عتبة الألم

تاريخ النشر: 21.04.2021 | 06:25 دمشق

لا يؤلم الجرح مكانه مرتين، يصبح الألم أقل فاعلية وتأثيراً مع التكرار لكن الجراح لا تندمل بسهولة وتبقى مفتوحة وعصية على الشفاء.

تشعر المشاعر بالسأم مثلنا وتفقد الرغبة في الاستمرار، أو ربما تتعرض النواقل العصبية للتلف مع الوقت بسبب شدة وتكرار التنبيه فيتوقف الألم، تلك هي اللحظة التي نعتقد فيها أننا شفينا على الأرجح أو أننا فقدنا الشعور بالأشياء من حولنا.

نحن نكبر ونتعلم بتجاربنا المتعاقبة، لكننا نشيخ من فرط الألم ونصبح أكثر قسوة وأقل مبالاة، لأننا نعتاد نمطاً مختلفا من السلوك المحيط، نمط لا يعترف بالرحمة ولا تعنيه فكرة الإنسانية ولا يعتقد أنه من المجدي التخفيف عن آلام الآخرين. 

لم تعد الآلام الجسدية التي نخرت لحمنا وعظامنا هي سبب الاستمرار في الألم، لقد نخر البؤس نفوسنا وأحلامنا وتفاصيلنا اليومية، حتى بتنا نشعر بأننا كائنات هلامية مختلفة في التكوين عن الجنس البشري.

هل تفعل الحرب كل هذا حقاً؟ أم أن الحكاية أبعد من ذلك وهي نتاج تراكمات قديمة لم ننتبه إليها وانسلت منا لتظهر مثل وحش يفترسنا بعد أن كثرت جثثنا الحية منها والميتة.

لا يبدو أننا ما زلنا نملك القدرة على التعاطف مع ما يحدث في العالم، بات جبل الهموم الذي يتربع أمامنا أصعب من أن نستطيع إزاحته أو تجاوزه، حتى إننا فقدنا نعمة التعاطف مع أنفسنا في كثير من الأحيان، وصارت السخرية من الألم واستصغاره، هي سلاحنا الوحيد كي نقنع أنفسنا بأن ما نعاني منه أمر طبيعي وزائل من دون أن نتجرأ على سؤال أنفسنا هل هو كذلك فعلاً؟؟

كلما ازداد ألمنا تناقصت إمكانية إحساسنا وتفاعلنا بما هو أقل منه، علاقة عكسية تجمع الألم بالإحساس إذ يصبح مع الوقت المقياس الطبيعي للآلام هو الحد الأعلى منها، هذا ما يسمونه علمياً ارتفاع عتبة الألم، ذلك أننا لا نشعر من الألم إلا بالأشدّ منه، وكلما كثرت آلامنا ارتفعت عتبة الألم لدينا.

من المرجح أن الألم لفرط انتشاره وتوغله يترك لدينا حالة من الاعتياد أو يبني ذاكرة للآلام المتشابهة، فإذا كنا لا نتألم لنفس الجرح مرتين فكيف إذا دام هذا الجرح عقوداً أو سنوات!؟

إن تجاهل مصدر الألم، وغضّ البصر عنه ومحاولة التعامل معه، قد يمنح الإنسان عمراً أطول أو شكل حياة أفضل لكن ذلك قد يجرده من خواص الكائن الحي بالضرورة.

غير أن علاج ذلك ليس في المتناول لدى كثير منا، ذلك أننا لا نملك الوقت للسقوط أو تحقيق رغباتنا السوداوية بإنهاء هذه الحياة، علاوة على أن الاكتئاب يصبح رفاهية بالنسبة لأمثالنا ممن يقتتلون ويتحاربون من أجل رغيف الخبز.

يفرغ العالم من مضمونه فجأة، بعد أن كنا نعتقد أننا أحسنا التعامل مع الأزمات المتتالية، أو أننا كنا أقوياء إلى درجة نجاتنا من الحرب من دون أن نموت

أما تناول مضادات الاكتئاب أو مراجعة الأطباء النفسيين أو متابعة مجموعات الدعم النفسي، فذلك ما يعد ضرباً من ضروب الخيال العلمي الذي نحلم به ونعجز عن تحقيقه بالنسبة إلى الشروط الحياتية العامة.

يبدو أننا فقدنا خواص ومواصفات الجنس البشري، فأصبح الانتحار أمراً يسيراً وسلوكاً طبيعياً لدى الكائنات التي ننتمي إليها، ذلك أنه الحق الوحيد الذي ما زال بإمكاننا استخدامه.

يفرغ العالم من مضمونه فجأة، بعد أن كنا نعتقد أننا أحسنا التعامل مع الأزمات المتتالية، أو أننا كنا أقوياء إلى درجة نجاتنا من الحرب من دون أن نموت، من دون أن نتصدع ومن دون أن نفقد قيمنا أو نفاوض على أحلامنا، لكننا في المقابل نفقد مشاعرنا وقدرتنا على التعاطف والاحتفاظ بالإحساس مصدراً لإنسانيتنا التي يبدو أننا كنا نفقدها شيئاً فشيئاً من دون أن نشعر أنها تنسلّ من بين أصابعنا.

ربما يشعر كثير منا بالغبن والندم في أحيان كثيرة بعد جولة صغيرة على ذكريات السنوات الفائتة، وربما قد يقول بعض منا في نفسه أنها قد كانت مقامرة بكل ما تعنيه الكلمة، خسرنا فيها كثيرا ولم نربح شيئاً.

لقد أصبحت مسألة القيم محط تساؤلات كثيرة ومجالاً للنقاش والتشكيك، وأصبح التساؤل مشروعاً بخصوص ما بذلنا حياتنا في سبيله فيما إذا كان يستحق الخسارات التي لحقت بنا والقرابين التي بذلناها أم لا.

لا يمكن أن نلوم أحدا على حالة التردد تلك بجدوى الإيمان بالثورة من عدمه، فنحن غير قادرين على محاكمة فكرته من الزوايا كلها وإنكار شعوره الإنساني بأنه قد خسر عمره مقابل اللا شيء الذي يعتقد كثير منا أننا ما كسبنا سواه.

لقد تزعزع إيماننا بالعدالة على سبيل المثال وكان وقع هذا الاكتشاف مؤلماً بالنسبة إلينا، لكننا وبحكمة الحياة ولعنتها وبحكم الألم ولعنته أيضاً انتظرنا طويلاً تحقيقها، ثم صرفنا التفكير عنها وبدأنا نشيح وجهنا عنها وكأننا نهرب من حقيقة مؤلمة بقدر ما هي ظالمة: أن هذا العالم ليس عادلاً. 

ربما لم تكن أي من الثورات مثالية ولا عادلة كما ينبغي، ولكنها كانت ضرورة حتمية لا يمكن للتاريخ تجاهلها والقفز فوقها، ومع ذلك وعلى الرغم من النزيف المستمر فنحن لم نخسر تماماً أو أننا لا ندرك حتى اللحظة ماهية ما ربحناه.

الثورة مثل الحياة ليست عادلة ولا يمكنها أن تكون مثالية على الإطلاق، لكن من الغبن أيضاً انتظار تحقيق نتائجها على المدى القصير، أو محاكمة نتائجها في الوقت الحاضر، ذلك أنها قد تحتاج زمناً طويلاً لمراجعتها ونحتاج نحن في المقابل أن نمتلك نفساً طويلاً لانتظار تحقيق ما حلمنا به قبل أن نتعجل في إطلاق أحكامنا.

كلمات مفتاحية