بعد عام على تشكيل الحكومة السورية الانتقالية في 29 آذار 2025، لم يعد النقاش يدور حول شكل السلطة الجديدة بقدر ما بات يطرح أسئلة أكثر عمقاً تتعلق بقدرتها على إدارة البلاد وطبيعة النهج والأسلوب الذي تتبعه في الحكم.
وحاولت الحكومة، التي ضمت 23 وزيراً دون رئيس للوزراء، أن تعكس مزيجاً من التكنوقراط والشخصيات السياسية، مع تمثيل محدود لمكونات مختلفة، في محاولة لتوسيع قاعدة الدعم داخلياً وطمأنة الخارج.
ومنذ البداية، رفعت الحكومة شعارات كبيرة، بما في ذلك مكافحة الفساد وإعادة بناء المؤسسات وتحسين الواقع الاقتصادي، وتحدثت عن رؤية لإصلاح النظام النقدي، ودعم الإنتاج، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار، بالتوازي مع وعود بتحسين الخدمات الأساسية من كهرباء ومحروقات وصحة.
لكن بعد مرور عام، يظهر أن الفجوة بين هذه الأهداف وبين ما تحقق فعلياً على الأرض لا تزال واسعة، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة التحديات التي واجهتها الحكومة: هل هي ناتجة عن تعقيد المرحلة الانتقالية، أم عن محدودية القدرة على الإدارة والتنفيذ، أم أنها خلل في هذه القدرة؟
قرارات في دوائر مغلقة
تشير حصيلة شهادات وآراء باحثين وخبراء إلى أن الإجابة عن هذه الأسئلة تبدأ من طريقة إدارة القرار داخل الحكومة نفسها، إذ إن التوازن الذي بدا لحظة تشكيل الحكومة عنصر قوة، تحول مع مرور الوقت إلى أحد مصادر التحدي، مع تبلور نمط إدارة واضح يعتمد على دوائر ضيقة من التأثير، تتحكم بها اعتبارات القرب الشخصي والعائلي وشبكات العلاقات والوساطات، أكثر مما تحكمها معايير الكفاءة والخبرة.
ومع توسع هذه الدوائر، باتت مفاصل القرار الأساسية محكومة بمنطق الانتقاء الضيق، الذي يفضل المقربين على أصحاب الاختصاص، وهو ما انعكس تدريجياً على جودة القرار وقدرته على الاستجابة لتعقيدات المرحلة.
وفي هذا السياق، امتد تأثير أنماط إدارة تشكلت في بيئات محدودة جغرافياً إلى بنية الحكومة، ما جعل من الصعب الانتقال إلى إدارة دولة أكثر اتساعاً وتعقيداً، إذ لم تعد الأدوات السابقة كافية، فضلاً عن أن التنوع في التشكيلة الحكومية بات أقرب إلى تمثيل شكلي، في ظل استمرار تركيز القرار ضمن نطاق ضيق، ما عمق الفجوة بين صورة الحكومة كما قُدمت عند تشكيلها، وطريقة عملها الفعلية على الأرض.
وتزداد الإشكالية وضوحاً عند النظر إلى مستوى أداء العمل الحكومي الجماعي، حيث لم تُسجل مؤشرات واضحة على انعقاد اجتماعات دورية للحكومة بصيغتها المؤسسية خلال العام الأول، سواء عبر بيانات رسمية أو تغطيات إعلامية، ما يطرح تساؤلات جدية حول آليات التنسيق وصناعة القرار.
فغياب هذا الإطار، الذي من المفترض أنه يشكل مساحة طبيعية لتوحيد السياسات ومتابعة التنفيذ، يعكس نمط إدارة يميل إلى التفكك أو العمل عبر قنوات محدودة بدلاً من العمل الحكومي الجماعي المنظم.
في المقابل، يظهر الخطاب الإعلامي الرسمي وكأنه يتعامل مع اللقاءات الثنائية بين الوزراء بوصفها بديلاً كافياً عن هذا الغياب، إذ يتم تقديم اجتماعات اعتيادية أو زيارات بروتوكولية بين وزراء ومسؤولين بوصفها مؤشراً على العمل الحكومي، بما يوحي بوجود تنسيق مؤسسي منتظم.
