عقد من الربيع العربي.. "تجرأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة"

تاريخ النشر: 18.12.2020 | 18:45 دمشق

إسطنبول - خاص

مر عقد من الزمن على الحدث الذي غيّر مسار العالم العربي وأثر بشكل كبير على سير الأحداث العالمية، فكانت انطلاقة الربيع العربي إيذانًا بعهد جديد للمنطقة التي لم تهدأ منذ يومها ذاك، وعندما أحرق محمد البوعزيزي نفسه من أجل كرامته التي صفعتها شرطية من قوات الأمن في مدينة سيدي بوزيد التونسية، لم يكن يعلم حينها زين العابدين بن علي أنه سيكون أول الراحلين بين رفاق دربه الذين شكلوا حالةً من الطغيان والظلم والأسى لشعوبهم.

اليوم وبعد 10 سنوات من تبدّل الحال وتعقد المشهد، تراجع قسمٌ من شباب هذا الربيع عن القناعة بما فعلوه معتبرين أنهم أخطؤوا، إلا أنه ما زال هناك مقاومون يدهم على الزناد من كل البلاد التي ثارت على أمل أن يأتي يومٌ تستعيد بها الثورات ألقها وتسقط ديكتاتوريات كبتت أنفاس شعوبها ونالت من كرامتهم وحريتهم.

10 سنوات، ليس رقمًا قليلًا يُقضى في عمر الإنسان، خلال هذه الأعوام قُتل مئات الآلاف وجرح أضعاف ذلك فيما غيبت السجون عشرات الآلاف، وبدأت هجرة الشباب والناس إلى بلاد جديدة، يبدؤون حياتهم بعيدًا عن آلة الحرب والقتل والفقر والفساد، إذًا شهدت هذه السنوات البحث عن منافٍ يستطيع بها شباب الربيع العربي أن يعيشوا بكرامة غير مطاردين أو خائفين من القتل أو الاعتقال أو محكومين بما تراه أنظمة الحكم في بلادنا.

 

"ممتن لتلك اللحظة"

من البلد التي انطلقت منها شرارة الربيع في ديسمبر 2010، يقول الصحفي التونسي عبد السلام المرخي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إنه وبعد "عشر سنوات منذ اندلاع الثورة في تونس تغير الكثير على المستوى الشخصي، إذ إننا ولدنا في هذه اللحظة وتغيّرت فيها المعطيات وفتحت أمامنا عدّة أبواب وباختصار لو لم تكن الثورة لما كنت ما عليه الآن، أنا ممتن لتلك اللحظة".

على الصعيد الجمعي يقول المرخي: "صراحةً بالنظرة الكبيرة الأفقية لا أظن أنه تغير الكثير أو ربما تغير إلى الأسوأ، إذ إنه تم دمقرطة ما كان مدكترًا، يعني الفساد كان محتكرًا من عائلة واحدة، أصبح الآن منتشرًا في أكثر من مكان، حيث أصبح هنالك مجموعة من البرجوازيات الصغيرة احتكرت الثروة والثورة، وبات هنالك طبقة سياسية ربما لو كان بن علي موجودا لا يضع أسوأ منها، فهي طبقة سيئة جدا مع التفافها على عدّة مطالب للثورة، فكانت المحصلة الحالية "ليس أكثر من الحرية، وهو ما يلخص كل شيء في تونس".

وعن الحالة الاقتصادية يرى المرخي بأن البلاد تعيش "في زمن ليس أكثر من الحرية فالوضع الاقتصادي والاجتماعي سيء ومنفجر والوضع السياسي منسد والصراعات السياسية مفتوحة، بالإضافة إلى عودة الحرس القديم لبن علي بقوة إذ إنهم موجودون في البرلمان ويفعلون ما يريدون".

على الرغم من سوء الأوضاع في تونس إلا أن المرخي لديه "أمل"، يقول في حديثه: "أميل جدا لقاعدة تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة، عقلي يائس لكن ما دامت الإرادة موجود فهناك أمل، الإرادة مع محاولة التنظيم أكثر مع الشباب المؤمن بدولة جديدة ودولة حرة وديمقراطية وتحمي الجميع وتحمي بالقيم هذا ممكن، على هذا الشيء نستطيع أن نعقد الأمل، أما بالنسبة لهذه النخبة الموجودة والنظام القائم والقوانين الموجودة خاصة قانون الانتخابات في تونس؛ لا يمكن الوصول إلا إلى اللاشيء وسنظل ندور في دائرة فارغة".

 

دعايات سخيفة.. دول الربيع لم تكن قبله جنة

أما في سوريا، التي يمكن لأهلها أن يحسوا بمرارة هذا العقد أكثر من غيرهم، في هذا الصدد يقول الناشط السوري موسى أبو الفاروق في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن التغيرات التي طرأت علينا خلال هذا العقد كثيرة ولا يمكن الحديث عنها في عجالة، إنما تحتاج إلى كتب ومجلدات، فقد كان هذا العقد مليئًا بالمتغيرات على جميع الأصعدة الاجتماعية والسياسية والثقافية".

