icon
التغطية الحية

عبد الرحمن السيد.. الأميركي من أصل مصري الذي هز الحزب الديمقراطي وأربك ترمب

2026.08.07 | 15:06 دمشق

آخر تحديث: 2026.08.09 | 12:30 دمشق

عبد الرحمن السيد.. الأميركي من أصل مصري الذي هز الحزب الديمقراطي وأربك ترمب
عبد الرحمن السيد.. الأميركي من أصل مصري الذي هز الحزب الديمقراطي وأربك ترمب
 تلفزيون سوريا - وكالات
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- فوز عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ميشيغان يُبرز قوة الجناح التقدمي، حيث تغلب على النائبة المدعومة من المؤسسة التقليدية، مما يعكس تحولًا في الديناميكيات السياسية داخل الحزب.

- السيد، طبيب وسياسي أميركي من أصل مصري، برز خلال جائحة كورونا بدعوته لتوسيع خدمات الرعاية الصحية، ورغم خسارته في انتخابات حاكم الولاية عام 2018، إلا أنه عاد بقوة في سباق مجلس الشيوخ.

- ميشيغان، ولاية متأرجحة ذات ثقل اقتصادي وسياسي، شهدت تنافسًا حادًا بعد إعلان السيناتور غاري بيترز عدم الترشح، وفوز السيد يُظهر تنامي التأثير السياسي للجاليات العربية والإسلامية والناخبين الشباب.

لم يكن فوز الطبيب والسياسي الأميركي من أصل مصري عبد الرحمن (عبدول) السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عن ولاية ميشيغان في 5 من آب الجاري مجرد انتصار انتخابي، بل تحول سريعا إلى أحد أبرز الأحداث السياسية في الولايات المتحدة. فقد، حسم السيد بطاقة الحزب لخوض انتخابات مجلس الشيوخ بعد فوزه على النائبة "هالي ستيفنز"، المدعومة من المؤسسة التقليدية للحزب، في نتيجة وصفتها وكالة (رويترز) بأنها انتصار كبير للجناح التقدمي واختبار لقدرته على الفوز في ولاية متأرجحة سبق أن منحت أصواتها لدونالد ترمب في انتخابات الرئاسة عام 2024 .

من هو عبد الرحمن السيد؟ 

وُلد السيد عام 1984 في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان لوالدين مصريين هاجرا إلى الولايات المتحدة، ونشأ في بيئة جمعت بين التعليم والعمل العام. درس في جامعة ميشيغان، ثم حصل على منحة "رودس" المرموقة لمتابعة دراسته في جامعة أكسفورد البريطانية، قبل أن ينال شهادة الطب من جامعة كولومبيا ويتخصص في الصحة العامة.

ولم يتجه مباشرة إلى السياسة، بل بدأ مسيرته المهنية طبيبا وباحثا في مجال الصحة العامة، ثم تولى إدارة قطاع الصحة في مدينة ديترويت، قبل أن يُعيَّن مديرا لدائرة الصحة والخدمات الإنسانية وشؤون المحاربين القدامى في مقاطعة واين، أكبر مقاطعات ولاية ميشيغان. وخلال جائحة كورونا، برز اسمه على مستوى الولاية بفضل إدارته للملف الصحي ودعوته إلى توسيع خدمات الرعاية الصحية وتحسين قدرة المؤسسات العامة على مواجهة الأزمات.

ورغم أن دخوله السياسة لم يبدأ مع انتخابات مجلس الشيوخ، فإن تجربته الأبرز كانت عام 2018 عندما ترشح لمنصب حاكم ولاية ميشيغان. ورغم خسارته آنذاك، فقد رسخ مكانته بوصفه أحد الوجوه الصاعدة في الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، وهي التجربة التي مهدت لعودته بعد إعلان شغور مقعد مجلس الشيوخ.

لماذا تحظى ميشيغان بكل هذه الأهمية؟

تعد ميشيغان واحدة من الولايات الأميركية المتأرجحة، أي تلك التي لا تمنح أصواتها بشكل ثابت لأي من الحزبين الجمهوري أو الديمقراطي، ولذلك غالبا ما تكون نتائجها حاسمة في الانتخابات الرئاسية وانتخابات الكونغرس.

وتحظى الولاية بثقل اقتصادي وسياسي كبير، إذ تضم مدينة ديترويت، القلب التاريخي لصناعة السيارات الأميركية، كما يعيش فيها أكثر من عشرة ملايين نسمة، وتضم واحدة من أكبر الجاليات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة، ولا سيما في مدينتي ديربورن وهامترامك.

وتكتسب انتخابات مجلس الشيوخ في ميشيغان هذا العام أهمية مضاعفة، لأن المقعد أصبح شاغرا بعد إعلان السيناتور الديمقراطي "غاري بيترز"، في 28 من كانون الثاني 2025، عدم الترشح لولاية ثالثة، منهيا بذلك مسيرة استمرت أكثر من عشر سنوات في المجلس. وأدى هذا القرار إلى فتح واحد من أكثر السباقات تنافسا داخل الحزب الديمقراطي.  

