"عشّ الدبابير" من الخيانة الوطنية إلى الخيانة الزوجية!

تاريخ النشر: 07.08.2021 | 07:02 دمشق

يؤكد المؤرخ الهولندي وليم أوترسبير صعوبة التصنيف والقراءة وأحكام القيمة، نتيجة تبدل الأزمان ما بين مرحلة الحرب العالمية الثانية والمرحلة الحالية، وقد اختلفت كثير من المعايير والمقاييس، ويقول: خمسة وسبعون عاماً كانت كافية لتغيير وجهات النظر في معظم ما حولنا، ويؤكد أنه بنى كتابه المتعلق بتاريخ جامعة لايدن إبان مرحلة الحرب العالمية الثانية خلال الاحتلال الألماني على الوثائق التي كانت الجامعة تتحفظ عليها، وأنه كان كمن يمشي في حقل ألغام، فهناك من أخذ إلى المحرقة، وهناك من قاوم وهناك من وشى بزميله، وهناك من وقف مع المحتل وهناك من قاوم، إضافة إلى تعدد وجهات النظر في أفضل المواقف تجاه الاحتلال النازي بين الطلاب والأساتذة. ولعل تسمية عش الدبابير تسمية محقة لأنها تعني من جملة ما تعني الدخول فيما هو مختلف فيه أو عليه وعدم القدرة على تحديد موقف معين، وأن نكش عشّ الدبابير لا يمكنك أن تنفذ منه، لا بد أن تصيبك لسعة من هنا أو هناك.

يقودك هذا الحوار بشكل أو بآخر إلى مواقف أساتذة الجامعات السوريين إبان ثورة 2011 وما تلاها من أحداث، ونوع النقاشات والمواقف الدائرة بين الأساتذة، وكيف أنه قد تشتت بكثير منهم السبل، خاصة من سافروا خارج البلد بحثاً عن الأمان، إذ إن هناك قلة منهم أتيح لها فرص مكافئة لعملهم السابق، ستقول: هذه هي الثورات وما بعدها لا بد أن يدفع الجميع ثمنها.

 تستذكر كيف نهضت الانتماءات الضيقة لدى كثير من أولئك الأساتذة لتغلب الترحيب بمطلب الحرية، بل ليتحول كثير منهم إلى "شبّيح" مهمته الرئيسية تسفيه الرأي الآخر وتخوينه، وفي الوقت الذي كنت تنتظر أن يبرز الخطاب الوطني أو الفكري منهم برز غير ذلك، ولكن لن يفوتك أن شريحة كبيرة منهم، انتمت إلى هذه الشريحة ضمن ثقافة الاستثناء والابتعاث المسموم والتخريب، لذا فإنه من الطبيعي أن تنتج مثل هذا النوع من الخطاب.

تستذكر الحضور الكبير لاستعمال فعل الخيانة وسهولته، ويحدث هذا داخل الشريحة أو التيار أو الاتجاه نفسه، حتى تغدو تهمة الخيانة في شكل من أشكالها سلاحاً فتاكاً يمكن أن نسيء لكثيرين من خلالها، لنأخذ شريحة المعارضين مثلاً، الذين يعملون في الجانب السياسي، أو الاجتماعي من خلال المنظمات، لو حاولت أن تحصي استعمال كلمة الخيانة في أحاديثهم يومياً واستسهال إطلاق التهمة بدليل أو دونه، والابتعاد عن استعمال تهم قانونية، والاستعاضة عنها بتهم ذات مرجعية أخلاقية بهدف إحداث فعل التدمير، والتعبير عن روح الانتقام.

خونة أم مرتكبون لفعل خائن؟

يشير المعنى اللغوي لفعل الخيانة إلى الغدر وعدم الإخلاص والضعف وخيانة عهد ما، غير أن مستعملي اللغة أضافوا إليه دلالات أخرى ذات أبعاد طريفة من مثل: خانتني ذاكرتي، أو خانتني قدماي، أو خانني الزمن، أو خانه حظه، وخان النصيحة، وخان حبه، خانته عينه وخان الرشاء الدلو! والتأمل في هذه الجمل يكشف أنه في لحظة حاجة لم يجد حاجته عند من كان يعول عليه، من هنا قد تأتي حدة حكم القيمة المرتبطة به.

مراقبة التوصيف المرتبط بفعل الخيانة يكشف أن البشر قد يقومون بفعل فيه خيانة، رائحة خيانة، وقلة تلك التي تغدو الخيانة من سماتها، لكن في المجتمعات المعيارية تغدو المبالغة والتوصيف الحاد إحدى السمات واستسهال إطلاق الأحكام.

