قال المدير العام لـ"المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" الدكتور عزمي بشارة إن شعار "الشعب السوري واحد" كلف دماء كثيرة ولا يجب التخلي عنه، محذراً من أن المشرق العربي قد يصبح منطقة نفوذ إسرائيلية في حال لم يصدر رد عربي حاسم وجازم، بدليل ما تفعله إسرائيل حالياً في سوريا وفي لبنان حيث إن واشنطن وتل أبيب قد تتسببان بتقسيم البلد الأول وهو ما يجدر أن يواجَه بدولة لجميع مواطنيها، وبحرب أهلية في الثاني.
وأضاف بشارة في مقابلة على شاشة "تلفزيون العربي" في قطر، مساء الثلاثاء، أن دول المنطقة يجب أن تنظر بفزع إلى التوسع الإسرائيلي الحالي لأن فيه نوعاً من سكرة القوة التي تؤدي، من دون ردود فعل عربية جازمة وحاسمة، إلى أن تصبح إسرائيل "سيدة المنطقة" التي تضع شروطاً على دول عربية مثلما هو حاصل في سوريا ولبنان حالياً، "هذا من دون الحديث عن الفلسطينيين ذلك أنها لا تعترف أصلاً بسلطة فلسطينية ولا بأرض فلسطينية وقد بدأت بخطوات لضم المنطقة ب أو كل الضفة ناهيك عن الكتل الاستيطانية".
فضلاً عن وضع خطط تنفيذية لتهجير سكان قطاع غزة بوصفه أمراً واقعياً بالنسبة إلى الدولة العبرية، من دون أي استعداد لإبرام أي تسويات حقيقية، إنما التعامل حصراً بفرض إملاءات المنتصر الذي يطلب من الطرف الآخر الاستسلام والخروج من المنطقة، من دون أن يكون ثمن ذلك حلاً سياسياً.
سوريا بلا سلاح
ورأى بشارة أن ملامح منطقة النفوذ الإسرائيلية تظهر في القصف الإسرائيلي العبثي لسوريا لتكون دولة الاحتلال سيدة جنوب سوريا، والإصرار الأميركي - الإسرائيلي على شروط مجحفة في لبنان قد تؤدي إلى اندلاع حرب أهلية فيه.
ويرى بشارة أن الهدف الإسرائيلي الأول في سوريا تحقق خلال رئاسة ترمب الأولى، أي جعل الجولان خارج أي تفاوض (من خلال الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الهضبة السورية المحتلة). وثاني الأهداف الإسرائيلية في سوريا إنشاء منطقة منزوعة السلاح داخل هذا البلد، لا بل جعل كل سوريا منزوعة السلاح وبلا جيش.
وحذّر من أن هذا الأمر قد يقود في المستقبل إلى إحياء حلم إسرائيلي استعماري قديم يعود إلى إنشاء الانتداب الفرنسي 4 دويلات وهو ما يجب أن يتكرر اليوم ربما في المنظور الإسرائيلي.
وفي وجه هذا الخطر، اعتبر بشارة أن سلوك الشعب السوري وحكومته يجب أن يكون نقيضاً لذلك، وعليه التمسك بدولة وطنية واحدة لها أصول يشارك فيها الجميع، لا استبدال حكم ديكتاتورية أقلية طائفية بحكم ديكتاتورية أكثرية.
وشرح أن تمسُّك السوريين بالجنوب السوري وبالساحل وبالشرق وبجميع المناطق، يفترض أن يشمل كل الأمور، ومن ضمنها مشاركة مواطني هذه المناطق بالسلطة والدولة.
من هنا، شدد المفكر على ضرورة اعتبار السوريين الموضوع الإسرائيلي أساسياً لا قضية جانبية لأنه قد يعني تقسيم سوريا.
وفسّر أن رفض المحاصصة الطائفية والمناطقية يجب ألا يُستغل لعدم إشراك الآخرين من مختلف المكونات في السلطة والدولة بصفتهم مواطنين، كذلك فإن رفض الطائفية لا يعني عدم الاعتراف بجميع المكونات كمواطنين مجدداً، ولا يعني أيضاً اسثتناءهم من مؤسسات الدولة أو إشراكهم بتمثيل رمزي "وهو أسوأ أنواع المحاصصة" حسب تعبير بشارة.
واستطرد في هذا السياق ليعرب عن خطورة ما حصل في الساحل وخصوصاً أن "بعض جوانبه مستمرة من ناحية الخوف والتمييز الطائفي وفي السؤال عن الطائفة" من قبل عناصر أمنيين. وخلص في هذا السياق إلى أن الإدارة السورية الجديدة "إما تكون جماعة، أو أن تدير دولة".