بداية السباق

بعد أقل من ثلاثة أشهر على إعلان السيناتور "غاري بيترز" انسحابه، أعلن عبد الرحمن السيد، في 17 نيسان 2025، دخوله السباق رسميا للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي.

ولم يكن السيد اسما جديدا في الحياة السياسية بولاية ميشيغان، غير أن ترشحه هذه المرة حمل دلالة سياسية أعمق من مجرد محاولة جديدة للوصول إلى منصب منتخب؛ إذ رأى كثير من المراقبين أن السباق يمثل اختبارا لقدرة الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي على فرض حضوره في واحدة من أهم الولايات الأميركية، في مواجهة مرشحين يحظون بدعم المؤسسة الحزبية التقليدية.

ومع انطلاق الحملة الانتخابية، لم تعد المنافسة تُقرأ باعتبارها صراعا بين شخصين، بقدر ما أصبحت مواجهة بين رؤيتين لمستقبل الحزب الديمقراطي: الأولى تتمسك بالنهج التقليدي الذي قاد الحزب خلال السنوات الماضية، والثانية تسعى إلى دفعه نحو أجندة أكثر تقدما في الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسة الخارجية.

ليس مرشحا تقليديا

منذ الأيام الأولى لحملته، حرص عبد الرحمن السيد على تقديم نفسه بوصفه مرشحا مختلفا عن النخبة التقليدية في الحزب الديمقراطي.

فهو ينتمي إلى التيار التقدمي الذي يُعد السيناتور "بيرني ساندرز" أحد أبرز رموزه، وهو تيار يدعو إلى توسيع مظلة الرعاية الصحية، ورفع الضرائب على أصحاب الدخول والثروات المرتفعة، والحد من نفوذ الشركات الكبرى وجماعات الضغط في الحياة السياسية، إلى جانب تبني مواقف أكثر تشددا في قضايا العدالة الاجتماعية والسياسة الخارجية.

ولهذا السبب، لم تُنظر إلى الانتخابات التمهيدية في ميشيغان على أنها منافسة بين شخصين فحسب، بل باعتبارها مواجهة بين جناحين داخل الحزب الديمقراطي. 

وفي المقابل، حظيت منافسته "هالي ستيفنز" بدعم شخصيات نافذة داخل الحزب وشبكات تمويل انتخابية كبيرة، ما دفع كثيرا من وسائل الإعلام الأميركية إلى وصف السباق بأنه اختبار حقيقي لمستقبل الحزب الديمقراطي واتجاهه في السنوات المقبلة.

حملة مختلفة… اعتمدت على الناس لا على كبار الممولين

بنى السيد حملته على آلاف المتطوعين، واعتمد بصورة كبيرة على التبرعات الصغيرة التي قدمها أفراد من مختلف أنحاء الولاية، بدلا من الاعتماد على كبار الممولين ولجان العمل السياسي.

كما كثف لقاءاته الميدانية في المدن والبلدات، وركز بشكل خاص على الجامعات والمناطق الصناعية، إضافة إلى المدن التي تضم كثافة عربية وإسلامية مثل ديربورن وهامترامك، حيث خاطب الناخبين بقضايا الرعاية الصحية، وارتفاع تكاليف المعيشة، والعدالة الاقتصادية، بدلا من الاكتفاء بالشعارات الحزبية التقليدية.

ورغم أن منافسته تفوقت عليه في حجم الإنفاق والدعم المؤسسي، فإن حملته نجحت في تعبئة شرائح واسعة من الناخبين الشباب والمستقلين، إلى جانب ناخبين شعروا بأن الحزب الديمقراطي ابتعد خلال السنوات الأخيرة عن أولوياته الاجتماعية والاقتصادية.

غزة… الملف الذي أعاد تشكيل السباق

منذ اندلاع الحرب على غزة، تبنى عبد الرحمن السيد موقفا يدعو إلى وقف إطلاق النار، وربط استمرار المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل باحترام القانون الدولي وحماية المدنيين، وهو موقف انسجم مع مطالب شريحة واسعة من الناخبين التقدميين، كما لاقى صدىً كبيراً داخل الجاليتين العربية والإسلامية في الولاية.

في المقابل، التزمت منافسته بمواقف أقرب إلى الخط التقليدي للحزب الديمقراطي في دعم إسرائيل، وهو ما جعل الملف يتحول إلى أحد أبرز محاور الحملة الانتخابية.

وأشارت تقارير إعلامية أميركية إلى أن هذه القضية أسهمت في رفع نسبة مشاركة الناخبين العرب والمسلمين، إلى جانب الشباب التقدمي، الذين رأوا في الانتخابات فرصة للتأثير في توجهات الحزب الديمقراطي، وليس فقط لاختيار مرشح لمجلس الشيوخ.