ما درجات الخيانة؟ ومَن مِن البشر لم يرتكب فعل خيانة عبر سيرة حياته؟ خاصة أن طيف الدلالات واسع وكبير، وهل الخيانة تدخل في باب الفطري، أم مهارة يلجأ إليها الفرد ليتم جزءا من حياته، وتضعه فيها ظروف الحاجة أو الخوف أو الرغبة بتحقيق مكسب؟

يذكر سوريون كثيرون معتقلون سابقون في سياق مديح الوفاء والرجولة أن نفراً كبيراً منهم وصل تعذيبه إلى مرحلة الموت، ولم يرض أن يذكر أسماء من كانوا معه في اجتماع أو جلسة أو حزب أو سوى ذلك، وفي الوقت الذي يُمَجَّدُ فيه هذا الفعل، يشار من جهة أخرى إلى أن من قال أسماء زملائه نتيجة التعذيب على أنه "خائن"، يُطْلب ها هنا من الجسد أن يتحمل العذابات ليبقى وفياً للمنظومة القيمية التي يجب أن يتحلى بها الإنسان، ولكن هل كل البشر قادرون على القيام بهذا الفعل السامي؟ هل تستطيع كل النفوس تحمل عذابات الجسد؟ لذلك فإن كتاب "عش الدبابير" الوارد أعلاه ينظر إلى تصرفات البشر على أنها رد فعل بحسب قدراتهم ومفاهيمهم ووعيهم وتجربتهم، ويسمح الكتاب للتعدد في وجهات النظر في التفسير أن يكون حاضراً، بعيداً عن أحكام القيمة.

بالتأكيد لا يدخل في هذا الباب، متطوعو الخيانة، وهم شريحة من البشر تغدو الخيانة والتسريب ونقل الأخبار والطعن في الآخرين مهمتهم الرئيسية، وهي تقدم خدماتها إما كتعبير عن الخوف، أو رغبة في لفت الأنظار، أو الرغبة في تحقيق مصالح، أو إشارة إلى أن الوضاعة صفة متأصلة فيها، أو ذات طابع جيني حيث تشير دراسات إلى أن هرمون الفاسوبريسين عندما تحدث به طفرات محددة، يبادر بتحويل جينات الشخص إلى شخص خائن، نتيجة خلل في إدراك الشخص للمعايير الاجتماعية والميل للأشخاص الذين يحبهم.

 

ضحايا الخيانة

تكاد لا تلتقي بشخص بلغ العشرين أو الثلاثين أو ما فوقها إلا ويكاد يحدثك عما تعرض له من خيانات: من الحبيب إلى الزوج إلى الصديق، إضافة إلى الخيانات المعنوية: من خيانة الجسد إلى خيانة الروح إلى خيانة القلب، إلى شريحة المطعونين بظهورهم من قبل الخونة! تتساءل هل التقيت بشخص خائن؟ وأين يعيش أولئك المجرمون الخونة الذين يرتكبون فعل الخيانة بحق أولئك الضحايا؟ هل قابلت شخصاً قال عن نفسه مرة: أنا خائن؟ لماذا لا نعثر في يومياتنا إلا بضحايا الخيانة؟ وأين يعيش الخونة؟ أم أن البشر لا يتحدثون عن أنفسهم إلا حين يكونون ضحايا للخيانة، ولا يعرفون أو ينتبهون حين يقومون هم بالفعل ذاته؟

ثمة ثلاثة حقول دلالية رئيسة تبرز في حقل الدلالة على الخيانة: خيانة الأزواج والزوجات والأحبة وتكاد لا تخلو سيرة شخص من هذا الجانب، وكل من تلتقي بهم ضحايا، وهذا يقودك إلى تساؤل آخر أكثر خطورة: هل يمكن أن تكون خصلة الخيانة صفة إضافية في الإنسان وخصلة من خصاله حيث نعدد أن الإنسان كائن وفي وكريم وخائن ومخلص ونبيل ومتواضع؟ أم أنّ سُلَّم القيم والأخلاقيات يمنعنا أن نقول هذا؟

ولدينا كذلك خيانة الجسد أو النفس، وخيانة الأصدقاء، وخيانة الوطن، وخيانة الأمانة ويلحظ أنه في الحقول التجارية والصناعية هناك منافسة وطعنات وخلافات ووجهات نظر، ويضيق استعمال مفردة الخيانة ويستعاض عنها بالشطارة (حلال ع الشاطر).

ومن الواضح أن أبرز جانبين في فعل الخيانة أو الاتهام بها هما:

-الخيانة الشخصية وتتركز خاصة بالتهم المنسوبة إلى الأزواج أو الزوجات، وتشمل عدداً كبيراً من الأنواع من خيانة الحديث مع آخر في الجوانب الشخصية أو العاطفية أو المسيل وصولاً إلى العلاقات الجسدية السرية، أو الزواج السري أو سوى ذلك من تفاصيل لا تأخذ بعين النظر مطلقاً الأسباب التي قادت إلى ذلك أو حيثيات القيام بهذا الفعل، وهو يشير غالباً إلى خلل في العلاقة مع المخوِّن، وقد نصت قوانين الأحوال الشخصية على عقوبات رصدت الحالة وناقشتها ونظرت إلى درجاتها، وهذا غير الحكم الأخلاقي (ذي الطابع الاجتماعي غالباً) أو الشعوري الذي يولده الشخص الذي يعتقد أن فعل الخيانة ارتكب بحقه، حيث قام الشخص المرتكب لفعل الخيانة بنقض جزء من عهد مكتوب أو شفوي بينهما.