الموقف الأميركي من تركيا
ورداً على سؤال حول تعليقات ترمب في مؤتمره الصحفي مع بنيامين نتنياهو مساء الاثنين في البيت الأبيض، والتي أوحى فيها بترحيبه بتقاسم سوريا بين نفوذ كل من إسرائيل وتركيا، أجاب بشارة، في مقابلته مع تلفزيون العربي، أن قناعة ترمب تقوم على عدم وجود حلفاء ولا خصوم ولا أعداء بل مجرد مصالح مع قادة أقوياء يمكن إبرام اتفاقات معهم وتكون لهم مناطق نفوذ شرط أن يعترفوا بـ"ملك الغابة" أي بأميركا، التي يجب أن تترجم نفوذها العسكري والسياسي اقتصادياً ومادياً، من خلال الرسوم الجمركية حالياً مثلاً.
ووفق المنطق الأميركي نفسه، يتابع بشارة، فإن الشرق الأوسط يمكن أن يكون منطقة نفوذ لإسرائيل، ومن ضمن هذا الشرق الأوسط، لسوريا جاران، إسرائيل التي أثبتت لإدارة جو بايدن أن القوة هي التي تحسم، وتركيا التي لا يزال ترمب مقتنعاً بأنها تقف خلف هجوم ردع العدوان الذي انتهى بسقوط النظام السوري، بالتالي فلتسيطر على شمال سوريا وفق عقلية ترمب. ويتوقف بشارة عند حجم الخطر المحدق بسوريا ليكرر أن على الإدارة السورية الجديدة إدراك أن الجواب عليه يكون بتوحيد المجتمع السوري لكي يرفض هذه الرؤية التقسيمية.
حرب الإبادة في غزة
وعن إبادة غزة، شدد مؤلف كتاب "قضية فلسطين: أسئلة الحقيقة والعدالة" على أن الحرب الإسرائيلية طوّرت لنفسها أهدافاً خاصة لا علاقة لها بالرد على عملية 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهي أهداف تاريخية تتعلق بضم الضفة الغربية وتهجير الغزيين.
أهداف "تطورت مع الوقت لأن إسرائيل أدركت حجم الدعم الأميركي مع الإدارتين السابقة والحالية، وأدركت حجم التراخي العربي إلى درجة يبدو معها أن هناك مسؤولين عربا ينتظرون أن تقضي إسرائيل على المقاومة".
وكرر رأيه الذي يفيد بأن الحرب مستمرة لأنه لا يوجد من يوقفها "ولا أرى حالياً تسويات معقولة تقبلها إسرائيل"، والكلام لبشارة.
ورداً على سؤال عن المقترحات المصرية والقطرية عن هدن من 50 يوماً مقابل إفراج عن 5 أو 9 إسرائيليين، وجميعها مقترحات رفضتها إسرائيل، جزم المفكر العربي بأن الأمر المطروح الوحيد الذي تقبله إسرائيل، هو احتلال غزة وتهجير سكانها.
وفي إطار متصل، اعتبر أن المعنى السياسي الوحيد في المفاوضات المستمرة منذ انتهاء ولاية بايدن أنها تجرى مع أميركا لا مع إسرائيل. وأبدى خشيته من أن إمكانيات تنفيذ الخطة الإسرائيلية بتهجير الغزيين واحتلال كامل القطاع "تزداد إذا بقي السلوك العربي على حاله". لكنه توقف رغم ذلك عند أمرين رأى أن لهما قيمة، الأول أن الرأي العام يزداد ضغطه عربياً هذه الأيام، وثانياً اجتماع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي وملك الأردن عبد الله الثاني في القاهرة واتصالهم بترمب، وهو لقاء واتصال وصفهما بأنّ "لهما معنى".
ولاحظ بشارة أن ترمب كان منزعجاً خلال الاجتماع مع نتنياهو وخاطبه بأنه يجب أن ينهي الحرب بسرعة. ووفق تحليل بشارة ومعطياته، فإنّ هذا الانزعاج مردّه كثرة الاتصالات التي يتلقاها ترامب في الفترة الأخيرة على خلفية إبادة غزة، ثم لأن الحرب أعادت إحياء حركة التضامن العالمية حتى داخل أميركا.
من هنا، أكد بشارة وجود ما سماها "بداية تململ أميركي" من حرب غزة، وتمنى أن يزداد الضغط في هذه المرحلة من حركة التضامن لكي تفهم أميركا أن حلفاءها العرب سيتضررون من ذلك لأن الغليان قد ينفجر في وجههم.