في العام 2019، نشرت صحيفة فايننشال تايمز تقريرا عن رجال أعمال بنوا ثرواتهم من الحرب السورية، ومن بينهم كان رجل الأعمال السوري محمد حمشو. حينذاك وصفت الصحفية حمشو نقلا عن موظف لديه بأنه "ظل ماهر الأسد"، هذا الظل يعود اليوم ليخيم على المشهد الاقتصادي في سوريا بعد التحرير، حيث أعاد إعلان حمشو توقيع ما وصفه بـ"اتفاق حكومي شامل" سيرته إلى صدارة المشهد العام في سوريا، فاتحًا بابًا واسعًا من الجدل في الأوساط الشعبية والإعلامية، إذ لم يكن هذا الجدل نابعًا من مضمون الاتفاق بقدر ما ارتبط بسجل الرجل وصلاته الطويلة بالنظام المخلوع، وهو ما جعل الخطوة محمّلة بدلالات تتجاوز بعدها الاقتصادي المباشر.
ممحمد حمشو، الذي خضع لعقوبات دولية، قال عنه ديفيد كوهين، مسؤول في وزارة الخزانة الأميركية عام 2011: "جمع محمد حمشو ثروته من خلال علاقاته مع شخصيات نافذة في النظام"، مضيفًا أن "حمشو اختار الوقوف إلى جانب بشار الأسد، وماهر الأسد، وآخرين مسؤولين عن العنف الذي يمارسه النظام". وفق الصحيفة الأميركية.
وقال مسؤولون أميركيون ورجال أعمال سوريون إن نجاح حمشو يعود إلى علاقته القوية مع ماهر الأسد، شقيق رئيس النظام وقائد الفرقة الرابعة في جيش النظام. ويُعتقد أن ماهر هو ثاني أقوى شخصية في سوريا بعد شقيقه.
ويُعد حمشو من أبرز الأسماء التي برزت في المشهد الاقتصادي السوري خلال العقدين الماضيين، إذ ارتبط اسمه بالنفوذ والسلطة، وكان حاضرًا في عدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية، مستفيدًا من قربه من دوائر القرار في مرحلة اتسمت بتشابك المصالح بين المال والسياسة.
هذا التاريخ جعل من أي تحرك جديد يقوم به محل متابعة دقيقة وحساسية خاصة لدى شريحة واسعة من السوريين، لا سيما في مرحلة ما تزال فيها الذاكرة الجمعية مثقلة بتجارب الفساد والاحتكار وتغوّل رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة.
وبين من يرى في الخطوة محاولة لتنظيم الوضع القانوني وفتح صفحة جديدة، ومن يعتبرها إعادة تدوير لوجوه ارتبطت بسنوات من القمع والفساد، تتجدد جراح السوريين ويعود الجدل حول معنى التغيير ومساره في سوريا ما بعد سقوط النظام.
لجنة لمكافحة الكسب غير المشروع
إلى جانب إعلان رجل الأعمال محمد حمشو عبر صفحته على فيسبوك توقيع ما وصفه بـ"اتفاق حكومي شامل"، قال إنه جاء "للتوضيح واحترامًا للرأي العام"، مؤكّدًا أن الاتفاق أُبرم مع الحكومة السورية "وفق الأطر القانونية والرسمية المعتمدة"، وبهدف "تنظيم وتثبيت الوضع القانوني وفتح صفحة جديدة، من دون الدخول في أي سجالات أو نقاشات تتعلق بالمراحل السابقة"، لفت انتباه السوريين تزامن هذا الإعلان مع بيان صادر عمّا تُسمّى لجنة مكافحة الكسب غير المشروع.
ونشرت اللجنة عبر موقعها الإلكتروني https://igcc.gov.sy/ خبرًا أعلنت فيه "إنجاز تسوية رسمية" مع محمد حمشو، ضمن برنامج "الإفصاح الطوعي" الذي أطلقته حديثًا، وقالت إن الهدف منه تحقيق العدالة الاقتصادية وضمان شفافية الأصول والممتلكات لدى رجال الأعمال الذين يُشتبه في اكتسابهم حسابات ومصالح نتيجة لقربهم من النظام السابق.
وذكرت أن التسوية جاءت بعد تحقيقات موسّعة وفحص شامل للأصول والإقرارات المالية المقدّمة، معتبرًا أن البرنامج يتيح تسوية الأوضاع القانونية والضريبية "من دون المساس بحقوق الدولة أو تجاوز إطار القانون"، وأن هذه الخطوة تمثل محطة في مسار الإصلاحات الاقتصادية والقانونية وتعزيز النزاهة والشفافية.