- خيانة الأوطان وهي حقل واسع يتم اللعب فيه بمختلف الجوانب، لنأخذ الحالة السورية مثلاً، فالنظام يعد كل من قام بفعل المعارضة أو تلقى مساعدة أو سوى ذلك خائناً، والمعارضة تعد أن النظام خان العهد الذي أؤتمن عليه.

تنص قوانين العديد من الدول على أنواع مختلفة من الخيانة، وتمثل "الجرائم المتعلقة بالتمرد" خيانة داخلية، وقد تتضمن الانقلاب. في حين تمثل "الجرائم المتعلقة بالعدوان الأجنبي" خيانة التعاون مع العدوان الخارجي، وغالباً ما يتخذ فعل الخيانة والتخوين سياسياً خاصة في بلدان العالم الثالث، كما كان يحدث تاريخياً في إمبراطوريات ودول عديدة لتصفية الخصوم، بل إن أشخاصاً عديدين كان ينظر إليهم بصفتهم رمزاً للقيم، يتم تخوينهم لاحقاً أو العكس، مما يعني أن التهمة "الوطنية" في هذا الجانب مطاطة إلى حد كبير وتقبل أكثر من وجهة نظر، تبعاً لمن يقوم بها والزمان الذي يقوم به فيها، لكن مما لا خلاف عليه أن الوشي بأسرار البلد أو كشف مقدراته السرية مما يجعل الآخرين يحتلونه أو يسيؤون إليه من أكثر المفاهيم التي تقع في فعل الخيانة.

الخيانة والمغفرة

السؤال المهم: هل من توبة عن فعل الخيانة في ضوء: خير الخطائين التوابون؟ أم أن هذا المرض لا شفاء منه؟

تتكئ إحدى الصديقات في تفسير فعل الخيانة في علاقة الرجل بالمرأة على حكاية مؤداها: إن كثيراً من الرجال لا يزالون في علاقتهم مع المرأة يعيشون المرحلة البدائية: مرحلة الصياد والطريدة، لذلك كلما مرت أمامه صبية اعتقد أنها ملائمة للصيد تفرغ لاصطيادها، ولا يكترث ها هنا بالطريدة السابقة، ولا يدخل فعله الجديد تحت توصيف الخيانة لأن المجتمع يدافع عنه.

في الدولة الحديثة المدنية يقلّ الحديث عن فعل الخيانة، لأن القانون هو الذي يحكم أفعال الأشخاص، وحرية السلوك والوضوح هما الملاذ الرئيس لأفعال الإنسان، لذلك فإن الأشخاص يعبرون عما يريدون، ولا يترددون في الوقت الذي يجدون فيه نفوراً من الآخر، الذي اختاروا العيش معه فترة من العمر، في الانفصال عنه، بعيداً عن أحكام القيمة.

سألت زميلة هولندية "ساسكيا" مرة: لماذا انفصلت عن صديقك "رونالد"؟ أجابت لأنني لم أعد أميل إليه، وشعرت أنه بدأ يميل إلى صديقة أخرى. تابعتُ سؤالي بسؤال آخر: ألا تشعرين أنه خانك بهذا الفعل؟ قالت: لا، لأنه حق متاح للطرفين، فأنا لو ملت إلى صديق آخر، حتى إبان العلاقة معه، وانفصلنا لتقبّل هو الأمر، وهنا نحن لا نعطي هذه الأفعال أبعاداً أخلاقية، هي رغبات وميول وحاجات، يقوم بها الأفراد في الوقت الذي يشاؤون.

من الصعب تطبيق هذه الطريقة من التفكير على واقعنا العربي، نظراً لاختلاف المرجعيات والتعويل على القيمي أكثر من القانوني، وطريقة قراءة تفاصيلنا التي تحتكم إلى المعيار والقيمة والأخلاق، قد لا تكون هي الأفضل، لكنها هي عيننا التي نرى من خلالها العالم فتأتي أفعالنا وسلوكاتنا لتعبر عنها. من هنا يغدو اليقين القيمي والديني الاجتماعي أحد وسائل راحة البال في المجتمعات اليقينيّة، لكنه من وجهة بحثية هو "عش الدبابير" الذي يتضمن ألف لسعة ولسعة!

دراسة: الإصابة السابقة بكورونا قد لا تحمي من متحور أوميكرون
الصحة العالمية تحذّر: أوميكرون أسرع انتشاراً من جميع سلالات كورونا السابقة
توقعات باجتياح متحور "أوميكرون" العالم خلال 6 أشهر
مصادر مصرية: اتصالات غير معلنة لحسم مصير مقعد سوريا في قمة الجزائر
إيران تتهم الولايات المتحدة بصنع "داعش" وتطالب بخروج قواتها من سوريا
الجامعة العربية: نبذل جهوداً كبيرة لعودة نظام الأسد في قمة الجزائر المقبلة