يشير موسى إلى أن هذه السنوات غيرته بشكل شخصي بنحو "إيجابي"، ويذكر أن "سوريا لم تكن ذات حالة جيدة في يوم من الأيام"، ويرد بهذه العبارة على الذين يقولون أن "سوريا كانت جميلة ولولا الثورة لما حصل بها هذا الأمر"، ويذكر أننا "تعودنا منذ الصغر على طوابير الخبز والوقود وإهانة الكرامة"، مضيفًا إلى أن "الحالة التي كنا فيها قبل الثورة لا نستطيع أن نصفها إلا بأنها تمشاية حال دون قصف"، أما وقد حصلت الثورة واندلعت الحرب فأصبح النظام يقتلنا بشكل مباشر ومعلن بحسب وصف الناشط السوري.

يعقد موسى في حديثه الأمل بالشباب السوريين الذين ما زالوا يكافحون على الرغم من كل ما مر بهم، ويقول "لولا هؤلاء الشباب المقاتلون والمتمسكون بمبادئ الثورة لما كنا صامدين إلى الآن"، ويضيف "رغم استقرار الأمر للطغاة هذه الأيام إلا أن الكرّة قادمة، ولكن لا أحد يعلم متى، لأن الذي استطاع كسر قيود الظلم عام 2011 يستطيع كسرها في كل حين، وقد كانت الأنظمة في ذلك العام أقوى وأمتن وذات بنية متماسكة أكثر من الآن".

يندم موسى في هذه الثورة على شيء واحد كما يقول وهو "وجود المعارضة السياسية التي تمثلنا بشكلها الحالي بيننا"، فوفقًا لموسى "لم تستطع المعارضة السير على مبادئ الثورة وأهدافها، كما أن كثيرًا من أعضائها خانوا دم الشهداء، كما تفعل الآن اللجنة الدستورية".

 

لن نندم

رأي الصحفي عبد الكريم العوير يوافق ما يراه الناشط موسى حيث يقول العوير في تغريدة على موقع تويتر: "الدعاية السخيفة التي تروجها الانظمة العربية والثورة المضادة أن ثورات الربيع العربي هي السبب في الوضع الكارثي الذي تعيشه أوطاننا اليوم، وكأن أوطاننا كانت جنة قبل الربيع ولم يكن فيها ظلم وسحق لحقوق الإنسان. متناسين دورهم القذر في قتل وتجويع الشعوب وقتل أحلامهم بالحرية".

 

 

في هذا السياق ظلت الماكينة الإعلامية لأنظمة الثورات المضادة تنسج الروايات حول الربيع العربي وتؤلف حوله المؤلفات التي ترمي إلى جعله فترة حالكة سوداء في نظر أبنائه وجعلهم يشعرون بالندم على الثورات التي قاموا بها، وهنا يقول الوزير الإماراتي أنور قرقاش في الذكرى العاشرة للربيع العربي: "كان هناك نوع من التعامل الساذج مع الربيع العربي في بداياته وسرعان ما انكشف غول الآيديولوجيا والعنف وغياب المشروع التنموي. وبانقضاء العام الأول أدركنا حجم التهديد تجاه الدولة الوطنية ومؤسساتها ونسيج العديد من مجتمعاتنا العربية. ثمنٌ عسير لا يبرر الآراء المنافية لهذا الواقع".

 

 

يعلم قرقاش كل العلم أن دولته هي الرائدة في مجال الثورات المضادة وهي التي عملت على ضرب كل الجهود في كل الدول التي تمضي نحو التحرر، فهي التي دعمت عبد الفتاح السيسي للقضاء على آمال شعبه وهي التي مولت الحرب الليبية كما أنها مولت حرب بشار الاسد وروسيا على إدلب كما أن دورها لا يخفى على أحد في ضرب ثورة السودان وإفشال التجربة التونسية والقضاء عليها.

بالمحصلة: فإن شباب الربيع العربي من نجا منهم من القتل أو الاعتقال مؤمنون بما فعلوا ولكن حال بينهم وبين تحقيق أحلامهم وتمكينهم من الحرية والعدالة حرب لا هوادة بها من قبل أنظمة الحكم وجيوشها، كما استعانت هذه الجيوش والأنظمة على شعوبها بجند من الخارج لسحق هتافات الحرية في كل مكان، ولكن ما زالوا يحملون الشعارات في قلوبهم على أمل أن يعيدوا بريقها يومًا ما ولسان حالهم يقول كما كتبت المخرجة والناشطة السورية وعد الخطيب على فستانها "تجرأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة".

مقالات مقترحة
الرئاسة التركية تعلق على أنباء تمديد الإغلاق العام
أين تنتشر السلالة المتحورة الهندية من كورونا في المنطقة العربية؟
حصيلة الإصابات بكورونا في سوريا خلال 24 ساعة