلفاء إيران في ظل ارتفاع حدة المواجهة الأميركية الإيرانية في المنطقة إلى فصل أنفسهم عنها، لأنهم يعلمون بشكل واضح أن الأمور لن تصب في صالحهم في نهاية المطاف، بغض النظر عن السيناريوهات التي يمكن أن تسفر عنها المواجهة، فسواء تم اعتماد السيناريو العسكري أو سيناريو التفاوض فإن إيران بصدد خسارة موقعها وقدرتها على رعاية تمددها وحراكها.

ليس من قبيل الصدفة لجوء نظام الأسد إلى حملة تعديل في المناصب طالت معظم الوجوه الحربية المرتبطة بالوجود الإيراني في سوريا، وأن تعمد روسيا إلى تعميق نفوذها في مناطق تسيطر عليها إيران تمهيدا لصفقة مع واشنطن لا يمكن أن تتم إلا على حساب إيران، وقد بدت مقدماتها واضحة مع رفض روسيا بيع إيران منظومة صواريخ إس 400 وتركها الطائرات الإسرائيلية تستهدف المواقع الإيرانية في سوريا بسلاسة.

من هنا يبرز عمق المأزق اللبناني الذي صار النظام الرسمي فيه إيراني الملامح، ما يجعل من العقوبات المفروضة على ثلاثي حزب الله اللبناني بمثابة الإعلان عن نسف شرعية النظام اللبناني برمته.

قراءة الأسماء الواردة فيه تثبت أن واشنطن تتعاطى مع الوقائع وليس مع الرمزيات. وفيق صفا عمليا هو الآن المرشد الأعلى الفعلي لحزب الله وتاليا للجمهورية اللبنانية وليس حسن نصر الله، وذلك لأنه يمسك بكل مفاتيح التهريب والصفقات وتبييض الأموال، ما يعني أنه صانع تماسك حزب الله في مواجهة شبكة العقوبات الأميركية.

يذهب وفيق صفا بالاقتصاد اللبناني في اتجاه مافياوي وخارج عن الشرعية في ظل تواتر مؤشرات تنذر بانهيار اقتصادي وشيك وغياب كل أطر المعالجة المحلية أو الرعاية والدعم الدوليين، فمؤتمر سيدر مهدد ما لم يكن قد تم صرف النظر عنه نهائيا، وكذلك فإن زيارات الوزير جبران باسيل التفجيرية إلى مناطق الجبل وطرابلس وما تلاها من توتر لجمت أو أوقفت العودة السياحية الخليجية إلى لبنان وما كان يمكن أن يرافقها من انفراجات اقتصادية وسياسية.

النائب أمين شري الفخور بنشر صور له مع قاسم سليماني متهم بتهديد مسؤولي أحد المصارف وعائلاتهم في حال عمد المصرف إلى إغلاق حسابات تعود لحزب الله أو مقربين منه. يبرهن هذا السلوك على أن حزب الله لم يعد مباليا ولو بتأمين الحد الأدنى من الاستقرار المالي في البلد، بل إن المناخ المناسب له لم يعد قائما على الضبط بل على نشر الفوضى وتعميمها.

سبق للحزب أن أطلق رسائل متفجرة طالت بعض المصارف اللبنانية مع موجة سابقة من العقوبات الأميركية، وتم حينها ضبط الوضع مع حزمة إجراءات عادت عليه بفوائد جمة في السياسة والأمن، أما الآن فإن ضراوة الحرب الاقتصادية الأميركية ضد إيران إضافة إلى عدم جدوى أو امتناع التعامل الأمني والعسكري معها تدفع بحزب الله إلى الرد عليها بمصادرة ما تبقى من بنى الاقتصاد اللبناني ونظامه المصرفي.

ما يدفع للاعتقاد بأن حزب الله يميل إلى إطلاق حالة من الفوضى المالية الشاملة هي أن حجم الاقتصاد المافياوي الذي يديره

لا يستبعد أن يتحول حزب الله في ظل التوسع الضخم لاقتصاده الأسود إلى ممول لإيران، ولعل هذا ما تدركه أميركا وتتعامل على أساسه

من مئات المعابر غير الشرعية بصدد التفوق على الاقتصاد اللبناني برمته، وقد برزت في الآونة الأخيرة دراسات وتقارير دولية تؤكد أن الحزب ليس على شفير الإفلاس ولا يعاني من أزمة مالية بل إن جل ما يفعله هو عمليات ترشيد الإنفاق وحصره.

لذا فإن إيران المحاصرة يمكنها أن تجد في ذلك البلد الخارج عن اهتمام العالم المجال الحيوي لدعمها والتملص من سطوة العقوبات عليها، ولا يستبعد أن يتحول حزب الله في ظل التوسع الضخم لاقتصاده الأسود إلى ممول لإيران، ولعل هذا ما تدركه أميركا وتتعامل على أساسه وما تعلنه بوضوح تام عبر شبكة العقوبات الجديدة.

يتقاتل الأقطاب السياسيون في لبنان على حصتهم من كعكة الدولة بينما يعمل حزب الله على مصادرتها، ويقيم اقتصادا يتجاوزها ويقصيها من دائرة الشرعية، معلنا بذلك نهاية شرعية النظام اللبناني.

 ما تعلنه أميركا وما يرجح أن يستتبع بمواقف دولية عامة ليس سوى التوكيد على هذه النهاية. التأخر عن إعلانها الرسمي لا يعني أنها لا تمثل الواقع الفعلي لحال البلاد.

شارك برأيك