ويعكس هذا النوع من التغطية، في غياب مؤشرات عمل حكومي جماعي فعلي، إشكالية أعمق في فهم وظيفة الإعلام الرسمي، ودوره في نقل صورة دقيقة عن آليات عمل السلطة، لا الاكتفاء بتقديم إشارات شكلية قد لا تعكس حقيقة الأداء المؤسسي.
مؤشرات مقلقة وأسئلة مفتوحة
على الصعيد الاقتصادي، لا تزال مؤشرات المعيشة تضغط بقوة على السوريين، مع استمرار التضخم وارتفاع الأسعار، دون أن تنعكس الاتفاقيات المعلنة على تحسن ملموس في القدرة الشرائية.
وفي ملف الخدمات، الذي يمثل الاختبار الأكثر مباشرة لأي حكومة، لا تزال الصعوبات قائمة في تأمين الاحتياجات الأساسية، من كهرباء ووقود وخدمات صحية، في ظل ارتباط هذه الملفات بقدرة الدولة على بسط سيطرتها الإدارية والأمنية، وهو ما يظهر بوضوح في استمرار تحديات السلاح المنفلت.
إدارياً، ورغم الخطاب الرسمي حول الشفافية والعمل المؤسساتي، تشير مؤشرات الأداء إلى أن تفكيك البيروقراطية القديمة لم يكتمل، في ظل غياب واضح للتنسيق الحكومي، لا سيما مع عدم وجود رئيس للحكومة ضمن جهاز لا يزال في طور التشكل.
وفي السياق الأوسع، يبقى الرهان الحكومي مرتبطاً بالدعم الدولي، الذي لم يتجاوز حتى الآن حدوده السياسية والإنسانية، دون أن يتحول إلى تدفقات اقتصادية قادرة على إحداث تغيير فعلي في الواقع الداخلي.
مع هذا الواقع، تبدو الحكومة السورية الانتقالية وكأنها عالقة بين مرحلتين: الأولى تثبيت السلطة، التي نجحت فيها نسبياً، والثانية بناء الدولة، التي لا تزال تواجه فيها تحديات عميقة، وبين هاتين المرحلتين، يتشكل السؤال الأهم: هل ما نشهده هو تعثر طبيعي في مسار انتقال معقد، أم مؤشر على أزمة أعمق في بنية الحكم وآليات عمله؟
من يصنع القرار داخل الحكومة، وكيف؟
بعد عام على تشكيل الحكومة، لا تبدو المشكلة في غياب الخطط أو النوايا، بقدر ما تتعلق بقدرة هذه الحكومة على التحول إلى نموذج حكم مستقر قائم على مؤسسات واضحة وتوزيع فعلي للصلاحيات.
على مستوى الأداء العام، يقدم الباحث والأكاديمي عبد الرحمن الحاج قراءة مركبة، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى للحكومة شهدت خطوات مهمة باتجاه تثبيت مؤسسات الدولة واستعادة العلاقات الخارجية، مع أداء لافت في إدارة الملفات الدبلوماسية، مستفيدة من سياق الانتقال السياسي والموقع الجيوسياسي لسوريا.
ويلفت الحاج إلى إنجازات مثل إطلاق حوار وطني، وإقرار إعلان دستوري، وتشكيل حكومة انتقالية، إلى جانب توحيد معظم الأراضي السورية، رغم ما رافق ذلك من أحداث دامية في بعض المناطق أثرت على الثقة، خصوصاً لدى الأقليات.
لكن الحاج يؤكد أن هذا التحول لا يزال غير مكتمل، في ظل ضعف الحوكمة وتباطؤ أداء المؤسسات، وغياب رؤية مستقرة لشكل الحكم والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
من جانبه، يقدم الباحث عبد الوهاب عاصي تقييماً نقدياً لأداء الحكومة، معتبراً أنها نجحت نسبياً في الانتقال من "سلطة أمر واقع" إلى "حكومة دولة"، مستفيدة من خطوات مثل الإعلان الدستوري، والسعي لتشكيل مجلس الشعب، وفك العزلة الدولية، وصولاً إلى رفع العقوبات والحصول على اعتراف سياسي.
غير أن هذا التحول، بحسب عاصي، لم يكتمل بعد، في ظل تأخر استكمال بناء السلطة التشريعية، وغياب خطوات فعالة في الإصلاح المؤسسي، خصوصاً فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية، التي يشدد على أنها تشكل شرطاً أساسياً للانتقال من استقرار هش إلى استقرار مستدام.