وبالعودة إلى الموقع الرسمي للجنة، يتبيّن أنها أُحدثت بتاريخ 4 من أيار الماضي بموجب القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025، بهدف حماية المال العام ومكافحة الكسب غير المشروع بجميع أشكاله واسترداد الأموال غير المشروعة، وتعزيز النزاهة والشفافية في مؤسسات الدولة وقطاعات الأعمال، ويرأسها باسل سويدان.
غير أن مراجعة نشاط اللجنة المنشور تُظهر محدودية لافتة، إذ لا تتضمن سجلاتها سوى خبر واحد يعود إلى 28 من كانون الأول الماضي، إضافة إلى خبر توقيع اتفاق التسوية مع حمشو بتاريخ 7 من كانون الثاني الجاري.
هذا الغموض في نشاط اللجنة وتوقيت بروزها الإعلامي فتح بابًا واسعًا من التساؤلات. وفي هذا السياق، يقول الباحث الاقتصادي محمد علبي إن من المحتمل أن يكون إنشاء اللجنة قد جاء لتوفير غطاء لتسويات مع رجال أعمال مرتبطين بنظام الأسد، مشيرًا إلى أن اللجنة -وفق المعطيات المتاحة- لا تمتلك صلاحيات واسعة، في ظل وجود أجهزة رقابية قائمة تتولى أصلًا مثل هذه الملفات، مثل هيئة الرقابة المركزية والهيئة العامة للرقابة والتفتيش.
ويضيف علبي لموقع تلفزيون سوريا أن اللجنة غير واضح تبعيتها المؤسسية ولا الجهة الحكومية المشرفة عليها، معتبرًا أن كيانًا بهذا الدور يفترض أن يكون تابعًا بشكل صريح لوزارة المالية أو لرئاسة الجمهورية. كما لا يستبعد الباحث أن تمتد التسويات لاحقًا إلى أسماء أخرى مثيرة للجدل ارتبطت بالنظام السابق، مثل سامر فوز وحسام القاطرجي.
داريا شاهد حيّ على تعاون حمشو مع نظام الأسد
لم تكن داريا وحدها في الذاكرة السورية، بل إلى جانب مدنٍ أخرى في ريف دمشق، شاهدًا مباشرًا على تعاون محمد حمشو مع نظام الأسد خلال سنوات الحرب، ولا سيما في مرحلة التدمير والتهجير الواسع التي طالت المدينة منذ عام 2012.
وفي شهادة لموقع تلفزيون سوريا، قال الصحفي تمام أبو الخير، وهو من أبناء داريا، إنهم يمتلكون منذ عام 2014 مقاطع فيديو تُظهر ما جرى في المدينة عندما كانت مقسومة إلى قسمين: جزء تحت سيطرة قوات النظام المخلوع، وآخر تحت سيطرة فصائل المعارضة. ووفق أبو الخير فإن القسم الخاضع للنظام "تعهدته شركات محمد حمشو لعمليات التعفيش"، حيث كانت تدخل يوميًا شاحنات كبيرة لإفراغ البيوت من كل شيء، من البلاط والسيراميك إلى أسلاك الكهرباء، مشيرًا إلى أنهم كانوا يشاهدون هذه الشاحنات وهي تخرج محمّلة بما نُهب من منازل قُصف أهلها وهُجّروا منها.
وأضاف أبو الخير لموقع تلفزيون سوريا أن حمشو "قد يكون أخذ تلك المنطقة وتعهدها بالتنسيق مع الفرقة الرابعة، في إطار ما يشبه الاستثمار الذي استفاد منه الطرفان"، لافتًا إلى امتلاك حمشو معامل خردة وحديد كبيرة داخل سوريا.
وأشار أبو الخير أن "من سرق وعفّش داريا هو نفسه من يتحمل جزءًا من مسؤولية الكارثة التي حلّت بها؛ فالسكان الذين عادوا إلى منازلهم لم يجدوا سوى جدران مهدّمة، بينما كان يمكن ترميم البيوت لو لم تُنهب بالكامل".
وفي المقابلة ذاتها، قدّم حسام اللحّام، أحد ممثلي الإدارة المدنية في داريا أيام الثورة، شهادة إضافية قال فيها إن الفرقة الرابعة كانت تتولى تدمير المنازل، في حين كان محمد حمشو-بحسب الشهادة- يتولى سرقة محتويات تلك المنازل ونقلها وتوزيعها على معامل داخل سوريا وخارجها قبل أن تطاله العقوبات الأميركية.
وتتقاطع هذه الشهادات مع تقارير صحفية سابقة أكدت أن الفرقة الرابعة سهّلت دخول آليات تابعة لشركات حمشو إلى داريا لاستخراج الحديد من أنقاض الأبنية المدمّرة، في عمليات استمرت لأكثر من عامين، أُخرج خلالها آلاف الأطنان من الخردة المعدنية التي جرى صهرها في مصانعه.
