عبد العزيز الموسى والمشي "قبلة"

تاريخ النشر: 17.09.2019 | 00:09 دمشق

في وقت سابق كنتُ -أنا محسوبَ الأوادم الحَبَّابين- أضع لأحاديثي على موقع تلفزيون سوريا عنواناً ثابتاً هو "حديث أبي المراديس". هذا العنوان القريب من السجع استخدمتُه كثيراً في الصحافة السورية قبل أن يُجبرنا نظام البراميل على مغادرة وطننا والتحول إلى لاجئين في بلاد لا نعرفُ لغتَها ولا تعرفُ لغتَنا، وفيها يتحمضُ علينا الذي يسوى والذي لا يسوى.

أردتُ من هذا التذكير أن أقول إن ما أكتبُه هنا لا ينتمي إلى جنس المقالة المتماسكة التي تتضمن معلوماتٍ وبياناتٍ ولغةً رصينة وحبكةً متسلسلة منطقياً وصولاً إلى خاتمة تتضمن زبدة القول والبحث.. وإنما هو (حديث) كان أستاذنا حسيب كيالي ينعتُه بالتشريق والتغريب، وبأن الإنسان يكون في الطب وبعد قليل يصبح في البيطرة وقلع الأضراس وتقليم الأشجار..

حديث، باختصار، يعتمد على "الاستطراد".

قبل مدة من الزمن بلغني أن الصديق الروائي عبد العزيز الموسى قد جاء من كفرنبل إلى مدينة الريحانية التركية بعد اشتباه من أطباء سوريين بأن لديه (هداكا المرض) اللهم عافنا، في صدره.

عبد العزيز واحد من بقايا أصدقاء من محافظة إدلب سبق أن أطلقتُ عليهم اسم "أصدقاء العمر".. إنهم أصدقاء شبيهون بأزهار الخميلة التي قال عنها مرسي جميل عزيز: عمرُها يومٌ وتحيا اليومَ حتى مُنْتَهَاهْ.. وبالفعل عاشوا / عشنا أيامَنا بصعوبة، ومتعة، وقسوة، وفقر، وتعتير، وصبر، ونجاحات، وانتكاسات، يجمع بيننا حب الحياة والعناد والصمود في وجه المخبرين الذين كانت فروع الأمن تُفلتهم علينا متمثلةً الصرخة الاستنكارية الهازئة التي أطلقها الثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام (إطلقْ كلابَكْ في الشوارع)، وهم كلاب بالفعل بدليل قصة "الكلاب" التي أبدعها صديق العمر الراحل تاج الدين الموسى وكلفته أكثر من عشرين استدعاء إلى فروع الأمن وفي كل مرة كانوا يسألونه: مَنْ هم الكلاب الذين تقصدهم في هذه القصة الحقيرة؟..

في سنة 2001 ذهبنا، تاج الدين وأنا، لزيارة عبد العزيز الموسى في منزله الواقع إلى الجنوب من مدينة

ونحن نتناول الطعام على سفرة عبد العزيز تمازحنا حول موضوع الأسماء. قلت تخيلوا روائياً معروفاً في سوريا، وفي كثير من الدول العربية، يعرفُه أهلُ بلدته باسم آخر

كفرنبل لأجل موضوع سآتي على ذكره لاحقاً. كنا نركب البيكاب الزراعي الخاص بي ونبحث عن بيته. الشيء الظريف أننا، في أول زيارة لكفرنبل، وهي سابقة لزيارتنا (تاج وأنا).. سألنا بعض العابرين على منزل عبد العزيز الموسى فلم يعرفوه.. كنا نقول لهم: عبد العزيز الموسى، أستاذ فلسفة، كاتب، روائي، فيستغربون سؤالنا.. دواليك إلى أن قال أحدهم: أي عرفته. قصدكم عبد العزيز الشاكر. قلنا: ربما كان هو. فقال: أي أي، هادا كاتب وروائي ورجل محترم.. ودلنا إلى بيته.

في تلك الزيارة، الأولى، ونحن نتناول الطعام على سفرة عبد العزيز تمازحنا حول موضوع الأسماء. قلت تخيلوا روائياً معروفاً في سوريا، وفي كثير من الدول العربية، يعرفُه أهلُ بلدته باسم آخر. أنا، مثلاً، بقيت أُعْرَفُ باسم محمد بدلة، حتى دخلتُ المدرسة، ووقتها فوجئت أنا نفسي بأن اسمي خطيب. وعرفت بعد لأي أن اسمي مركب محمد خطيب.