ويشير الباحث السوري إلى أن الفجوة الأساسية تكمن في التباعد بين الوعود الكبيرة والقدرة الفعلية على التنفيذ، في ظل غياب خطط واضحة، وخلل في بنية إدارة العمل الحكومي، خصوصاً مع عدم وجود رئيس حكومة يتولى متابعة الأداء التنفيذي وضبط إيقاع الوزارات.
ويشدد عاصي على أن وجود رئيس حكومة ليس تفصيلاً إدارياً، بل ضرورة لإدارة الملفات التنفيذية الثقيلة، من إعادة هيكلة الوزارات وبناء الأنظمة المالية، إلى إصلاح القضاء وإعادة تأهيل البنية التحتية، وهو ما يجعل غياب هذا المنصب أحد أبرز مكامن الخلل في تجربة العام الأول.
في المقابل، يرى الباحث الدكتور أحمد قاسم الحسين أن ما تحقق خلال العام الأول لا يرقى إلى انتقال مكتمل نحو إدارة دولة على مستوى سوريا، بل يمثل تقدماً جزئياً في هذا الاتجاه، فالحكومة، وفق تقديره، انتقلت من نموذج حركي محدود إلى إطار أوسع، مع استعادة قنوات دبلوماسية ومحاولات لدمج مؤسسات مناطق مختلفة.
ويضيف الحسين أن هذا التحول لا يزال ناقصاً في ظل تفاوت السيطرة المؤسسية والأمنية، واستمرار أزمات محلية أظهرت أن الدولة لم تحتكر بعد أدوات القرار والأمن على كامل الجغرافيا، معتبراً أن المؤسسات قائمة شكلاً، لكنها لم تتحول بعد إلى مراكز قرار متوازنة، إذ يبقى القرار الفعلي متمركزاً ضمن نواة ضيقة في قمة الهرم التنفيذي، فيما تبدو عملية تفكيك البيروقراطية "هجينة"، تجمع بين قطيعة في القمة واستمرار انتقائي في الإدارة اليومية.
هل يُبنى القانون في سوريا أم يُدار مؤقتاً؟
وفي ملف القوانين وتنفيذيها، يشير القاضي والباحث القانوني محمد الحربلية، أن معظم المراسيم والقرارات التي صدرت خلال العام الأول جرى تنفيذها فعلياً، نظراً لطابعها الإسعافي، حيث عالجت ملفات عاجلة مثل رد الممتلكات ووقف الملاحقات الأمنية، إضافة إلى قرارات مالية ومرسوم العفو الذي طُبق مباشرة عبر المحاكم.
لكن هذا التنفيذ الفعلي السريع، وفق القاضي الحربلية، لا يعكس بالضرورة وجود منظومة قانونية متماسكة، إذ يلفت إلى أن الإشكالية الأعمق تكمن في بنية القوانين وآليات تنفيذها، حيث تعاني بعض النصوص من الغموض أو تفتقر إلى أدوات تطبيق واضحة، ما يفتح المجال أمام الجهات الإدارية للمماطلة وتعقيد الإجراءات، في ظل ضعف الرقابة، وهو ما يعيد إنتاج بيئة قابلة للفساد الإداري.
ويضع القاضي الحربلية هذا الواقع في سياق أوسع، مشيراً إلى استمرار تأثير البيروقراطية الموروثة، حيث لا تزال القوانين والإجراءات المعقدة من المرحلة السابقة تحكم عمل معظم المؤسسات، إلى جانب تراكم كبير من التعاميم والقرارات غير الشفافة، ما يزيد من صعوبة وصول المواطنين إلى حقوقهم.
ويحذّر القاضي الحربلية أن الخلل القانوني الأخطر يتمثل في غياب السلطة التشريعية حتى الآن، وتأخر انعقاد مجلس الشعب، ما خلق فراغاً تشريعياً كبيراً في مرحلة تتطلب إصدار قوانين ناظمة للعدالة الانتقالية وإعادة الإعمار وتنظيم الحياة العامة، وهو ما يحد من قدرة الدولة على الانتقال من إدارة ظرفية إلى بناء إطار قانوني مستقر.