تساؤلات قانونية واقتصادية
يرى الباحث الاقتصادي محمد علبي أن الإشكالية الأساسية في الاتفاق تكمن في غياب المسوّغ القانوني الواضح، مشيرًا إلى أنه لا يوجد حتى الآن قانون صادر عن مجلس الشعب يشرعن للحكومة الدخول في هذا النوع من التسويات مع رجال أعمال ارتبطوا بالنظام السابق.
ووفق علبي، فإن أي إجراء من هذا النوع يفترض أن يستند إلى إطار تشريعي صريح يحدّد الصلاحيات والآليات والنتائج القانونية، وهو ما لا يبدو متوافرًا في هذه الحالة.
ويضيف علبي أن الجانب الاقتصادي لا يقل إشكالية، إذ إن التسريبات التي خرجت حول التسوية الموقّعة مؤخرًا تتحدث عن تنازل محمد حمشو عن أصول تشمل عقارات وشركات ومعامل، إضافة إلى مبالغ نقدية، قُدّرت مجتمعة بنحو لا يتجاوز مليار دولار. وهنا، تبرز أسئلة جوهرية حول مصير هذه الأموال: أين ستذهب تحديدًا؟ ومن هي الجهة التي ستتولى الرقابة عليها؟ وتحت أي بند ستُدرج في الخزينة العامة.
وفي هذا السياق، نقل موقع تلفزيون سوريا عن عدد من الناشطين تساؤلات أخرى تتعلق بطبيعة الأثر القانوني للتسوية، ولا سيما ما إذا كانت الأموال التي جرى تحصيلها تعفي حمشو من الملاحقة على الجرائم المالية فقط، أم تمتد لتشمل الملاحقات الجنائية المحتملة. كما طرحوا علامات استفهام حول ما إذا كان قد حصل على عفو خاص أو شخصي من رئاسة الجمهورية أو من أي جهة رسمية أخرى، وما إذا كانت هيئة العدالة الانتقالية طرفًا أو شريكًا في هذا المسار.
ويؤكد هؤلاء أن هيئة العدالة الانتقالية، من حيث المبدأ، لا يحق لها التنازل عن حقوق السوريين، لأن وظيفتها تقوم على جمع المتورطين مع ضحاياهم والسعي إلى صيغة تحقق العدالة والمساءلة وجبر الضرر، لا عقد تسويات ثنائية بين رجال أعمال والحكومة. وبحسب هذا الرأي، فإن أي تسوية تتجاوز الضحايا أو تُغلق باب المساءلة القانونية تظل محل شك، وتُبقي الأسئلة مفتوحة حول جدية الإصلاح وحدود "فتح الصفحات الجديدة".
رؤية الحكومة.. مقاربة مختلفة بانتظار التوضيح
في مقابل موجة الجدل الشعبي الواسعة التي أثارها الاتفاق مع محمد حمشو، تبرز وجهة نظر حكومية مختلفة ترى في هذه الخطوة أبعادًا قانونية وأمنية تتجاوز القراءة العامة في الشارع السوري. غير أن هذه المقاربة، حتى الآن، ما تزال غير مكتملة المعالم، في ظل غياب بيانات رسمية تفصيلية توضّح طبيعة الاتفاق وأسبابه ومعاييره، وهو ما يُبقي باب الأسئلة مفتوحًا.
وفي هذا السياق، أفاد مصدر خاص في وزارة الاقتصاد لموقع تلفزيون سوريا، فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن الاتفاق الحكومي مع محمد حمشو قد يكون جاء بعد التأكد من عدم تورطه في قضايا تتعلق بسفك الدماء، أو ثبوت صلته بتجارة مخدرات الكبتاغون.
وأوضح المصدر أن غياب أي أدلة قانونية تثبت تورط حمشو في هذين الملفين يُعد عاملًا حاسمًا في تقييم وضعه القانوني، وقد يكون السبب الرئيسي وراء إعفائه من العقوبات أو إدراجه ضمن مسار تسوية قانونية.
وشدّد المصدر على أن الحكومة لا يمكن أن تتساهل، لا داخليًا ولا خارجيًا، مع أي شخص يثبت تورطه في جرائم الدم أو في تجارة المخدرات، مؤكدًا أن هذين الملفين يمثلان خطوطًا حمراء لا مجال للمساومة فيها، سواء على الصعيد القضائي أو السياسي.
وأضاف أن من المحتمل أن يكون محمد حمشو قد بادر، في إطار الاتفاق، إلى إعادة جميع أمواله ووضعها تحت تصرّف الدولة، إلى جانب تعهده بالتعاون مع الجهات المختصة وكشف شبكات فساد أخرى تعود إلى مرحلة النظام السابق.
واعتبر المصدر أن مثل هذه الخطوات، إن ثبتت، تصب في مصلحة الحكومة وتسهم في تفكيك إرث الفساد المتراكم، وهو ما قد يفسّر الوصول إلى هذا الاتفاق.