عقدة لجنة سوتشي الدستورية

تاريخ النشر: 17.06.2018 | 00:06 دمشق

في حين كان يعتقد الروس أن بإمكانهم فرض حل سياسي بدون الغربيين الذين ظهروا كأنهم بلا حول ولا قوة عند انعقاد سوتشي فإنهم بعد القصف الثلاثي وقبلها ورقة تيلرسون عرفوا أن الأمور لن تسير كما يشتهون تماماً، وأن الأطراف الدولية الأخرى لا يمكن تجاهلها كشريكة في صياغة الحل، وبشكل خاص الأمريكيين الذين يمكنهم أن يعرقلوا كل شيء ويغيروا كل قواعد اللعبة لو أرادوا، غيّر هذا من مسار لجنة سوتشي الدستورية المفترض التي كانت على مدار الشهرين الفائتين الحديث الأساسي حول المسار السياسي، فمصير اللجنة ذاته في مهب الريح، وطبيعة اللجنة وطريقة تشكيلها وفي وظيفتها وآلية عملها يلفه الغموض.

النظام والإيرانيون لا يريدون أي نوع من الحل السياسي، يريدون كل شيء، هذا أوضح من أن يحتاج إلى شرح، وبالتالي أي حديث عن حل سياسي من طرفهم هو مجرد تمرير للوقت، ولهذا سوف يستمرون بالمماطلة والغرق في التفاصيل وإيجاد الذرائع من أجل أن لا يحصل أي تقدم في تشكيل اللجنة، وإذا حصل وشكلت فسيسعون أن لا يحصل أي إنجاز، وهذا أمر يمكن أن يكون من خلال تركيب بنية اللجنة، فالنظام يريد أغلبية مرجحة (أكثر من النصف) تتحكم بقرار اللجنة، كما صرح رأس النظام قبل أسبوع، وحيث أن اللجنة ستشكل مثالثةً بين المعارضة والنظام وقوى مدنية كما هو متفق عليه بين الدول "الضامنة" الثلاثة، فإن هامش لعب النظام على اللجنة يبدو واسعاً، فمن جهة للنظام تمثيل داخل المعارضة نفسها (موسكو ومستقلون من قمح وغيرها)، وهذا يجعل مقاعد النظام الفعلية دائما أكبر من النظرية، وفي المقابل يجعل مقاعد المعارضة النظرية أكبر بكثير من المقاعد الفعلية. أيضاً المفاوضات الخلفية والضغط الروسي على ديمستورا وعلى المعارضة من أصدقائها يمكن أن تفضي إلى أن يكون ممثلو المجتمع المدني والخبراء المستقلون القريبون من النظام هم أغلبية الثلث الثالث. 

يفترض هذا السيناريو أن اللجنة ستعمل على أساس تصويت الأغلبية وليس على أساس الإجماع أو التوافق، وهو سيناريو قد لا يفضله النظام لكنه يعد العدة له ويحسب حسابه، ولهذا السبب تصب مساعي النظام نحو تحقيق أغلبية بغض النظر عن الشكل (أي ما إذا كان الأعضاء محسوبين عليه نظرياً أو على غيره). وبنفس الوقت الفريق المقرب من النظام داخل هيئة رياض2 للتفاوض يدفعون باتجاه أن يكون عمل اللجنة قائماً على "التوافق"، وفي الواقع هذا السيناريو قد يكون المفضل للنظام لأنه سيتيح له عرقلة عمل اللجنة بالكامل، وهو ربما سيناريو مفضل لكثير من أطراف المعارضة لأنه يقلل من خسائرها مع لجنة تكاد لا تمثل أحداً غير النظام نفسه.