وفي هذا السياق، يرى الباحث عبد الرحمن الحاج أن صورة الحكومة الانتقالية حالياً لا تعكس واقعاً متماسكاً بالكامل، إذ تظهر الفجوة في مستويين أساسيين: الأول قانوني، يتمثل في الفراغ التشريعي واستمرار الجدل حول شرعية المراسيم في غياب مجلس تشريعي فعلي، والثاني يرتبط بالفجوة بين الوعود والانطباعات التي رافقت الإعلان عن مبادرات اقتصادية واستثمارية، وبين نتائجها المحدودة على الأرض.
ويضيف الحاج أن مؤسسات الدولة لا تزال تعاني ضعفاً في الحوكمة وتباطؤاً في الأداء ورؤية مرتبكة للعمل في مؤسسات الدولة، في ظل غياب انسجام واضح بين الوزارات وتفاوت واضح بالكفاءات والأداء.
هل يعمل الأمن استباقياً أم لا زال ردّ فعل؟
في الملف الأمني، يرى الباحث والخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية نوار شعبان أن الواقع شهد تحسناً ملحوظاً مقارنة ببداية المرحلة الانتقالية، مستشهداً بنجاح مداهمات استهدفت خلايا إرهابية وشبكات إجرامية، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن هذا التحسن لا يزال محكوماً بمنطق رد الفعل أكثر من العمل الاستباقي، إذ لا تزال المقاربة الأمنية، في كثير من الأحيان، تتحرك بعد وقوع الجريمة أو التهديد، لا قبله.
ووفق شعبان، فإن الانتقال إلى منظومة أمنية أكثر فاعلية يقتضي بناء عمل متكامل قائم على جمع المعلومات وتحليلها والتدخل المبكر، بدل الاكتفاء بملاحقة النتائج.
وفيما يتعلق بملف السلاح المنفلت، يشدد شعبان على أن ثقافة السلاح ليست جديدة في المجتمع السوري، لكنها لم تعد قابلة للتبرير في مرحلة انتقالية يُفترض أن يتضاعف فيها جهد الدولة لضبط هذا الملف، فانتشار السلاح وبيعه بشكل عشوائي، حتى على مستوى السلاح الفردي، يزيد من تعقيد المهمة الأمنية، خصوصاً في بيئة ما بعد النزاع.
ويربط شعبان بين تردي الأوضاع المعيشية واستمرار بعض أشكال الفوضى الأمنية، معتبراً أن الفقر والبطالة وضعف العدالة الانتقالية كلها عوامل تُنتج بيئات قابلة للاستغلال من قبل الجريمة المنظمة أو الجماعات المتطرفة.
ومن هذا المنطلق، لا يحصر الباحث السوري الخطر في السلاح المنفلت وحده أو في هشاشة المؤسسات وحدها، بل يصف المشهد بأنه نتاج "تهديدات مركبة" لا يمكن معالجتها إلا عبر مقاربة شاملة تربط الأمن بالاقتصاد والخدمات والعدالة وبناء المؤسسات.
هل استقر الاقتصاد أم يتكيّف مع الأزمة؟
اقتصادياً، لا تبدو المؤشرات الحكومية كافية لقياس الواقع المعيشي، إذ يشير الباحث في الاقتصاد السياسي يحيى السيد عمر إلى أن محاولات الحد من التضخم وضبط الأسواق خلال العام الأول حققت نتائج جزئية، تمثلت في تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار في بعض الفترات، دون أن تنعكس بشكل ملموس على حياة المواطنين.
ويوضح السيد عمر أن استقرار الأسعار عند مستويات مرتفعة لا يعني تحسناً، بل تثبيتاً لوضع ضاغط، حيث لا يزال المواطن يقيس الاقتصاد بقدرته على تأمين احتياجاته اليومية، وهي قدرة "لا تزال تتآكل".
ويربط السيد عمر هذا الواقع بعوامل بنيوية، أبرزها ضعف الإنتاج المحلي وتراجع قطاعي الصناعة والزراعة، ما خلق فجوة بين العرض والطلب وعزز الاعتماد على الاستيراد، إلى جانب ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل واستمرار تراجع قيمة العملة.
كما يشير إلى أن محاولات ضبط سوق الصرف وتحسين قيمة الليرة بقيت مؤقتة، سرعان ما تراجعت تحت ضغط التضخم، ما انعكس مباشرة على أسعار الغذاء والخدمات الأساسية.