تعتبر هذه الالتباسات، كما أزعم، من مساوئ الاسم المركب الذي يلجأ إليه السوريون لحل الإشكالات التي تنشأ بين المرأة وزوجها عند تسجيل كل مولود جديد. هي تريد أن تسمي الولد أحمد، على سبيل المثال، لأنها رأت النبي "الخضر" في نومها وهو يرتدي أبيض بأبيض وقال لها: أنت حامل بصبي، وبدك تسميه أحمد، وأهل زوجها، رغم أنها أخبرتهم بحكاية المنام، يصرون على تسميته باسم جَده خالد، مثلاً، وبعد جدال ينصحهم أحد المصلحين بأن يسموه أحمد خالد، فيستجيبون لنصيحته، ويعرف الفتى بين الناس بأحد الاسمين أحمد أو خالد، وفي المدرسة بكليهما.. ويضطر الأهل لتسمية البنت على اسم جدتها "فاطمة" ولكنه اسم غير عصري، لذلك يسمونها فاطمة سوزان، مثلاً.. ومن جهة أخرى، في بلدات ريف إدلب عموماً، كل شخص له اسمان، الاسم المسجل في الهوية والاسم الذي يَنسبه إلى أبيه أو جده، مثلاً محمود الزين يُعرف باسم محمود سميعين، لأن اسم أبيه "إسماعيل"، ويلفظونها سميعين، وعبد العزيز الموسى هو عبد العزيز الشاكر نسبة إلى جد العائلة شاكر..

أهل القرى والبلدات الصغيرة لديهم خاصية أخرى، وهي الاعتماد في شروحاتهم الجغرافية على

أخبرني لاحقاً أنه كتب كل أعماله الروائية وهو (يمشي قبلة).. القصد أنه يكتبها في عقله، وتبقى مسألة نقلها إلى الورق روتينية

الجهات الأربع مع إصرارهم على تسمية جهة الجنوب "قبلة". الرجل الذي أكد لنا أنه يعرف الروائي عبد العزيز الشاكر دلني على بيته قائلاً: شوف يا أستاذ هلق بتشرق من هون، وبآخر الطريق بتشتمل، وبتردّ بتشرّق، بعدين بتقتبل، وبتضل رايح قبلة لتلاقي أربع خمس بيوت على يسارك، هناك بيت عبد العزيز.. ولا تنسى لما بتسأل على بيته تقول شاكر بدل الموسى.

استقبلتنا السيدة أم محمد بالترحاب، وخرج محمد (الذي قتله الروس في قصف مركز على المدنيين ذات يوم لاحق) وقال تفضلوا، أبوي عم يمشي قبلة.

عرفنا، فيما بعد، أن عبد العزيز يمشي جنوباً (قبلة) في كل يوم مسافات طويلة، يفكر خلالها بهذه الحياة العجيبة، وبمجرد ما يضع أول قدم على الطريق تبدأ سيالة اللاشعور بالتدفق، وبحسب ما أخبرني لاحقاً أنه كتب كل أعماله الروائية وهو (يمشي قبلة).. القصد أنه يكتبها في عقله، وتبقى مسألة نقلها إلى الورق روتينية.

خلاصة 1- التحاليل التي يجريها عبد العزيز في مدينة أضنة لم تجزم حتى الآن بوجود هداكا المرض أو عدمه، ولكننا متعلقون بالأمل بأنه سينجو.

خلاصة 2- في تلك الزيارة طرحنا على عبد العزيز موضوع التوقيع على بيان المجتمع المدني، ذلك التوقيع الذي جعلنا نحن الأربعة (عبد العزيز- عبد القادر عبدللي- تاج الدين الموسى وأنا) من ألد أعداء النظام متمثلاً بمختلف أنواع الكلاب.. سأكتب عن هذا في الحديث القادم.

كلمات مفتاحية
نظام الأسد يعيد تمركز قواته في حاجز "الدوار" غربي درعا
درعا.. الخبز عبر "البطاقة الذكية" بداية الشهر المقبل
وجهاء بلدة المزيريب غربي درعا يوافقون على بنود تسوية مع نظام الأسد
أعلى مستوى بتاريخه.. حجم الدين العالمي يقترب من 300 تريليون دولار
قانون جديد للإيجار في تركيا يصب في مصلحة المستأجر.. تعرف إليه
في الأسواق منذ 40 عاماً.. دواء مرشح للعلاج والوقاية من كورونا