الطريف أن لجنة لا أحد يعلم ما هدفها بالضبط ولا كيف تعمل تصاغ بالمقلوب، ترسل الأسماء أولا ثم تشكل اللجنة وتحدد لها الوظيفة! هذا بحد ذاته يطرح تساؤلاً عن الهدف من هذه العملية المقلوبة، من الواضح أن استباق الحديث عن الوظيفة والهدف هو لفرض واقعة سياسية في سياق لعبة "الحل"، فالوصول إلى فكرة اللجنة الدستورية وفقاً للقرار 2254 هو مرحلة أخيرة بعد مراحل عدة سابقة عليها، وبالتالي فإن توليد اللجنة يفترض سلسلة من الإجراءات والتوصل إلى اتفاقات بشأن القضايا الأخرى، وهكذا يصبح تشكيل اللجنة تجاوزاً لكل ما ورد في القرار 2254 وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إعادة تفسير للقرار ذاته بحيث يموضع اللجنة الجديدة ليظهر كما لو أنه خطوة كبيرة باتجاه الحل السياسي، والواقع هو عملية شطب ممنهجة لكل ما يقوله القرار ويقتضيه من مراحل وإجراءات قبل تشكيل اللجنة الدستورية التي يفترض أن تكون وظيفتها صياغة دستور جديد، بشكل أدق هو عملية غرضها الإطاحة بفكرة هيئة الحكم الانتقالي والإجهاز على مبدأ "الانتقال السياسي".

يقود هذا للحديث عن العمل المتوقع للجنة، فبعض أطراف هيئة رياض 2 تقول إنها لإجراء صياغة دستور وتبني ذلك على أساس بيان جنيف1، وبعضها الآخر يذهب إلى أنها إجراء تعديل دستوري يغير جوهريا الدستور 2012 ويسمح بانتقال سياسي، في حين يريد النظام بالطبع أقل من ذلك بكثير، يريد أن تكون وظيفة اللجنة محصورة في مراجعة دستور 2012 وتقدم مقترحات يدرسها النظام ويصدر رأسه مرسوماً بها، أي يريدها لبناء الشرعية له. الواقع أن فريق ديمستورا عمل مراراً على دفع المعارضة نحو القبول بدستور 2012 وهو دستور لا يمتلك ولا حتى شرعية شكلية.

من الواضح أن منصة موسكو والمقربون من النظام في فريق هيئة رياض2 يسعون إلى قبول هيئة التفاوض بفكرة تعديلات دستورية على دستور النظام، وقبول أن يصدر أي نتائج عن اللجنة عبر مرسوم من النظام، على أساسين: الأول أن هذا هو المتاح، وتقتضي الواقعية أن نتأمل مع المتاح في ظل تراجع المعارضة عسكرياً وتقدم النظام وعدم رغبة المجتمع الدولي في رحيل النظام. الثاني هو أن الواقعية والحنكة السياسية تقتضي توريط النظام في لعبة الدستور وتحقيق المعارضة لأهدافها من خلال تغييرات جوهرية دستورية تؤدي إلى تغيير في بنية النظام.

هاتان الحجتان تغيِّبان حقيقة، وهي أن الدخول في لعبة الدستور 2012 يعني بالضرورة الحفاظ على بنية النظام، لأن النظام متمثلاً في الجيش وأجهزة الأمن سيبقى، وهي أجهزة استولى عليها الإيرانيون بالكامل، وسيكون أي حديث عن دستور وانتخابات بدون إعادة بناء للجيش وتفكيك الأجهزة الأمنية وإعادة بنائها أيضاً انطلاقاً من تمثيل النسب السكانية في قيادتها على نحو عادل سيؤدي حتماً إلى ترسيخ النظام ومنحه شرعية مجانية ما يزال يكافح لأجلها.  كذلك فإن التعديل الدستوري يتضمن اقراراً بشرعية دستور 2012، وبالتالي سيكون ذلك بمنزلة إضفاء الشرعية على ممارسات النظام وتصرفاته.

أخيراً وحتى لو قبل النظام بتغيير الدستور فإن بقاء الجيش والأمن على ما هما عليه يفقدان أي تغيير معناه.