وعن الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية، يرى السيد عمر أنها بقيت في معظمها ضمن إطار التفاهمات الأولية أو المشاريع طويلة الأجل، دون أن تصل إلى التنفيذ الفعلي أو تمس القطاعات الأكثر إلحاحاً، وهو ما يفسر غياب أثرها على المعيشة اليومية.
ويؤكد السيد عمر أن البيئة الاستثمارية لا تزال تواجه تحديات تتعلق بغياب الاستقرار القانوني ووضوح السياسات، إلى جانب نقص الطاقة وتعقيد الإجراءات، ما يجعل أي تدفقات استثمارية محدودة وانتقائية.
ولا يفصل الباحث الاقتصادي السوري بين الاقتصاد والسياق الإقليمي، مشيراً إلى أن التوترات الإقليمية، بما فيها الحرب في إيران، ساهمت في رفع أسعار المحروقات وتعطيل بعض المشاريع، ما زاد الضغط على الداخل.
وفي المحصلة، يرى السيد عمر أن الاقتصاد السوري يعيش حالة "توازن ضعيف" بين محاولات الاستقرار وضغوط الواقع، دون أن يترجم ذلك إلى تحسن فعلي، مؤكداً أن المؤشر الحقيقي لأي أداء اقتصادي يبقى مستوى معيشة المواطن، في ظل فجوة مستمرة بين الأجور والأسعار.
التمثيل داخل الحكومة: احتواء أم تقاسم سلطة؟
على مستوى التمثيل، تشير الشهادات إلى وجود تقدم رمزي في إشراك مكونات مختلفة داخل الحكومة، لكنه لم يتحول بعد إلى شراكة فعلية في صنع القرار، في ظل استمرار تمركز التأثير ضمن دوائر محدودة.
ويرى الباحث أحمد قاسم الحسين أن التمثيل لا يُقاس بعدد الوجوه المتنوعة، بل بمدى تأثيرها الفعلي داخل مراكز القرار، مشيراً إلى أن ما تحقق حتى الآن أقرب إلى "احتواء رمزي" منه إلى تقاسم حقيقي للسلطة، خاصة مع غياب ضمانات مؤسسية تحول دون تهميش هذه المكونات أو إبقائها خارج دوائر التأثير.
وفي السياق نفسه، يلفت السياسي والدبلوماسي بسام بربندي إلى إشكالية إضافية تتعلق بطبيعة الاختيار، حيث يغيب حضور شخصيات تمتلك حيثية اجتماعية حقيقية داخل سوريا، مقابل الاعتماد على شبكات علاقات ضيقة في التعيينات، وهو ما يضعف تمثيل الفئات المختلفة، ويخلق فجوة بين الحكومة والمجتمع الذي يفترض أن تعكسه.
ويحذر بربندي من أن استقدام شخصيات لا تمثل بيئاتها فعلياً، مع تقديمها كتمثيل لمكونات أو مناطق، يعيد إنتاج الخلل بدل معالجته.
ويلفت الدبلوماسي السوري إلى أن غياب الفصل الواضح بين الموظفين المرتبطين ببنية النظام السابق وبين العاملين ضمن الجهاز الإداري، أسهم في استمرار شخصيات محسوبة على المرحلة السابقة في مواقعها، دون معالجة حقيقية لهذا الملف.
ويمتد هذا الخلل إلى بنية الإدارة نفسها، حيث يشير القاضي محمد الحربلية إلى استمرار تأثير البيروقراطية الموروثة، من خلال القوانين المعقدة والتعاميم غير الشفافة التي لا تزال تحكم عمل المؤسسات، ما يعقد الوصول إلى الحقوق ويبطئ الأداء الإداري.
وبين التمثيل الشكلي واستمرار أنماط الإدارة القديمة، تتشكل صورة هيكلية هجينة، لا تزال في طور التشكل، حيث تختلط محاولات بناء نموذج جديد مع إرث مؤسسي ثقيل، في ظل غياب إصلاح إداري عميق يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومؤسساتها من جهة، وبينها وبين المجتمع من جهة أخرى.
شرعية مشروطة وثقة قابلة للتآكل
وعن الثقة والمشروعية، تبدو الحكومة الانتقالية وكأنها تمتلك رصيداً متعدداً من الشرعية، سياسياً وشعبياً ودولياً، لكنها شرعية لا تزال هشة وغير مكتملة، ومشروطة بقدرتها على التحول إلى نتائج ملموسة.