ويرى مراقبون أن نجاح عبد الرحمن السيد لم يكن نتيجة لعامل واحد، بل جاء نتيجة لتلاقي عدة عوامل في لحظة سياسية حساسة: حملة شعبية اعتمدت على المتطوعين، وبرنامج اقتصادي واجتماعي تقدمي، وحضور قوي في ملف الصحة العامة، إضافة إلى تأثير الحرب في غزة على المزاج الانتخابي في واحدة من أكثر الولايات الأميركية حساسية.

لماذا هاجمه ترمب؟ 

لم ينتظر الرئيس الأميركي دونالد ترمب انطلاق الحملة الانتخابية العامة حتى يهاجم عبد الرحمن السيد.

فبعد ساعات فقط من إعلان نتائج الانتخابات التمهيدية، بدأ الجمهوريون حملة سياسية وإعلامية لتصوير المرشح الديمقراطي الجديد بوصفه ممثلا لليسار المتطرف، في حين كتب ترمب عبر منصة "تروث سوشال" أن فوز عبد الرحمن السيد "خبر رائع للحزب الجمهوري"، في إشارة إلى اعتقاده بأن ترشيح شخصية تنتمي إلى الجناح التقدمي سيمنح الجمهوريين فرصة أكبر للاحتفاظ بالمقعد في الانتخابات العامة.

كما وصفته لجان انتخابية جمهورية بأنه الأكثر تطرفا بين مرشحي مجلس الشيوخ، وبدأت شخصيات محافظة باستخدام أوصاف مثل "اشتراكي" و"شيوعي"، وهي مفردات تتكرر كثيرا في الخطاب السياسي الأميركي عند مهاجمة المرشحين المنتمين إلى الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.

هل عبد الرحمن السيد شيوعي؟

الإجابة، وفق تصنيف الحياة السياسية الأميركية، هي: لا، فعبد الرحمن السيد يُعرف بأنه ديمقراطي تقدمي (Progressive Democrat)، وهو تيار يعمل من داخل الحزب الديمقراطي ولا يدعو إلى إسقاط النظام الرأسمالي أو إلغاء الملكية الخاصة، وهما من أبرز المبادئ التي تقوم عليها الشيوعية.

ويركز التيار التقدمي على إصلاح النظام الاقتصادي والاجتماعي من خلال توسيع دور الدولة في مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم، ورفع الضرائب على أصحاب الدخول والثروات المرتفعة، وتشديد الرقابة على الشركات الكبرى، وتقليص نفوذ جماعات الضغط في صنع القرار السياسي.

أما الشيوعية، فهي أيديولوجيا تقوم على إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وإقامة اقتصاد تملكه الدولة أو المجتمع، وهو طرح لا يتبناه عبد الرحمن السيد ولا الحزب الديمقراطي.

ماذا يعني هذا الفوز؟

يرى محللون أن أهمية فوز عبد الرحمن السيد تتجاوز حدود ولاية ميشيغان لثلاثة أسباب رئيسية.

  • أولاً، لأنه كشف أن المرشح المدعوم من القاعدة الشعبية والمتطوعين يستطيع هزيمة مرشح يحظى بدعم المؤسسة الحزبية التقليدية، وهو ما قد يشجع التيار التقدمي على خوض معارك مشابهة في ولايات أخرى.
  • وثانياً، لأنه أظهر تنامي التأثير السياسي للجاليتين العربية والإسلامية، إلى جانب الناخبين الشباب، في ولاية تُعد من أكثر الولايات حساسية في الانتخابات الأميركية، وهو ما سيدفع الحزبين الديمقراطي والجمهوري إلى إيلاء هذه الكتلة الانتخابية اهتماما أكبر خلال المرحلة المقبلة.
  • أما السبب الثالث، فيتمثل في أن الجمهوريين وجدوا في هذا الفوز فرصة لبناء خطاب انتخابي جديد يصور الديمقراطيين على أنهم يبتعدون عن الوسط السياسي ويتجهون أكثر نحو اليسار، وهو خطاب يتوقع أن يحتل مساحة واسعة في الحملات الانتخابية المؤدية إلى انتخابات التجديد النصفي.

في نهاية المطاف، قد ينجح عبد الرحمن السيد في الفوز بمقعد مجلس الشيوخ، وقد يخسره أمام المرشح الجمهوري في الانتخابات العامة، لكن ما حدث في ميشيغان تجاوز بالفعل حدود سباق انتخابي محلي.

ففوزه أعاد إلى الواجهة الأسئلة القديمة داخل الحزب الديمقراطي حول هويته السياسية، وحدود نفوذ جناحه التقدمي، كما منح الجمهوريين مادة جديدة لمهاجمة خصومهم وربطهم بأفكار يصفونها بأنها يسارية متطرفة.

وفي حين يستعد الحزبان لمعركة الانتخابات المقبلة، تبدو ميشيغان، مرة أخرى، أكثر من مجرد ولاية متأرجحة؛ فهي أصبحت ساحة اختبار لاتجاهات السياسة الأميركية، ولمستقبل الحزب الديمقراطي، وللقدرة المتزايدة للناخبين الشباب والعرب والمسلمين على التأثير في نتائج انتخابات قد تمتد آثارها إلى واشنطن بكاملها.