ووفق الباحث أحمد قاسم الحسين، يمكن توصيف المزاج العام بأنه "ثقة مشروطة"، حيث يوجد دعم نسبي للحكومة، لكنه غير مستقر، وقابل للتآكل في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية والأمنية، وتفاوت الرضا بين الفئات، لا سيما لدى الأقليات والنساء والفئات الأكثر تعليماً.
ويتقاطع هذا التوصيف مع ما يطرحه السياسي والدبلوماسي بسام بربندي، الذي يرى أن الحكومة نجحت في تثبيت حضورها الخارجي ونيل اعتراف سياسي وشرعية دولية، إلى جانب احتفاظها برصيد شعبي واضح، حيث لا يزال جزء كبير من السوريين ينظر إليها بوصفها "أملاً".
إلا أن هذه الشرعية، كما يؤكد بربندي، لم تترجم إلى تحسن فعلي في الخدمات أو تناغم حقيقي بين الدولة والمجتمع، ما أبقى العلاقة في حالة ترقب وانتظار، وفتح المجال أمام فجوة متزايدة بين التوقعات والأداء.
وتظهر هذه الفجوة في أكثر من مستوى، من بطء معالجة ملفات العدالة الانتقالية، إلى استمرار الإشكاليات في التمثيل، حيث لا يزال إشراك المكونات أقرب إلى الطابع الرمزي منه إلى الشراكة الفعلية في صنع القرار، كما أشار الحسين، وهو ما يعززه، بحسب بربندي، ضعف حضور شخصيات ذات حيثية اجتماعية حقيقية داخل البلاد، مقابل الاعتماد على دوائر ضيقة في التعيينات.
كما يبرز غياب الحسم في التعامل مع إرث البيروقراطية السابقة، واستمرار شخصيات محسوبة على النظام السابق في مواقعها، كعامل إضافي يضعف الثقة.
من جانبه، يحدد الحسين جملة من العوائق البنيوية أمام بناء شرعية كاملة، تتراوح بين مركزية القرار وضعف التوازن المؤسسي، وعدم اكتمال احتكار الدولة للسلاح، وصولاً إلى التدهور الاقتصادي وغموض المسار الدستوري والسياسي، وهذه العوائق تتقاطع مع ما أشار إليه عبد الوهاب عاصي حول تأثير غياب الإصلاح المؤسسي والعدالة الانتقالية، ومع ما لفت إليه نوار شعبان بشأن "التهديدات المركبة" التي تربط الأمن بالاقتصاد والخدمات، ما يجعل الشرعية في سوريا اليوم نتاجاً لمعادلة معقدة، لا يمكن اختزالها بعامل واحد.
كما يؤكد الباحث عبد الرحمن الحاج أن استكمال بناء الشرعية يتطلب مساراً متكاملاً يبدأ بترسيخ القانون واستقلال القضاء، ويمر بإجراء انتخابات نزيهة، وينتهي بإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس المواطنة والتمثيل الحقيقي.
وتتفق شهادات المصادر في هذا التقرير على أن استعادة الثقة لا تمر عبر الخطاب أو الشرعية الشكلية، بل عبر مسار عملي واضح، يبدأ بترسيخ سيادة القانون واستقلال القضاء، ويمتد إلى مساءلة شفافة عن الانتهاكات، وإشراك سياسي حقيقي لا رمزي، وتحقيق تحسن ملموس في الخدمات والاقتصاد، إلى جانب رسم خارطة طريق دستورية وانتخابية واضحة.
في المحصلة، وبعد عام على تشكيلها، تبدو الحكومة الانتقالية السورية وكأنها نجحت في تثبيت حضورها وفتح نافذة سياسية جديدة، لكنها لم تنجح بعد في تحويل هذه الفرصة إلى نموذج حكم مستقر، فالفجوة بين ما تملكه من شرعية وما تقدمه من أداء لا تزال قائمة، بل تتسع في بعض الملفات، وهو ما يضعها أمام اختبار حاسم:
إما أن تنتقل من شرعية قائمة على الأمل والدعم المؤقت، إلى شرعية قائمة على الإنجاز والمؤسسات، أو أن تبقى عالقة في منطقة رمادية، حيث تستمر الوعود في التراكم دون أن تتحول إلى واقع يلمسه السوريون في حياتهم اليومية.